الثلاثاء، 1 يونيو 2021

ابنتي القرآنية، حظي العظيم.

أن تكون لديّ ابنة قرآنية، يعني أنني أصبحت أمًا؛ أمومة تشبه تلك الحقيقية الفيزيائية الوراثية، مليئة باللذة. ضحكة من طفل تنسي سهر ليلة، وقد يكون السهاد سيد الموقف أحيانًا إن مسه أذى أو خشيت عليه من الأذى دون أن يمسه، لكنّ قرّة العين به لو يعلم عنها ملوك الدنيا لقاتلوني عليها بالسيوف، تلك السعادة التي لا تشترى بأموال الدنيا كلها، تلك البهجة التي تطغى على كل بهجات الحياة الدنيا وزخارفها، بهجة أي إنجاز تنجزه ابنتي القرآنية وخصوصًا القرآنية منها. أن تكون لدي ابنة قرآنية، يعني أن لديّ نصيبًا من السلوى والأنس والفرح مقسومًا لي، خاصًا بي لا تعصف به شواغل الدنيا ولا تسلبنيه ما دمت ملتزمة به، يكون نصيبي من حياة الروح ملازمًا لا ينفكّ عني مهما تبدّلت مسؤولياتي، تلك الحياة التي لا أبغي عنها حولًا، تقرأ ابنتي القرآن فينسكب على قلبي عذبًا زلالًا، تلامسني كل آية كما لم تلامسني من قبل. أي نعيم أكبر من أن يختارني الله للاستماع إلى القرآن كاملًا بصوتها؟   

أن تكون لديّ طالبة أقرئها الفاتحة إلى الناس، لا يعني لي أن أستمع منها القرآن فأقوّم تفخيمها وغننها ومقادير مدودها، بل يعني لي أن بين يديّ روحًا ونفسًا، أقوّم علاقتها بالقرآن قبل أن أقوّم حروفها، وأدغم العطاء والمسارعة في الخيرات في روحها قبل أن أصحّح إدغاماتها، أن أكون أمًا قرآنية يعني لي أن أصبح كل يوم بعزم أن أكون أفضل وأرقى وأوسع، لأكون أحسن عند الله بأن أكون مثالًا أحسن لابنتي، يعني أن أجاهد لطمس أخطائي وكسلي لئلا ترثه مني فأكون دمارًا لها لا عمارًا، يعني لي أن أسعى لأكون صالحة كي يعتني الله ببناتي ويبعث لهن من يقيمُ جدرهنّ ولو اندرس رسمي. أن أكون أمًا قرآنية، يعني أن أحمل أرواحًا غير روحي على عاتقي، أن أضم قلوبًا صغيرة داخل قلبي أخشى عليها أكثر مما أخشى على قلبي. أن أكون أمًا قرآنية يعني أن أحتوي ابنتي وإن لم أصد عنها أذى الحياة فأطبب جروحها منها قدر إمكاني. أمومتي القرآنية هي حصولي على سند أتكئ عليه لخدمة القرآن إن وهنت، وأن يتصل سندي؛ ذرية ترثني دون كل مواليّ، ويجعلها ربي رضيّة. أمومتي هي اتساع حضني لكل متاعب ابنتي، واتساعها لمتاعبي، وتقاسم شظف العيش والاستظلال من حرّه بظلال القرآن بعيدًا عن لظى الركض المسعور في الحياة. أن أكون أمًا، يعني أن أكون ظلًا وارفًا لابنتي، لا يحجب عنها النور فتذبل، ولا يدعها تحترق في الرمضاء.  أن أكون شيخة وأمًا قرآنية، يعني أن كل همزاتي ولمزاتي غدت مراقَبة ممن يبغي قدوةً حسنةً، ويعني أن أستعيذ بالله ألف مرة من أن أكون قدوة سيئة أو أن أتخلى عن خلق من أخلاق القرآن فتستنكره ابنتي أو أن أُفسِد فيها ولا أصلِح. أن أكون أمًا، يعني أن أُدلّل ابنتي وأتلطف بها لطفًا يغمرها دون أن يغرقها فتفسد وتصبح بذرة عفنة لا تمثل القرآن ولا أهله. أن أكون أمًا، يعني أن أكون حليمة ورفيقة، إلا إن ارتبط الأمر بحدٍ أخلاقي أو تهاون في طلب العلم أو تقليلٍ من قدر القرآن العظيم أو رسالته بغير الأخذ به بقوة، فأقسو لتزدجر وقسوتي محض رحمة لا تشفٍ ولا غل. 

ابنتي هي غرسي الذي أسعى لإصلاحه وتزكيته لتغدو شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. ابنتي هي مشروعي الناجح الذي لا أبالي لو تركت مهامي ومشاغلي لأكرس جهدي عليه. ابنتي هي من أتسع لها ولو ضيّقت علينا الحياة، هي من أتآزر معها لتكون حياتنا قرآنًا. ومهما تلوّنت الحياة واغبرّت، ألبستُها عدسةً قرآنيةً جديدةً توضح لها رؤيتها لئلا تتيه. كلما ارتخى عزمي قرأت عليّ آيات ثم ذكرتني بعدها بالله تذكيرًا يدغدغ قلبي. حظي من القرآن أعظم وأنا أمسك بيدها لنمشي في هداية القرآن للتي هي أقوم، وننظر كيف نقوّم حياتنا به. ابنتي هي عدّتي ليومٍ أقف فيه أمام الله ليسألني عما أبليت فأقول هذه يا رب -اللهم أخلصنا وتقبلنا-. ابنتي هي التي أخاف من أن تُكتَب شهادتي فيها زورًا وأُسأَل فلا أملك جوابًا، هي التي تجعلني في كل يوم أعد جوابًا لسؤال الله عنها. ابنتي هي من أحرص أن تتخلق بأخلاق القرآن وأن تكون مسارعة للخيرات معطاءة لا تسد بابًا لا من الدنيا ولا من تعليم القرآن في وجه أحد، بل تأخذ بيد القوي والضعيف ليستنير بنور الله، وألا ترضى لنفسها أن تستنير وتتنعم وهي تترك الناس يعانون في الظلمات. ابنتي هي التي أعدُّها لتكون نصرًا وفتحًا للأمة لا غثاء كغثاء السيل. 

اللهم تقبّل مني بناتي، واجعل بالقرآن ثباتهن واجعلهن ثباتي، وأخلصهن واصنعهن على عينك فإنني مهما حاولت الإحسان مقصرة ومسيئة، خذ بأيديهن واجعلهن فتحًا عظيمًا لأمتنا، ونصرًا للمسلمين ولبيت المقدس، ودحضًا للأعداء. اللهم أطلق بالحق ألسنتهن، واجعلهن بتمسكهن بالكتاب صالحات مصلحات، واجعلهن شفاعة وصدقة جارية لي إلى يوم الدين. اللهم ارزقني الإحسان إليهن ما حييت ومكّن لي تقويتهن وإنارة قلبي وقلوبهن. اللهم أذقهن من لذائذ القرآن أعظمها، واجعلهن خير مذيقات للناس لذة القرآن. اللهم أنِر بالقرآن أفئدتهن وأرواحهن، واجعلهن عاملات بكل حرف قرأنه من القرآن، واجعل ختماتنا شاهدة لنا لا علينا. 

الاثنين، 17 مايو 2021

روحٌ مبتورة.

أم الشهيد التي تزغرد في جنازته، هي الأم التي يسيطر عليها السهاد والهواجس إن تأخر ولدها الرجل البالغ في العودة إلى المنزل، هي الأم التي تخشى على طفلها من نسمة هواء تمرضه، هي الأم التي يؤلمها ألم ابنها أكثر من ألمها، هي الأم التي ترضع ابنها وتهدهده، وتعلّمه كلماته، ويوم سَعدها يوم يقول ماما أو يبدأ في المشي. أم الشهيد هي الأم التي تبكي فرحًا في نجاحاته، وتأنس بمراقبته وهو يكبر، أم الشهيد هي التي حلمت بأن يكبر ليكون طبيبًا أو إمامًا. أم الشهيد قلبها فارغ ومفجوع لفقد ابنها كأي أم طبيعية في العالم، لكنّ أمّ الشهيد رغم حزنها العميق نذرت مدللها وقرة عينيها محررًا، أم الشهيد تزغرد في جنازة فقيد قلبها لأنها ترجو أن الله تقبل فلذة قلبها وأن تكون قدمَته من رحمها إلى الأرض المباركة إلى السماء قربانًا لله. أم الشهيد جذلة أن ابنها مات في سبيل مقدّسات وأرض وقضيّة ولم يمت هوانًا. أم الشهيد يغلب حبّ قضيّتها على حبّ جوار ابنها -الذي لا يعلى عليه في قلوب الأمهات-.

أقصى خوف لا نستطيع تجاوز صدمته النفسية -نحن الآمنون في أوطاننا- حادث سير لم نُصَب فيه بأذى، بل كانت الصدمة كفيلة بأن توقظنا في الليلة الواحدة مرات. نحن الآمنون لم نجرب انهيار بيوتنا علينا، لم نجرب ثقل الطوب والحديد والأسقف، لم تكن وجبتنا الأخيرة في سفرة الطعام ونكون نحن الوجبة التالية لمفترسينا. نحن الآمنون صدماتنا النفسية مهما ساءت هي أقل روعًا، أما شعب الكرامة، فهم الذين تخرس ألسنتهم وتتفتت قلوبهم بصمت، هم الذين يلعب أطفالهم تحت القصف لامبالين، لكنهم يخافون ويبكون ويذعرون. ذاك الشعب الصامد يزأر في وجه عدوّه، لكنّ قلبه قلب بشر، ينكسر ويموت ألف مرة وهو حي. 

أن تعيش ثمانية أيام متواصلة تحت القصف ليل نهار، أن ترى مدينتك التي ولدت فيها وتغذيت على هوائها منكوبة تحترق وتتدمر، أن ترى بيوت جيرانك وأهلك مسوّاةً بالأرض، أن يُقصَف بيت جارك فيتكسر زجاج بيتك متشظيًا نحو أطفالك فينفجر طفلك الرضيع بكاءً غير مدرك لما حوله، أن تلتم أنت وأطفالك في زاوية من البيت تنتظرون حتفكم الآن أو بعد قليل، أن تصبح رائحة الموت أكثر انتشارًا في الجو من رائحة الحلوى، أن تتقوى رغم صوت القصف ليصلك خبر رحيل عزيز عليك اجتثت أحلامه لأنه مدنيّ فلسطيني قرر ألا يترك بلده، أن تفقد قلبك بين الركام ولو أخرجوك حيًا، ألا تكون قادرًا على التعافي من أي شيء، أن يكون الكرب والحزن والخوف أكبر مما تطيق ورغم ذلك تصمد وتقول أنه كله فداء للأقصى، هنا غزة. 

تُبتَر روح الإنسان في غزة قبل وقت انتزاعها. يقف صامدًا عزيزًا ويضحك في جنازة أحبابه، لكنّ ألف سبيل للحياة يموت في داخله. يموت الأخ والحبيب والسند والرفيق والزوج والأطفال والأمهات، تموت الثكالى واليتامى والحزانى، كلهم يموتون في سبيل الحرية. نكتب عن الشهادة وعن الصمود وعن البطولة، وننسى الأحلام ونظرات العيون الشاردة والحب، ننسى حق الإنسان في أن يحيا في حياته، وألا يموت قبل أوانه.

تنزف غزة القوية وتضعف، ننزف نحن العاجزون أكثر ونحن بعيدون. أتعجب ألف مرة من روح البطولة العجيبة فيمن يتخلون عن عنفوان شبابهم ليشتروا الشهادة، الذين اشترى الله أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، أليس لي نصيب يا رب من هذا؟ أتأمل حياتهم وأحداثهم اليومية، هل سأشتري الشهادة مقابل كل طموحاتي وآمال شبابي وشوقي للمعة عيون أطفالي؟ لا أعرف إن كان الموت قرارًا أشتريه رغبة أو قسرًا، ما أعرفه أنهم أقوى مني. أتخيلني أفقد ما يفقدون فلا أطيق صبرًا، كيف تصبر قلوبهم المنكوبة؟

تغيّرت مقومات الحياة عندي وأنا أتبع هواي حين أشتهي ما يدعم العدوّ فلا أنهى نفسي عنه، بينما هم يبيعون حيواتهم بكل ما فيها رخيصةً فداء الأقصى. أدركت من الضعيف فينا ومن المُحتَّل قلبه ولو لم تُحتَلّ أرضه، فهمت وعد الله المجاهدين بأموالهم كل الخير لأن الأمر لم يكن وفق هواهم. صار اشتراء الله من المؤمنين أنفسهم واضحًا جدًا وأنا أراه يعلو على كل رغبات الحياة. صارت حياتي سخيفة وأنا لا أجاهد، علامَ أتنفس وآكل من رزق الله؟  

تشوشت مفاهيمي عن كل شيء وأنا عاجزة. أوقن أن ألم غزة سيُجبَر لأنهم يرجون من الله ما لا يرجوه أعداؤهم، ويقيني هذا ينجيني. ألمي كبير، غصّتي محبوسة وأنا أرى فتاةً بنفس أحلامي تفقدها كلها دفعة واحدة، والأطفال يفقدون كل شيء. دعائي ومالي ممدودان إلى غزة، ويدي قصيرة، أقصر من أن تطبب جرح أحدهم أو تطبطب على ظهره. اللهم قد طال بلاؤهم فاجبرهم وانصرهم واربط على قلوبهم، اللهم الطف بهم، وبقلوبنا نحن الآمنون الخائفون السعيدون الحزانى. اللهم مكّن لهم ولنا في الأرض واستخلفنا لنقيم الصلاة ونؤتي الزكاة ونطيعك بأمان وقوة. اللهم طهرنا وخذ بأيدينا وارحم عجزنا. اللهم فلسطين، اللهم غزة، اللهم الأقصى. 

الله أكبر من كل شيء. نقرأ الآن كل آية في القرآن وكأنها تتنزل علينا اللحظة، اللهم إنا مؤمنون نثق بك. اللهم استعملنا وأنجز وعدك، اللهم إن أهل غزة قد زلزلوا فأحل نصرك القريب عليهم وعلينا. 

﴿نَتلو عَلَيكَ مِن نَبَإِ موسى وَفِرعَونَ بِالحَقِّ لِقَومٍ يُؤمِنونَ ۝ إِنَّ فِرعَونَ عَلا فِي الأَرضِ وَجَعَلَ أَهلَها شِيَعًا يَستَضعِفُ طائِفَةً مِنهُم يُذَبِّحُ أَبناءَهُم وَيَستَحيي نِساءَهُم إِنَّهُ كانَ مِنَ المُفسِدينَ ۝ وَنُريدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذينَ استُضعِفوا فِي الأَرضِ وَنَجعَلَهُم أَئِمَّةً وَنَجعَلَهُمُ الوارِثينَ ۝ وَنُمَكِّنَ لَهُم فِي الأَرضِ وَنُرِيَ فِرعَونَ وَهامانَ وَجُنودَهُما مِنهُم ما كانوا يَحذَرونَ

السبت، 27 مارس 2021

روح من أمر الله 2

 {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5)}


هذا القرآن الذي أتلوه وتتلى عليّ آياته ليل نهار، يزكّيني؛ يجعلني إنسانًا أفضل، وأكثر طهارة من أي شيء، ولو دنسني العالم، يبقى في صدري سلام وبياض لا يغبرّ ولا تهيج خضرته وينعه ولا تذبل زهوره. مهما اسودّ العالم، القرآن في داخلي يبيّضه!

هذا القرآن يربّيني، أنا الفظة غليظة القلب صرت رقيقة، أنا الرقيقة سهلة الكسر صرت قوية، أنا الغضبى التي تتقلب مشاعرها بين إصبعيها صرت متزنة، أنا عديمة الهيبة والرزانة، كثيرة الجنون والفوضى، صرت أكثر هدوءًا، أنا المُجادِلة في كل صغيرة وكبيرة، صرت لا أتكلم إلا في المجدي. أنا فارطة الأمور، صار صدري منشرحًا بنور من الله. 

في الوقت الذي لا تستطيع فيه قرينتي صبرًا على مكاره الحياة، يحتمل صدري طاقة للصبر أكثر مهما ضاق لأنني أحمل في قلبي {ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا}، تقرر هي الانسحاب لأنها لم تعد تحتمل تعامل الناس، ويتسع صدري بـ{قالوا سلاما}؛ لأجدني أتسع مهما ضقت، وأكمل بقوة مهما وهنت. هذا القرآن يصنعني على عينه لأكون أحسن، فمع كل همزة أو حركة أجد لي واعظًا في صدري يتلو عليّ آية فيأمرني وينهاني، يحاسبني ويشجعني ويواسيني ويحتضنني. في كل هدوء، أجد صدى آيات في داخلي. حسبي من نعيم الدنيا هذا دون كلِّ حطامها.

الله الذي علّمني ما لم أكن أعلم، وأخذ بيدي مع كل هفوة، وقواني بمدده اللطيف في كل مرة ظننت أنني لن أنجو فيها ونجّاني برحمته، هو الذي أنزل السكينة عليّ في كل مواقفي الصعبة، وهو الذي جعلني متماسكة أكثر مما كنت قبل أن ينيرني بنور القرآن. هو الذي علمني الكتاب واصطفاني ليهبني من الصبر ما يكفيني لأتزود من علوم تجويده ما هداني إلى الإجازة وزيادة، ووهبني الصبر لأعلّمه وأشعل قناديل نور في الساعين فيه. هو الذي علمني الكتاب ويسّر لي حفظه من الفاتحة إلى الناس على مدى السنين، حتى في تلك اللحظات التي كنت مهملة فيها أو كنت أستمع فيها إلى القرآن استماعًا بغير نية الحفظ، لكن كثرة تكرار السماع رسّخت فيّ الآيات رسوخًا حتى دون عزم مني، ثم ما إن سعيت وعزمت وجاهدت وصبرت وصابرت ورابطت، فتح لي من أبواب العلم والفهم والحفظ ما لم يخطر ببالي قطّ. الله الذي علمني الحكمة مع كل حرف يعلمنيه من الكتاب، ولا زلت أسأل الله من فتوح الحكمة وإتيانها خيرًا كثيرًا. أنا الضالة المتخبطة من قبل هذا القرآن وحتى في بداياتي معه، هداني الله وزكّاني وصفّاني ونوّرني واجتباني واصطفاني. أيُّ منّة أكبر عليّ من هذه يا ربّ؟

كانت منّتك العظمى عليّ القرآن، ومنّتك العميمة أهله. أولئك الذين هم مني وأنا منهم، ألاحقهم ويلاحقونني، أشد أزرهم ويشدون أزري، أولئك الذين أخذوا بيدي وتلطّفوا وشدوا عليها بقوة وزجروا حتى أزدجر، أولئك الذي سخّرتهم لتوصل النور إلى قلبي ولولاهم ما وصل شيء منه. هذه المنّة عظيمة أن أحطتني بالصالحين، وقرّبت إليّ منهم خلقًا يلازمونني ويحملون عني وهني ليعطوني مكانه قوّة مددتَهم بها منك ومن كتابك النور. هم مصباحي الذي أشعل نور القرآن في قلبي. يا رب، أهلك وخاصتك، لا أوفي حق شكرك عليهم، ولا أوفي شكرهم، تولّهم والطف بهم وأحطهم بنورك وألحقني بهم وألحقهم بي وألحقنا كلنا بالصالحين.

أنا أعلم أن هذا الفضل من عندك لا تؤتيه أي أحد. أعلم أنك اخترت أناسًا يستمعون فطغت حُجُب قلوبهم عن الاستماع فبغوا وأظلمت عليهم الدنيا وظلّموا حياة الناس وهم يحملون النور بين جنبيهم، وأعلم أنك آتيته قومًا أعاجم لم يؤتوا من حُسن الكلم العربي شيئًا لكن نوره سطع في دواخلهم فأناروا الدنيا كلها به. أعلم أن لطف العشرة ولين الجانب وحلاوة اللسان وحُسن العبادة لم يؤتَها إلا من ذاق هذه الحلاوة وغرف واغترف ونهل ولم يكتفِ. أنت ذو الفضل العظيم والمنّة الجزيلة، ارزقني حلاوته وبركته ونوره وهداه وثباته وجماله ونعيمه وحُسنه، اجعل كل هذه تسبغ عليّ ظاهرًا وباطنًا، وهذا فضلك العظيم الذي لا أوفّي حقّ شكره!

يا ربّ، هل أنا أهل لحمل هذا الكتاب بقوة؟ أنا أعلم أنك لم تصطفِني عبثًا، ولم تقذف في قلبي هذا النور والحُبّ لتنزع من قلبي القوة فجأة فأضيع، أنا التي تمسّكت بهذا الكتاب لئلا أضيع ولا أتيه ولا أزيغ. أنا أعلم جيدًا أن هذا محض اختبار لي، وأنك لا تضعني في اختبارات لا أقدر عليها، ما زلت أدعوك أن أكون أهلًا، أن أحمل أخلاق القرآن وتعامله ونوره ولطفه وهداه وأتمثلها. أنا؟ كثيرة الزلل فليتة اللسان؟ نعم أنا، قلّ زللي مع القرآن وتماسك لساني وازدادت سكينتي. هذا القرآن العجب الذي هداني إلى الرشد ورأيت بأمّ عيني ما أصبحت عليه بعد ظلامي، أوقن أنه لن يتركني أزل ولا أتعثر. ذاك الشتات الذي عشته وأنا أحاول أن ألملم الآيات في صدري وهي تنفرط من بين أصابعي، ذاك الجهد لأوازن بين حياتي وحفظي، ذاك الشتات ربّاني لأرتب أولوياتي وأحسب كل شيء وأضعه في موضعه. كلما تحركت أو سكنت، أحاسب نفسي على ما تلفظت وفعلت وغمزت ولمزت، أقول لنفسي: أكالحمار تحملين أسفارًا بعد ذاك النور؟ لا يا ربّ أرجوك لا تجعلني حمارًا يحمل أسفارًا. يا رب، هذه الأسفار في قلبي، أصلحني بها وقوّمني. اجعلني صالحة مصلحة بقدر جهادي لأكون، واجعلني هادية مهديّة، يقتبس الناس لا من نوري، بل من نور القرآن الذي في قلبي، وأنا مشكاة ضعيفة، وسيلة مسخرة لحمل المصباح في الزجاجة التي كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار. يا رب، اجعل هذا النور العظيم الذي أنا أضعف من حمله قوة ومددًا لي وللعالمين. يا رب أنت قوتي لأحمله بقوة تذهلني وتذهل كل من حولي. امدد لي بمددك. 

تعلم وأنت الخبير أنني أجاهد لئلا أكون من الظالمين، لأعطي هذا النور حقه من تشرّبه فيّ والعمل به، ومن نشره للعالمين. أعلم أنا أنني لم أستحق يومًا هذه اللذة، لكنك الكريم الذي يسّرت لي القرآن للذكر فعزمت أن أدّكر. أنت الذي أوحيت إليّ روحًا من أمرك ما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلته نورًا تهدي به من تشاء من عبادك، اجعلني هادية إلى صراط المستقيم؛ صراطك. استعملني ولا تستبدلني، انفع بي البلاد والعباد، واجعلني مباركةً أينما كنت. حمدًا يا رب!


الثلاثاء، 2 فبراير 2021

إلى الحافظة القويّة (الضعيفة).

إليك،

أخذك الكتاب بقوة، اصطفاء الله لك من بين العالمين بأن تهتمي بحفظ كتابه وإتقان تلاوته في غرّة شبابك، استغلال فراغك قبل شغلك وصحتك قبل سقمك، هذه كلها كانت اصطفاءً محضًا من الله، ولم تكن هيّنة عنده، ولن تكون. أعلم جيدًا أن الطريق اللذيذ متعب ومرهق، وأن تعثر التسميع بعد طول التكرار داعٍ للانهيار، تلك اللحظة التي تشعرين أنك تتهاوين، وأنك بودك لو تحفرين حفرةً فترمين نفسك فيها ثم تحثين التراب عليك حتى يغطيك كاملًا، فتبقين وحيدة دون ضوء ولا نفَس، إلى أن تجدي النور والسعة في صدرك، وقلّما تجدين!

أعرف الرغبة العارمة في إيقاف التسميع، في نصح المُسمِّع أن يستغل وقته في شيء أكثر جدوى من تسميعي الخَرِب، أعرف شعور الخزي وشيء ما في داخلك يصرخ: هذا ليس حفظي ولا مراجعتي، هذه لست أنا، هذا شيء غريب لا يشبهني، هذا مؤلم لي ولمن يستمع، وأنا لا أريد إيلام أحد. فلأراجع وحدي إذن لئلا أؤذي ولا أؤذى.

أجيبيني، هل يتركنا الله نقاسي ونحن نقبل على كتابه؟ هل يدع الله نفوسنا خاوية على عروشها في مواقف كهذه؟ هل يتخلى عنا حين نسمّع ولا يهدينا سبلنا بعد طول جهاد؟ كلا والله، ثم كلا والله.

كأيِّ شيء في الحياة، بل وأكثر منها، يحتاج القرآن منّا قوة جبارة في أخذه، تلك القوة التي تجعلني أفضّل الانكباب عليه والمراجعة والتسميع على متاع الدنيا كله، وعلى الألعاب والضحك، وعلى كل ما هو زائل ليبقى هذا النور الخالد في قلبي وينفعني يوم يظلم كل شيء إلا النور الذي يسعى بين يديك وبيمينك. تلك القوة التي تجعلني أتعثر ألف مرة وأصاب مصابًا لا أظنني أُشفى بعده، لكنني أقاوم جراحي المثخنة لأكمل بقوة، وأمسك نفسي المتناثرة وألم شظاياها لمًا يجعلني أصل إلى آخر آية في مقرر اليوم دون أخطاء تتوالى لأن نفسي متشظيّة. أعرف أن الكلام سهل والواقع ليس، لكنّه القرآن يا أختي، ذاك الذي يستحق الجهد أكثر من أي حلم في الدنيا، ذاك الذي تقرئينه فيمسح عليك، وترددينه فيوقد النور في قلبك، وتكررينه فتتزكى نفسك، وتسمّعينه فتكتسبين القوة والثقة بطريقة لا يمنحك إياها أي شيء في العالم. اسأليني عن القوة التي وهبني إياها القرآن، سأسهب حتى لا أنتهي!

يا قوية، 

ما كان حبل القوة الذي ترجينه بعيدًا، لكنك تنسجينه بمئات الخيوط الرهيفة من الضعف والتعثر. ستعثرين اليوم لتكتشفي طريق قوة جديد، وتنهارين مرة بعد مرة لتجدي القوة في قلبك وتعرفي قيمتها بعد طول ضعف، ستشعرين بالضياع وأنتِ تتعثرين دون أن تجدي إجابة من تسمّع لك، ستجدين في اللحظة نفسها في صدرك: "ما ودعك ربك وما قلى"، ستستائين، لتجدي آية تتردد فجأة في قلبك مما حفظتِه تمسح عليك. صدقيني، ستجدين ولو بعد طول أمد في قلبك تلك القوة المزعومة -التي ترينها سرابًا الآن-، سترتوين بعد طول ظمأ، ثقي بالله، ثم بي. 

ثم ما قيمة الدرب دون أصحاب فيه؟ دون مَن لا أشعر بأي حرج أن أبدي انهياري أمامهم، فيطبطبون علي، أو حتى ينهارون معي إن استدعى الأمر حتى ننهض معًا بقوة؟ قيمته تقول لي دائمًا: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا"، كيف تتهدم المساجد بيوت الله العظيم؟ ستنهدم إن لم يتدافع الناس، ثم ماذا؟ "ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز". أعلم أنك لا تشكّين مثقال ذرة في هذا. 

إليك في هذا الدرب الطويل، أنا أوشك على الوصول، لا أدّعي القوة التامة، لا زلت أتعثر، لكنني أقوى من قبل بكثير. لم أصبح قوية إلا بتعثري الكثير، في أمثال الحزب الذي أعدته أربع مرات حتى يخرج سلسًا بأقل قدر من الأخطاء، والسورة التي مكثت عليها سنة كاملة أعيد فيها وأزيد وتكسّرتُ مرارًا حتى صارت أكثرهن رسوخًا. لم يكن الدرب سهلًا وورديًا، ولن يكون، لكن الله اصطفاك ومنحك القوة الكافية في داخلك لتتجاوزي كل هذا، بثقل أو بخفة، ستتجاوزينه بإذن الله.

يا مجاهدة، يؤلمني ألمك لأنني كنت في مكانك، ويؤلم من تسمّع لك. ولكن، ما ضرّ أن نتشارك شعور الألم إذا كنا سنتشارك شعور اللذة وشعور القوة بعد الضعف؟ لا تهدمي صلواتك بضعفك، دفع الله لك قد يكون بمن تتكئين عليهم حين تنهارين لئلا يتهدم صرح القرآن في قلبك! سيري في هذا الدرب دون أن تكلي ولا تملي، سيري إليه عرجاء ومكسورة، سيجبرك دائمًا، سيمسح عليك ويرسل لك ألطافه من حيث لا تحتسبين. قولي له أنك تعبتِ، وقولي: "اللهم حفّظني القرآن وثبته في قلبي ثبات الجبال الرواسي وأجرِه على لساني سلسًا عذبًا، ونوّرني بنوره في عملي وحياتي". هو سييسر قرآنه لأنك ادّكَرتِ، ويهديك كل سبُله لأنك جاهدتِ، وسيجريه على لسانك وقلبك لذيذًا لأنك رجوتِه أن يعلّمك ما لم تكوني تعلمين، وكان فضل الله عليك عظيمًا. 

لا بأس عليك حبيبتي، غدًا تكونين أقوى وأكثر إتقانًا وثقة وتلذذًا، أنزل الله السكينة على قلبك وأحاطك بالأمان والسلام أبدًا. 


 أختك التي تحبك لأنك تمشين في هذا الدرب: مُزنة.

الثلاثاء، 5 يناير 2021

2020 عام النعم.

 مرّ عام لم يكن في بال أحد ما سيكون فيه، تغيرت سنن كونية وانقلبت آيات عِظام، وكان ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، كان عامًا عجيبًا، وكان عامًا أعجفَ كما يقول الناس عنه، مرّت فيه لحظات كثيرة -أكثر من المتوقع- أقول فيها لنفسي وصوتي يتحشرج: "سيمرّ هذا الوقت مهما اشتدّ باس". مرّ وفيه عبرات مكتنزة كنا نحتاج سنين طوال لنتعلمها فتعلمناها فيه. شكرًا 2020 على حُلوِك ومرّك.

لست ممن يكتب في ختام الأعوام الميلادية ولا افتتاحها، لست ممن يكترث بشيء كهذا، لكن لا بدّ للذكرى أن تخلّد. هذا العام الأعجف على قسوته الغالبة، أذكّر نفسي كل يوم أنه عام النعم. لم أكن لأتخيل أن ينقلب بلدي الآمن بحمد الله إلى رعب من كل شيء خارج بيتي، لم أكن لأحلم ألا أرى أمي وأختيّ شهرًا وأكثر لأنني أخاف عليهنّ مني. في هذه الأيام العصيبة، أحسست بعمق نعمة قربهنّ، وأن حياتي مهما كانت مرفّهة بكل ما تشتهيه نفسي لا تساوي شيئًا دونهنّ، أدركت أن شجار ابنَي أختيّ كان حياة قلبي التي انطفأت ببعدنا. في المدة نفسها، انعزلت عن العالم، كانت فرصة جيدة لإنجاز مهامي المؤجلة التي تجعلني سعيدة، بعد أسبوعين، خفتت سعادتي، لم يعد أي شيء أفعله يسعدني، ولم يعد إنجازي مهمًا، أدركت نعمة عافيتي النفسية، تلك التي تهبني الاندفاعية والشغف والتوقد لإنجاز كل ما أحب وأنا أشعر بقيمة ما أفعل وأنجز، أما حين أنطفئ، فلا شيء في العالم قادرٌ على انتشالِ نفسي من قعر بئر كآبتها التي لا قعر لها. صارت لكل نعمة معتادة (لا قيمة لها) قيمة حقيقية، صارت مصادر الإزعاج والتشتيت في يومي مصادر قوة لا أستغني عنها. انقلبت قيم الأشياء لأدرك قيمتها الحقيقية. اللقاءات والخروج من المنزل التي كنت أضيق بها حين تتراكم أعمالي فلا أعرف الأوليَّ منه والثانويّ، أدركت أنها هي حياتي وسط ركض الأعمال المسعور، أدركت أن قوتي المزعومة لإنجاز كل شيء هباء منثور أمام نعمي المعتادة.

كان للنعم تعريف آخر، عافية لا تضطرك إلى زيارة مركز الحيّ الصحي الذي غدا كوكبًا مهجورًا إلا من رائدي الفضاء المتسلحين ضد كائن لا يرى حتى بالمجهر الضوئي (وعافية لا تضطرك إلى إعادة فحص كورونا المؤلم كذلك!)، طيبات من رزق الله -يشكرها عليه من كان يعبده- لا تنقطع ليل نهار، بل زادت الوجبات والحلويات والإبداعات بجلوس الناس في البيت، عائلة تلمّك وتضمّك؛ تضيق بعدم رؤية غيرهم لمدة طويلة ولا تفكر أن ماذا لو كنت محجورًا دون رؤيتهم، بيت دافئ شتاءً بارد صيفًا، سقف يسترك، متاع الدنيا كله داخل بيتك، ووسائل تواصل لا تنقطع أبدًا حتى تصل إلى جارك الأدنى وأخيك المسافر بالطريقة والجودة نفسها. كنا غرقى في النعم دون أن يلج شيء منها إلى جوفنا لنحمد الله عليها، كنا محاطين ونغرق بلا بلاءات حقيقية تضطرنا إلى استجلاب الشهيق بقوة حتى ندرك حجم النعيم وأثره. شكرًا كورونا، أنقذتَنا من الغفلة!

كان 2020 هو العام الأول الذي أصافح فيه كف الموت -وأنا حيّة-. كدت أموت عدة مرات في حياتي فنجّاني الله. في هذه السنة لم أمت بالتأكيد، وربما لم أكد أمت كذلك، لكن مرّ علي أسبوع فيه 8 وفيّات، وهذا أكثر من أن يمر على عاقل مرور الكرام دون أن يصفعه على وجهه قائلًا أن الموت أقرب إليك من شراك نعلك. في 2020، مضت المرّات التي لا تُعدّ التي كنت فيها أخاف من أن تموت جدتي، مضت بموتها. لم يكن في حسباني في المرات كلها تلك أن أكون شريكة في تغسيلها وتكفينها، لكنني فعلت. لا أعرف مصدر القوة التي ينزلها الله عليّ كثيرًا في حياتي، ولكن الله يفعل دائمًا. لمست كف الموت بيدي وأنا أخلل أصابعي بأصابعها الباردة المنتفخة الميتة، ولمست معنى الموت في شعرها الأبيض الذي كانت تهتم بتصفيفه وتعقيصه. لمست معنى الحياة في ذريتها الباقية وفي آثارها التي لا تُحصى المتروكة في دواخلنا. ولمست معنى أن أستيقظ ومسائي غير مضمون، وأن أسعى ونهايتي غَبِشة، وأن كل ممتلكاتي الثمينة ليست ملكي وقد يتنازع عليها مَن أحب حالما ترحل روحي دون أن ينفعني شيء أو أحد إلا عملي، فإما من أصحاب اليمين أو الضالين. كان معنى الموت يتمثل في خالتي كوثر وهي تروح وتجيء في يوم تغسيل جدتي وهي لا تعرف أنها التالية وأنها لن تحضر حتى العزاء ولن تخرج من دوامات الأمراض المتلاحقة حتى تموت وهي التي كانت يوم الدفن بخير وعافية تسعى. 

في 2020، سنة الصعوبات، تحققت أهداف فتح الله بها عليّ لم يكن في تخيّلي أن تتحقق، كنت أسأل الله في بداية العام أن يعطيني حتى يرضيني ويكفيني ويعينني على حمده، أعطاني من العطايا والفتوحات فوق ما سألت، وسخّر لي من الألطاف والتمكين ما لم أتصور. أعطاني رفقة قرآن أثيرة في قلبي تمنحني من الحب ما يفوق عطائي، ودورة في بدايته كانت قطعة من نعيم الجنة الخالد في قلبي، أعطاني بنتًا يقرّ فؤادي بإجازتها وبمتابعة حفظها إلى أن تتقن القرآن، وهبني درب الحفظ ميسرًا محفوفًا بمَن يأخذ بيدي فيه بقوة لأقطع أغلبه في عقر أزماتي، هيأ لي السبل لأعدّ ابنتيّ القرآنيتين للإجازة، سخّرني لخدمة الخلق في مختلف الثغور، ومنحني فضلًا منه برعمات ثلاث أعتني بهن -ويعتنين بي- ليكبرن في درب القرآن بقوة. أعطاني الله فيه القوة التي تجاوزت بها كل ضعفي ومخاوفي ووحدتي وضغطي حتى أتخرج، ثم هيّأ الله لي مكانًا أحبه لأعمل فيه -بغير حول مني ولا قوة-، لا بمعدّلي الذي كانت تؤرقني أهليتي للعمل -في ظل التنافس الشديد والبطالة- أو عدمها بسببه، بل بشغفي وإجادتي لأحظى بثقة معلمي المفضل وأعمل معه. فتح الله لي فتوحات غيرها ستبديها الأيام القادمة بإذن الله. توالت عليّ ألطاف الله أكثر مما أستحق بكثير، وأكثر مما دعوت بالتأكيد. 

في هذا العام الغريب، أحسست بقيمة التقارب الاجتماعي ورؤية ابتسامات الأحباب على ثغورهم لا رؤيتها في أعينهم فقط من وراء حجاب الكمامة، وأحسست بقيمة التلامس دون شاشات. فوق كل هذه الأشياء، فقدت روح المسجد، هذا الفقد الذي لا عزاء بعده، المسجد الذي لم أكن أزوره إلا مرة في الشهر على الأكثر، وكان دائمًا الحضن الآمن الذي تندثر كل متاعبي خلفي حال أن يضمني. لطف الله المحيط يضمني حيثما وجهت وجهي وأويت، لكنّ رحابه المتمثلة في بيته على الأرض ما لها من مثيل يشبهها، شعور أن يؤويني بيت الله أعظم ما يُفقَد في أزمة كهذه. اللهم رحابك الواسعة، اقبلنا فيها بحب وسعة. 

كان عام النعم مُدرّسًا عظيمًا، ذاك الذي يقسو ليحسن، ثم ما إن يرى انكسارًا في أعيننا، يدنو ويحنو ويلطف. كان عامًا حنونًا رويًّا مغلفًا بالشدة واليبس. اللهم ربِّنا بلطفك، وبصّرنا بلطفك في الشدائد، واجعلنا ممن تصقلهم الفتن ولا تطغيهم. اللهم أحِبَّنا وقربنا بقدر ما نلتمس حبك وقربك وأكثر. 

الأربعاء، 16 ديسمبر 2020

روح من أمر الله 1.

 {إن المتقين في جناتٍ وعيون* آخِذين مآ آتاهم ربّهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين* كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون* وبالأسحار هم يستغفرون* وفي أموالهم حقّ للسائل والمحروم}

كانت هذه الآيات من منهج الصف الثالث أو الرابع الابتدائي في التربية الإسلامية، لا أذكر أي تفصيل عنها، ولا حتى مَن كان يعلمني تلك السنة ولا من حفظني إياها ولا كيف سمّعتها، لم أكن أفهم شيئًا، كان مفهوم التقوى هلاميًا عظيمًا أكبر من أن يتصوره عقلي الطفولي، لم أكن أعي معنى الهجوع، ولمَ يتعبون أنفسهم إلى هذا الحد، كان وما زال ولن يزال تدريس الآيات معنا سطحيّ بطريقة ساذجة، لا يسمح فيها المعلم للطالب بالتفوه بأي انعكاس للآية عليه ولا أي شعور لامسه حين مرّت به، كان التفسير حاضرًا تلقينًا وإذعانًا أكثر من أي شيء، كانت سطوة الآيات محجوبة بطريقة غير متعمدة حرصًا على الطلاب ألا يزيغوا أو يتأولوا على الله، أو ربما كانت سطوة الآيات محجوبة بتعمّد لئلا تلامس الآيات إلا سطح الدماغ دون أي مرور بالقلب. كانت معلمة التربية الإسلامية في الابتدائية أكثر الناس تبرجًا والحشمة تبكي على أطلالها، لم يكن القرآن إلا أسفارًا نحملها وندونها ونحفظها ونسمّعها ونخرج كتاب التربية الإسلامية من حقائبنا إذا أردنا الجلوس عليها لئلا نعلو على الآيات -ماديًا ولو كنا نعلو ونعلو فعليًا-، وأحيانًا يكتبونها على ورقة صغيرة أو على درج المدرسة لأن حفظها مستعصٍ. كان حظي من القرآن قليلًا لأن مربّونا لم يكن القرآن عندهم إلا مصدر بركة أقدس من أن يُستمَدَّ منه ليل نهار، بل في رفوف محفوظة مكرمة مرفوعة مطهرة، كان "العبث" بالمصاحف منا تقليلًا من عظمة هذا الكتاب. كان الكتاب كتابًا عابرًا..

{نزل به الروح الأمين * على قلبك

لهذا القرآن سطوة على القلب آسرة. في الصف الثالث، لم أكن أفهم الآيات تحديدًا، لكن شيئًا ما في هؤلاء جعلني أحبهم حبًا خاصًا نما في قلبي إلى أن عرفتهم حين كبرت وشاهدتهم من حولي يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق. حسبما جرى تعليمنا، كان هؤلاء من قصة خيالية، يشبهون شخصيات ديزني في كونهم من عالم خارج نطاق عالمنا، ربما كانوا يرتدون جبة قديمة لأنهم بالتأكيد من عصر الصحابة الأطهار، لم يكن لهؤلاء احتمال أن يكونوا من جيلنا ولا جيل آبائنا. على أي حال، أيًا كانوا، دخلوا إلى زاوية مخفية منسية في قلبي دون أن أنتبه ومكثوا إلى أن يحين بعث قلبي الطريّ. كان للقرآن طوال هذه السنين أثر خفي يدغدغ قلبي دون جلاء. لم تكن البيئة مهيأة لأن يتبرعم قلبي ويكبر، إلى أن سخر الله لي النور والتربة الصالحة والرطوبة والحرارة الأمثل، إلى رحاب النور..

ما زلت أكرر الآية مرة ومرتين وعشرًا، وقد يبدو أنني ببغاء، لكن للقرآن سطوة. لكل آية أثر في القلب الطاهر، تطهره أكثر، وتربت على تربته الصالحة ليزهر وينير في ذاته انعكاسًا على سلوكه وحياته. لكل احتكاك سحلٌ غير ملحوظ، ومن أطال الصحبة وفيًا صادقًا مستمسكًا صار من المقربين الأحباب، المورَثين المُصطفَيْن، السابقين بالخيرات بإذن الله، ذلك هو الفضل الكبير!

لم يكن لله عليّ منة أعظم من ارتباطي بالقرآن، من كل شيء سخّره لي لأصاحبه، بدءًا من قوة الشباب الجسدية والذاكرة والجسد المعافى والتنفس السليم والنفس السوية، إلى مشروع الإجازة القرآنية في الجامعة ودورات التدبر والمصابرات وأهلي ورفقتي وأحبابي ومعلماتي وكل المسخرين في دربي ليفرشوه لي وردًا. ما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن الله أوحاه روحًا، ونورًا يهدي به من يشاء.


كان لا بدّ من رحلة القرآن أن تفيض مني حروفًا، لا أدري كم سأكتب ومتى وكيف، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدًا.

الجمعة، 13 نوفمبر 2020

مذكرات خرّيجة 12.

 مرّ وقت طويل منذ التدوينة الأخيرة. ربما لم يخطر على بال -ولا بالي أنا- أن السلسلة لها تكملة وقد مضى على تخرجي شهران ونصف، لكن شيئًا ما أعادني إلى كتابة كل شيء. ربما لإشباع حاجة في نفسي، وربما لئلا تندثر كل الذكريات الصغيرة من رأسي كما اندثرت بيانات هاتفي التي لممتها لسنين ست ثم اكتشفت أنها سراب بقيعة كنت أحسبها ماءً. كل تفصيل هنا يهمني، كل شعور -سخيف- لا يهمّ أحدًا يهمّني ألا أنساه.

انتهى اختباري الأخير في مرحلة البكالوريوس، بدأت بنشر الأهازيج فورًا وأنا أشعر بفكاك لم أشعر به من قبل. لا أدري أكنت سعيدة بفكاكي من مادة البرمجة -وإن كنت لست متأكدة من عواقب فكاكي- أم كنت سعيدة لأنني لن أضطر أن أنحبس لمذاكرة ولا تكليف ولا واجب. صرت حُرّة فجأة بعد سنيّ القيود! شعور يشترى بسنين خمس من الثقل الذي تزايد حتى ارتمى من ظهري فجأة. أكانت هذه النهاية؟ نعم قد كانت. ماذا عن كل اللطافات التي وددت لو أودعني ولا أودعها؟ هي في وداعة الله. كنت أعزي نفسي دومًا أنني قريبة من الجامعة ولن أنقطع عنها، لكن إلى الآن، انقطع أغلبها عني وإن لم أنقطع أنا. اللهم ردًا جميلًا جميلًا.

انتهى كل شيء. ظهرت نتائجنا بعد أسبوع، لم ترضِني بعد الجهد، لكن كأنني كنت مرغمة على الرضا وأنا أتردد في الإقدام على المرابطة لتحصيل درجات أفضل. كنت مثخنة بالجراح إلى الحد الذي لا يثير أيُ شيء داخلي جوارحي للإقدام. حين أوشكت على الإقدام، ماتت جدتي فمات كل إقدام فيّ. فليكن ما يكون، تخرّجت رسميًا بفضل الله. كثرت عليّ الأسئلة بعد نبأ التخرج: هل تخرجتِ بامتياز؟ كنت أقول: لا، لم أفعل. لم يكن الامتياز في شهادة البكالوريوس من رزقي، وكم من ساعٍ لرزق ليل نهار هدّه السعي دون وصول! لم أبلغ الامتياز، لكن أحسبني بلغت الإتقان أو حاولت بلوغه على الأقل، لم يرضِني أن أكتفي بمذاكرة الشرائح كما يفعل كل زملائي بل أرضتني مذاكرة الكتب والتبحر فيها، لم أحرص على الخروج مبكرًا من المختبر بأداء التجربة بأدنى قدر من الإتقان لتعبي أو لمللي، لم يكن الترفيه والخروج مع صديقاتي أو زوجي مفضلًا على المذاكرة في مكتبي أو في مكتبة الجامعة إلى وقت متأخر من الليل مهما كنت أحتاج إلى التنفس بعيدًا عن المذاكرة، ولم أتخلَّ عن نزاهتي ورفضي للغش ولتحصيل الدرجات بالطرق الأسهل التي كان يستسيغها كثير من زملائي، ولم يمت شغفي بالعلم مهما ضاقت سبل الشغف في نظام الجامعة التعليمي. لم أتخرج بامتياز حسب تقدير الجامعة، لكنني آمل أن أكون قد تميّزت عند الله في دراستي وأنا موقنة أن سعيي الحثيث كله كان صناعة لي على عينه، وأن لا جهد ضاع ولو لم تظهر نتائجه جليّة في إفادة تخرّجي، وآمل أن أكون جزءًا جيدًا من ذاكرة معلميّ.

لم أتخرج بامتياز، ولكن يكفيني امتيازًا أنني تخرجت بشهادة الإجازة القرآنية، وأنني كنت بفضل الله عونًا وسببًا مسخرًا وسندًا لبلوغ كثيرات إلى الإجازة القرآنية، يكفيني أنني علّمت القرآن وأقرأته بتوفيق الله، وأن همّي لم يكن مقتصرًا على دراستي واختباراتي، بل كان همّ تعلّم القرآن وتعليمه يأخذ من فؤادي نصيبًا عظيمًا. لم أشعر باصطفاء عظيم كوني دخلت إلى جامعة السلطان قابوس "المرموقة" عوضًا عن بقية جامعات وكليات عُمان، بل شعرت بالاصطفاء كل الاصطفاء أن اختارني الله بذرة في مشروع الإجازة القرآنية، حتى كبرت واشتدّ عودي وبدأ إثماري فيه بمدد الله. كنت أدعو الله دومًا ألا ينتزعني من فضله ورحمته في هذا المكان، وألا يكون تخرجي سببًا في بُعدي، وألا يكفّ عطائي -الذي أحتاج إليه أكثر مما يحتاج هو إليه- فيه. شعور التخرج هو شعور الهبوط من جنة لا أطيق أنا -ابنة آدم- أن أفعله، ولكنني أفعله. ربما كان الله يريد مني ببُعدي أن أعمر مكانًا آخر كما عمّر آدم الأرض بعد لذّة الجنة، وقد رضيت. أدعو الله قولًا وفعلًا ألا يبعدني عن هذا النعيم ما حييت، وأن يديم اتصالي به لئلا أضيع.

من لطف الله بقلبي أن سخّر لي بعد تخرجي مباشرة حلقة لي فيها بنات ثلاث لم يغب يومًا عنها الحب ولا الدفء ولا حتى المشاكسة، يمددنني فيها بالقوة ويشعرنني فيها بلطف الله ووده المنتشر بين عباده، هنّ طبطبة الحياة وهي لا تبعِد عني نعيم الحلقات حتى بعد تخرّجي، وهن بذراتي اللاتي أرجو الله كل يوم أن يربون ويُجَزن ويثمرن ويظلِّلن في الجامعة وخارجها خلقًا كثيرًا. تظن بناتي أنني أعطيهن أكثر، ولا يعرفن أنني أستمد منهن أكثر مما يتصورن وألملم السكينة التي ينثرنها. هذا الحب الذي يغمرني في الحلقات هو حبّ الله. أسأل الله ألا يحرمنيه.

بعد أن استلم الناس جميعًا إفادات تخرجهم، لم أستلم إفادتي إلا بعد مدة طويلة. احتجت إلى مدة كافية لأعيَ أنني تخرجت، وأنها قد تكون المرة الأخيرة التي أستخدم فيها رقمي الجامعي لأي غرض. كانت رحلة استلام الإفادة مفيضة للمشاعر، في جامعة خالية لا يذكر فيها الحجر ولا الشجر مروري من عنده، بعدما كان زمن يستلم فيه الأصدقاء إفاداتهم معًا ليختموا السعي الذي سعوه معًا. لم أذق شيئًا من هذا، استلمتها مع رفيقة درب لم تتخرج معي، دون رفقة التخصص وتعب الليالي الطوال. سلّمت كتابي الأخير، تسللت إلى مخزن الكتب أشم رائحة الكتب الدراسية وأود لو أستطيع اختلاس خمسة كتب منهم على الأقل ليكونوا لي زادًا في درب الحياة أقاوم بهم النسيان وغياب الشغف. خرجت من المخزن أتمتم بقلب حزين: أعلم أن هذه الكتب لن يستخدمها أحد -خصوصًا في المقررات التي كانت دفعتنا آخر من يدرسها-، لكن ديني يمنعني من أخذها، أسأل الله أن يرزقنيها بأي طريقة. دخلت عمادة القبول والتسجيل إلى دائرة شؤون الخريجين لأستلم إفادتي، سئلت عن رقمي الجامعي، نطقت به لمرة أظنها الأخيرة، احتفظت ببطاقتي الجامعية ودفعت رسومًا بدلها. استلمت إفادتي وغادرت، بعد أن دخلت قبل خمس سنين بالضبط تلك الأروقة لاستلام بطاقتي الجامعية الجديدة التي كُتِب عليها (بكالوريوس العلوم) بدلًا من الآداب. اللهم هذا خير الدروب لي بعدما ظننت أن غيره الخير، وقد خلقتني لهذا ويسرتني له، فاستعملني. لم يكن -عُرفًا- يحتَسب تخرج طالب من جامعة السلطان قابوس دون أن يصور إفادة تخرجه عند برج الجامعة، تصوّرت أمامه في عزّ الظهيرة بوقفة المنتصر الذي لم يحطّمه ما مرّ عليه بل زاده قوة، شعوري بالتخرج وبرفقة صاحبتي كان يستحق العناء. كنت أستشعر أكثر من أي شيء ﴿وَعَلَّمَكَ ما لَم تَكُن تَعلَمُ وَكانَ فَضلُ اللَّهِ عَلَيكَ عَظيمًا﴾. اللهم بلوغًا كريمًا يرضيك.

ولو كان التخرج إنجازًا يستحق الفرح، لم يكن يومًا ما حلمًا أود الوصول إليه. كان حلمي أن أتعلم وأن يكبر شغفي وأن أجد بيئة تحتضن شغفي دون أن تخمده، وأن أتعلم إلى أن أموت، وأن أمارس ما أتعلم بإتقان بعيدًا عن رتابة تنفيذ التجارب غير المتقن في الجامعة. لم يكن تخرجي حلمًا بذاته، بل كان وسيلة صغيرة قد توصلني إلى بعض أحلامي. تخرجت بشهادة البكالوريوس في تخصصي وأنا أوقن أنني لا أعرف شيئًا بعد إلا غيضا من فيض وقطرة من بحر. لم تكن دراسة البكالوريوس منتهى أحلامي أو نهاية طريقي، بل كانت مرتع شغفي، والنور الذي أجمّعه وأنا أطلب العلم وأسعى أن أنير به العالم، وبداية طريقي الطويل الذي لا أعلم أين نهايته ولا أراها ولا أستطيع حتى تخمين ما سيكون فيها، لكنني أسأل الله أن ييسر لي دربي ويسخر لي فيه الأخيار، وأن يجعلني مباركة أينما كنت ويستعملني في خدمة العلم ورفعة الأمة بعقلي الذي قال لي معلمي يومًا أنه خُلِق للبحث العلمي والعمل فيه.

بعد التخرج، أخذت هُدنة لشهرين أمارس فيها كل ما أحب -ما لم يتعلق بالدراسة-. كنت أعيد ترتيب حياتي بعد أن أصبحت حرّة طليقة، أدخل فيها ما أشاء وأخرج ما أشاء. كنت أود أن يكون لكل أهلي نصيب من هذا الفراغ بعد النصب، "ولكن تباعدنا لنزداد برًا". تنفست الصعداء، نفذت كثيرًا من خططي المؤجلة، انفتحت لي أبواب جديدة برحمة الله، وصرت أتعلم وأشارك فيما أحب دون تردد لأنني حرة. مرّ شهران استعدت فيهما رغبة الحياة وقوتها، ثم قررت أن أبدأ مشوارًا جديدًا.

بعد شهرين، بدأت حياتي تأخذ منحًى غريبًا من الرتابة التي لا أستطيع التعايش معها. كنت دائمًا أقول أنني لا أقدر على البقاء في البيت طويلًا، لا أطيق دخول مرحلة الضياع دون رؤية الناس فعليًا ولا أطيق البُعد عن المختبرات بُعدًا يخمد شغفي ويطفئه. كان جدول مهامي ممتلئًا، لكنني لا آبه أن أستيقظ مبكرًا لإنجازه رغم رغبتي العارمة في مواصلة يومي من بعد صلاة الفجر دون العودة إلى النوم. كنت أواجه كل يوم نفسي في المرآة، تريد أن تفعل كثيرًا ولكنها لا تفعل إلا قليلًا. هنا كانت نفسي تنازعني لئلا أخرج من قوقعة راحتي، ولكنني عزمت اقتحام العقبة وإخراجي منها ولو لم أكن أشعر أنني مستعدة بعد، فشعور الاستعداد لن يأتي لأن نفسي دائمًا تثقلني إلى الأرض، بل أن أرمي نفسي فيما أخشاه بعد اقتحام العقبة وخروجي من منطقة راحتي هو ما سيصنعني. 

إلى قسمنا شددت عزمي دون أي توجه واضح سوى استخاراتي التي حملتها معي. لم يُكتَب لي إكمال عمل مشروع تخرجي الذي تقت لرؤية نتائجه، بل رحّب بي معلمي المفضل للعمل مع فريق مختبره في أبحاثه. كان يؤكد لي أن شغفي الذي لمسه وتوقّدي ومهارتي هي التي لم تجعله يتردد في ضمّي للفريق الذي لا ينضم إليه أي أحد. الحمد لله الذي لم يجعل درجاتي سببًا في رزقي بل كان شغفي. انقلبت حياتي رأسًا على عقب مع بداية دوامي، منذ الصباح الباكر إلى غروب الشمس أو إلى العصر -في أحسن الأحوال-، قلّ إنجازي فيما كنت أنجزه، وصرت أمسي وأصبح متعبة، لكن في صدري سرور لا يتصوره أحد. أشعر أنني أنجز وأقدم شيئًا للعالم. كنت أنجز وأقدم في الشهور التي مضت ما يستطيع أي معلم قرآن أو شاب تقديمه للعالم، لكنني الآن أقدم ما لا يستطيع تقديمه إلا باحث علميّ يمتلك مهارات يسخّرها لخدمة العلم. 

مختبرات قسمنا تحتويني وأنا أعرف فيها ما تعرفه أم عن بيتها، ويمر الوقت فيها سريعًا مروره مع حبيب كواني الشوق إليه. كان الأسبوع الأول صعبًا وأنا أبلع سوء شعوري وأصبّر نفسي بـ ﴿سَتَجِدُني إِن شاءَ اللَّهُ صابِرًا وَلا أَعصي لَكَ أَمرًا﴾. مرّت أسابيع ثلاثة بدأت فيها التعود على جوّ المختبر وعلى أعضاء الفريق، وبدأت أمسك بيد واثقة ما أفعل، وأنا أساعد وأنفع بيدي، وأنتفع بالاستماع الطويل -الذي لم أملك وقتًا له من قبل- إلى كل ما يثريني، ومعلمي يعتمد عليّ ويثق بي أكثر. أمر على الردهة التي لا تخلو عادةً من الطلاب الساعين وهي خاوية، وأمر على كل زاوية أتذكر فيها صحبي، دون صحبي. الجامعة الباعثة للسرور رغم تعبها لم تعد باعثة للسرور دون أهلها الذين وعدتهم ألا أبتعد عن الجامعة على أمل أن نلتقي فيها.لم يعد في هذا المكان ما يسرّ النفس سوى شغف العلم الذي لم يفارقني ولم يغادر أرجاء مختبرات قسم الأحياء الأثير عندي. اللهم يسّر لي دربي وعلّمني بفقري إليك، وردّ أهل الدار إلى الدار ردًا جميلًا يملؤه، ولا تقطع مدد الشغف وحب العلم عنّي وزدني علمًا.

ربما تكون هذه التدوينة الأخيرة باسم "مذكرات خرّيجة" لأنني ودعت الجامعة وتخرجت. اللهم تيسيرًا وفتحًا في قادم الأيام. اللهم حُسن الأثر وطيبه، يا رب، لا تجعل لي أثرًا في قلوب كل من عرفت في الجامعة إلا طيبًا.