‏إظهار الرسائل ذات التسميات مذكرات صعيدية منتزقة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مذكرات صعيدية منتزقة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 26 مايو 2016

#مذكرات_صعيدية_منتزقة ١٢

أصل إلى البيت عند غروب الشمس، أتخفف، أُطلقُ نفسي للرّيح، وأتنفّس الصّعداءَ بكلّ ما أوتيت من قوّة؛  شعور لا تفهمه إلا المكتسيات بالسواد طول النهار تحت لظى شمس مايو في مدار السرطان، أكاد لا أصدق، آخر يوم جامعي لأطول فصل في الحياة! 

آخر محاضرة أحياء، آخر محاضرة في اللغة الإيطالية، آخر محاضرة في الرياضيات -المحاضرة التي "طنشتها"-، آخر وقوف في طابور الاستهلاكية، آخر جلوس في استراحة التربية، آخر مختبر، آخر مرور على حديقة العلوم التي سكنت فيها، آخر طلة في هذه السنة على كل شيء، مرت بما لذ وساء فيها لما ظننت أنها لن تمر!
٤-٥-٢٠١٦. 


المرض الذي صارعته لأذاكر فهزم جسدي ولم يهزم روحي، اعتزالي أهلي واعتكافي في الجامعة وصوت أمي يتردد فيّ: "لا تذهبي! ذاكري بالقرب."، اعتذاري ألف مرة منها وأنا أكرر لها أنني لا أستطيع مذاكرة كل ذاك إن كنت في البيت، محاضرات الأحياء الألف الباقية واستدراكي في الوقت بدل الضائع، استشعار كم الحمل الملقى علي وأنا مطالَبة بتحسين درجاتي إلى أقصى حد، سهره معي وتشجيعي إلى آخر ثانية، الإرهاق وحل الأسئلة إلى الفجر، صباح الاختبار والجوع يأكلني بعد أن اكتشفت أن مطعم السكن لم يفتح بعد، الدعاء والصلوات المتبادلة، لذة الاختبار واستمتاعي بحله، خروجي بعده خفيفة الروح أطير، الحلوى والصديقات، الاختبار الباقي -الأخير والوحيد في المرحلة التأسيسية- واقتناعي بسهولته وأنه لن يأخذ مني جهدًا عظيمًا، تعبي النفسي لأجله ليلته، انتهائي وانتشائي بعده -بلا طعم؛ لوحدتي-، المشي أميال في شمس عمان اللافحة، إعادة الكتب الدراسية الثقيلة، التنهيدة الأخيرة، انتهت سنتي الأولى في الجامعة. 

مر الفصل الذي ظننته أن لن يمر، مر وهو الذي فاجأني بوحشته ووحدتي فيه وسط صحراء المحاضرات وقحط النفس فيه بلا أنيس بعد الفصل الذي أحطت فيه بصديقاتي، مر الفصل الأول لتعليمي مجموعة طالبات في نادي إتقان التلاوة؛ الحلقة التي انتشلتني أسبوعيًا من جحيم تعب الجامعة إلى نعيم القرآن والعطاء، مر الذي تحملت فيه مسؤوليات عظام، أحبطت ألف مرة، وقفت بقوة الأمل واليقين بالله ألفي مرة، مر الذي أفتش فيه مائة مرة بين التخطيطات الفاشلة للقاء صديقة قديمة، مر وآسيا وغرفتها ملاذي حين التعب، وأفنان فرح الأربعاء بعد الإنهاك، وميعاد وعهود إجابات استغاثاتي، وألفة رفيقة حديقة العلوم، مر وفي نهايته حلم تحقق ما ظننته يكون، لكنه كان فأضحت حياتي نعيمًا. 

للدعاءات التي استجيبت وأنا كنت دعوتها في حاجة إليها ثم نسيتها، لرقصي تحت المطر مع مروى، للنقاشات الفكرية، للقاءات المصادفة، لجميع من عرفتهم في الجامعة فغدت حياتي أجمل، لكل ما قتلت نفسي لأجله قبل عام من الآن لأصل إليه، لأمي التي تتحمل غيابي الطويل وأخواتي عن المنزل لنكون بخير نبني أنفسنا، لهبة التي ولدت في هذا العام فكانت كفيلة بإصلاح النفسية التي تفسدها الجامعة، ثم وفي البداية للطف الله الذي غسّلني في الجامعة بعد جحيم المدرسة، امتنان لا يسع السماوات والأراضين. 

بعد التدوينة الأخيرة التي حسبني العالم فيها شقية في الجامعة لا أجد إلا العناء، أقول أن الجامعة خير نعيم أعيشه رغم التعب والإجهاد، للجهاد فيها ومقاومة التعب لذة انتعاشية وانتصار محارب، وما النصر إلا من عند الله!

إلى الله الذي رباني في الجامعة، شكرًا لأنك ما تركتني ولا نسيت تعبي، وجزيتني في اليوم الأول من إجازتي الصيفية رخصة قيادة أستعين بها على تعب الحياة، ممتنة لك أبدًا. ❤️

ظهر ٢٤-٥-٢٠١٦م. 


____
الحلقة الأخيرة -مع غصة-، لم أعد صعيدية. 

الأربعاء، 27 أبريل 2016

#مذكرات_صعيدية_منتزقة ١١



أستيقظ فجرًا بعد نوم لا يكفي لإشباع جسد بشري، أعود إلى النوم ثقيلة بعد الصلاة فأنام نومًا اضطراريًا لا يستحق أن يسمى نومًا، برغم النوم اللا-نومي، أنتقز متأخرة، أهرع إلى الاستعداد للجامعة، أعد حقيبتي بكتاب يشغل وقتي وشاحن ومذكرة المختبر، معطفي في الجامعة، لم أنسَ شيئًا، نخرج، أصل في تمام الثامنة، تبدأ الحياة بالتباطؤ، اليوم الأربعاء الذي استغرقت أحد عشر أسبوعًا من أسابيع الفصل السبعة عشر للتعايش معه (اليوم الذي ليس لدي فيه سوى مختبر واحد ظهرًا وأضطر إلى الدوام من الصباح الباكر لتعذر النقل ظهرًا)، أدخل إلى سكن الطالبات، أعمل كـ"مصبحاتي" كما تقول آسيا اقتباسًا من المسحراتي الذي يصحي النُيّم للسحور، أوقظهن، نفطر "فطورًا ملكيًا" من مطعم السكن، أعتني بوجبة الفطور لأنني أعلم أنها -قد تكون- هي الوحيدة التي تبقيني حية، أستلذ بكل ثانية مع صديقاتي، أزور المرشدة الدينية، تأخذنا السوالف فوق الوقت المخطط له، أجر خطاي وآسيا قافلتين، نذاكر -بلا روح مذاكرة لأن روحها انتهت-، آه علي أن أمسك حلقة رقية التابعة لنادي إتقان التلاوة، تجري الساعة إلى ما قرب الثانية عشر ظهرًا، أقول لآسيا أن ثقل العالم فيّ وأنا أستعد للخروج ذاك الحين، أقول يا رب الصبر والأجور، أصل في الموعد المحدد، أختبر الفتيات، أذاكر في الوقت نفسه، انتهى الاختبار، أصلي، آخذ علبة زبادي بحجم ربع كفي غداءً، تترجاني عاملة المطعم أن أتغدى ولو بقطيعة سمك -المفضل عندي- بمعطفي الأبيض، أقول لها عندي مختبر الآن وعلي الذهاب، أصل مبكرًا، أقرر زيارة المُدرّسة في مكتبها لمراجعة ورقة الاختبار الأخير الذي هدمت فيه شرف درجاتي في الأحياء إلى أدنى مستوى، ما بين الأخطاء السخيفة وتغيير الإجابات وما لم أفهمه أصلًا دهشت، تخبرني أنها توقعتني أفضل، أقسم لها برب المجاهدين أنني استنفذت جهودي وعملت بكل وصاياها، أتنهد، أقرر أنني سأرمم معدلي بالاختبار النهائي وأنني سأذاكر من الآن، تعجلني الأستاذة لأن موعد المختبر حان، أركض فتدلك جلدي الشمس بلفحها، مختبر الثانية ظهرًا الذي يحتاج جهاد الأرض، أصبر نفسي أنني سأعود قبل الخامسة، أتلافى جوعي بأنني سآكل مع أفنان، أحل اختبار المختبر الأسبوعي الأخير، أتلافى أذى تكاسل زميلاتي بشغف التجربة، أواجه كسلهن بقوة رفض أن يشاركنني تجربتي لأنهن أهملن تجربتهن ولم يقمن بالخطوات المطلوبة تكاسلًا، أنتهي أول واحدة، تبهر الأستاذة ومساعدة المختبر نتائجي، تلتقط صورًا، أنظف أدوات المختبر، أخرج، أفنان عادت إلى البيت، يا رب الصبر ساعدني على الجلوس، لا أجد من يرجعني إلى البيت، أقرر تجاهل جوعي وتعبي كله وشراء ما لا يسمن ولا يغني من جوع لإصمات بطني، أتجاهل ألم الحقيبة الثقيلة والكتب في يدي، أصلي صلاة الخاشعين المحتاجين المتعبين من الحياة، أجر خطاي جرّي لجراب الأرز القريب من وزني، أقرر أن أكون قوية، أدخل إلى السكن ثم أغير وجهتي إلى المكتبة، أجلس وآسيا، لن يهزمني تعبي والله مهما هدمني، أتذكر أعمالي المتراكمة التي تنتظرني كلها ومتعلقاتها في البيت، تذاكر، لا أستطيع التفكير عوضًا عن القراءة أو المذاكرة، أتصل بالأخرى ألف مرة لأعلمها برغبتي في العودة إلى البيت معها، ترد بعد أمد أنها في البيت، أتنهد بقوة، تذهب آسيا، أبقى شحن هاتفي ينفد، أشحنني بأذكاري، أشحن هاتفي، أصلي، أتصل بأمي لأؤكد لها ألا تتأخر عن التاسعة ليلًا لأن يومي أكلني وشربني، أغص فما أجدني إلا أبكي، كيف أبكاني تعبي وأنا التي لا يبكيها أسد يأكلها ولا برق ولا جبار؟ يبدو أن هذه كانت نقطة نهاية تحملي التي إن مُست دَمّرَت، أهدأ بالصبر والدعاء، أنتظر حافلة لساعة أو يزيد ولا أجد، أمني نفسي بأمسية لا أدري لمَ أحضرها، أصل بعد انتهاء نصفها، ألقى صديقة قديمة، أدخل أثقل من جبل، أحاول الاستمتاع، أنال بعض الإلهام، تنتهي، أستلذ بحديث الصديقات القدامى، أصل إلى البيت قرب العاشرة ليلًا، أشرب رشفتَي حليب أعرف أنها ليست زادًا حقيقيًا، أصلي صلاة العتيم صلاة المنهكين المعصورين الذين لم يجدوا سبيلًا للارتياح بالصلاة قبل ذلك، أستلقي على سريري، لا أبكي ولا أنام، أكتب. أكتب سيرة يومية لفتاة في سنتها الجامعية الأولى لا تستحق سكنًا داخليًا في الجامعة لأن بيتها قريب منها، أكتب سيرة فتاة لم تسعفها كل الأيام التي عاشتها برخصة قيادة تسكن بها نفسها وتستطيع الهناء بنقل متوفر من وإلى الجامعة حسب أوقات محاضراتها، أكتب لا لأنني فارغة، أنشر لا لعرض حياتي على العالم، أكتب لعل مستشعر نعمة يستقصد، أو واقع في بلاء يُستشفى. إله الصبر والجهاد، أعطني صبر المؤمنين، صبرًا بحجم سوء الكلمات المتراصة في فقرة واحدة. 


#طالبة_سكن_خارجي_ما_تسوق

الجمعة، 22 أبريل 2016

#مذكرات_صعيدية_منتزقة ١٠ ؛ طالبة جامعية إلى النور.

آه بدأت أتخفف أخيرًا، حضرت الدرس الأخير من دورة  هذا الفصل، ما إن أنهيته حتى طلبت صديقتي الأخت مساعدتي، هرعت إليها إلى الاستراحة، ساعدتها، بدت متعبة، استرخت على حجري، قالت: لم أذاكر لأنني تعبت وبكت كثيرًا. أوقعني الله هنالك لأتذكر أنني لم أتخفف حقًا بل كنت أهدئني عبثًا وأمثل علي، قمت أهدئها بالأشياء التي كنت أهدئني بها، هدأت بعد وهلة وقامت أقوى. 

ماذا قلت لها لكي تتخفف ولم يخففني؟ أكثر ما أتذكره أنني قلت لها: "والذين جاهدوا فينا..." وطلبت منها أن تكمل فقالت بصوت متقطع "لنهدينهم سبلنا."، ثم أردفت أنك تجاهدين فيه وحده قبل أن تجاهدي لدراستك أو لنفسك أو لأهلك أو تخصصك، إذا حضر الله فيك لذ كل مر وطاب، وإن أحسنّا العمل والظن أدهشنا.  

ذبولي الذي يسأل عنه كل من يقابلني فأتعلل بالإرهاق لم يكن إرهاق نوم عابر، بل هو ثقل جاثم على صدري لا يرضى النزوح. هاجس الأحلام والأهداف والضباب في الطريق، الكوابيس التي تطاردني يقظة ونائمة، كله أتغلب عليه بإذن الله لأن الله لا يكلفني ما لا أطيق، ولأن العبرة بالخواتيم، فلا منطق في أن أعتصر طول الفصل ثم أجف وقت الحصاد فيسكب زيتي هباء.

قيل لي مرارًا أن مواد الجامعة غير المدرسة، وأنها برغم تشابه الدروس وتكرارها إلا أنها أكثر رتابة في الجامعة نظرًا لتغير اللغة عن العربية، واختبارات المدرسة قمة في اللطف والحنان مقارنة باختبارات الجامعة، وأن الذي ينحط بدرجاته في أول فصل طالب طبيعي والأمر صحي تمامًا ولا داعٍ للجزع، فقط هي صدمة الفصل الأول في الجامعة ومواد الجامعة. كذبت وصدقت بين الشك واليقين، وما إن خضت في الأحياء التي أعشقها حتى ذبت رغم أن استمتاعي بها قل عنه في المدرسة بالعربية، لكنه ظل قائمًا هو والولاء الأحيائي فيّ. بعد اختبار الأحياء الأول صعقت رغم سهولة الاختبار وتجاوزت وبذلت روحي وجسدي واستنزفتني كلي للاستعداد للاختبار الثاني متجاوزة كل ما قصرت فيه في الأول السهل الذي صعقتني درجته، وإذ بالثاني رغم قوة العدة له واليقين بالله يكتسحني كما فعل مع كل الطلاب غيري، تبلد، إحباط، عدم رغبة في المذاكرة أو شم رائحة المادة، رغبة في الاستسلام والانسحاب من الحياة لفترة غير وجيزة، كل ذلك حاربته بصمت وقوة وأنا أرى الطريق يتناثر عهنًا منفوشًا، لا بأس علي سأكون أقوى. 

علمني الله بانكساراتي التي تزداد كلما بذلت أنه يريد أن يصنعني بظروف أسوأ حتى يزيد فرحي بالفتح بعد انسداد الأبواب جميعًا على وجهي، علمني الله أن الجامعة لم تكن سفرًا قاصدًا أركب فيه خيلًا فاتنًا يوصلني على نسيم بارد إلى مبتغاي، علمني أنها أيام قد أذوق فيها القحط والعطش والجوع في لفح صحراء وحدي، علمني أنه يسد علي بالظروف ألف باب أستاء لانسدادهم ثم يفاجئني بانفتاح ملايين غيرهم، علمني أنه أعطاني من كل ما سألته وما لم أسأله من التسخيرات والقوى لأجاهد وأتجاوز كل عقباتي، لكنني بعجزي أغمض عينيّ عنها وأتعلل بكرف الجامعة وسوء الظروف، علمني أنه اصطفاني وطهرني حين وضعني في موضع جهاد ورغبة في العلم نفسه لا رغبة في تسجيل الحضور المادي فقط وعدم الاهتمام بالفهم أو المذاكرة، علمني الله أنني وحدي قادرة على سبك أحلامي ذهبًا أو نحاسًا أو طينًا أو روثًا وأنني الوحيدة التي أرسم لي ما أريد ولا أحد سواي بإذنه. علمني أن أتيقن به وأحارب ثم أكتفي بالاندهاش من معجزاته. 


{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 41 ) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ( 42 ) }

الثلاثاء، 19 أبريل 2016

#مذكرات_صعيدية_منتزقة ٩

أمشي في ممرات الجامعة أول الليل وصخب العصافير ضجيج، وضجيج نفسي أعلى، أهدئه بالدندنة "كلما قلنا يئسنا قالت الآمال كلا..."، أسمع صداي وصدى أحلامي وهي تردد "فغدًا تشرق شمس والأماني تتجلى"، أتذكر كل حرف من قصة المرأة التي حاربت وتفوقت في الطب وكلماتها التي كانت ترددها علينا في الجلسة كلمة كلمة، أتنهد، أبتسم وأكمل بقوة. 



"أمشي على حلم 
أراقب لهفتي
وأتوه
أسأل عن ظلالك
لا دليل!
وكلما أوقدت نارًا
يسكب الليل انطفاءً.
كم صرخة في اليأس
أكتمها
لأقنعني
بأن مداك
من أرجائي اقتربا؟"*
أردد علي هذه، أسجل لهديل مقطعًا أؤكد لها أنني لن أنهزم بعد نتيجة اختباري هذا مهما كان، أؤكد لها ألف مرة أنني لا زلت أدعو الله اليقين اليقين اليقين وأن يقيني لن يتدنى بل يزيد كلما انهزمت، أعني كلما اقتحمت عقبة لأنني لن أنهزم. أوشك على سب شبكة الجامعة في داخلي لأنها لم تفتح حتى بريدي لأتلقى النتيجة، ألغي الموضوع وأقرر الاستمتاع بأمسيتين بعد اختبارَي اليوم، أفرح وأنسى، أشحذ همتي، أتنهد وأطير. 

أعود إلى البيت بعدما نامت الطيور بأمد، وبعد أن أوشك على النوم أبي، أقرر أن أثبت يقيني قبل أن أرى أي نتائج، أرتاح، أسأل أختي في أي أسبوع نحن ثم أجيبني أننا في الثاني عشر وأذكر لها كم أنني لا أستطيع وصف سعادتي بقرب انتهاء الفصل وقرب الخفة من الهم النفسي، أراها، أندهش ولا أندهش في الوقت ذاته، في الحقيقة كنت أعمل للأفضل وأتوقع الأسوأ، لكن السيء حقًا لا درجتي، بل محاولاتي الشتى لترقيع كل خطأ وإصلاحه من أساسه ثم بقاء الدرجة في هذا المستوى، لا يمزقني سوى عدم فهمي لموضع الخلل رغم محاربتي للعثور عليه منذ عامين. أفيّ العيب أم في اختباراتهم التي لم يكن طلاب كثيرون أفضل فيها مني؟ أنا لا أدري سوى أنني أسأل الله العثور على الثغرة العويقة وسدها. 

هدنة من الحياة أخرج فيها من جو المذاكرة المستمرة إلى بحر وأطفالي وضجيج "عمتي/ خالتي مزنة" المبهج الذي ما انفك يعيدني إلي. أعود بعدها إلى غوص الكتب والأحلام يا رب. 

يقيني برب الدروب المرهقة وعلمي أن الوصول لا يقتضي الانهزام بل اقتحام العقبات سببان كافيان لأكمل عمرًا مزهرًا. يا إله المعجزات أغث المجاهدين. 


_______
*أُلفة الكندية

الخميس، 14 أبريل 2016

#مذكرات_صعيدية_منتزقة ٨

الفتاة التي تقبع أمامي في الحديقة -منفاي-، تخلع غطاء رأسها وتلقي شيئًا من سترها، تصورها صديقتها -بكامل كشختها-، تضع على رأسها قماشه، تطلق ضحكة تشير للعابرين بسعادتها، تنطلق سعيدة، أسعيدة هي؟

الإرهاق النفسي هو مرور أسبوع طويل لم يطق المرور وهو يستنزف بكل ثانية منه أجزاء مني، ثم تأتي عطلة نهاية الأسبوع لتعدني وتمنيني وعد الشيطان بالتنفس والخلاص، ولا تنفس ولا خلاص إلى نهاية الفصل بعد شهر و٩ أيام. يا رب الأيام الثقيلة ورب الجهد والجهاد ورب القوة واليقين، خذني إليك مطمئنة مستلذة بجهادي المر حتى يغدو حلوًا.

المثلجات التي أحبها وأقنعني بشرائها اليوم مكافأة على جهدي، الحرارة التي تمص القوة مني مصًا فأستقوي عليها وأجلس في عز الظهر في حديقة العلوم لا أبالي بصراخ جسدي ما دمت سعيدة، الاختبار الثاني الذي استنزف كل قواي النفسية والجسدية والعقلية مر. لا أهتم بأي شيء سوى أنه عبر وأنني استنفدت كل جهودي وطاقاتي للتحضير له، لا أبالي بعد اليوم بدرجته التي قد تفتح لي أفقًا واسعًا أو تسده، يا رب بذلت كل شيء وانتهت عند ذاك الحد طاقاتي، أدهشني بمعجزاتك يا رب اليقين.

ضحكها وهي تدعوني إلى تغشيشها وتسرد لي آيات التعاون والبر والإحسان وكل ما لُقفَ به رأسها وهي صغيرة بلا وجود حقيقي للمعاني في حياتها وغيرها، رهبتي من زيف الأسماء حين تسمى "جهاد" وهي لو كان اسمها على عقيدتها لكان تكاسلًا، العقليات الجامعية التي لا تبالي ولا تدري أين وضعها الله ولا ترجو موتًا ولا حياة ولا نشورًا، العلكة التي تعلق في حذائي في ممر من ممرات الجامعة فأقول بضحكة ساخرة "الحمدلله الذي عافانا مما ابتلى به كثيرًا من خلقه وفضلنا تفضيلًا". الحلم الوردي الذي أسعى له بوجود شباب واعين عقلهم الجمعي يفرض عليهم الرقي والاحترام، هذا ما -إن لم يقتلني ثقل الدراسة- سيقتلني.

"واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين"، "والذين يمسكون الكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين"، ما كان من ضماد ولا قوة نفسية أعظم من تلك التي يمدني الله بها كلما وهنت، يا رب الجامعة ورب التكاليف والاختبارات والمذاكرة وجهاد المحاضرات، خفةً، قوةً، ويسرًا. 


______
نُشِرت منذ الخميس ١٤/٤/٢٠١٦ لكن شبكة الجامعة السيئة حالت دون تمام النشر. 

الأربعاء، 24 فبراير 2016

#مذكرات_صعيدية_منتزقة ٧

أخرج سعيدةً أترنم كأنني كنت في موعدٍ مع حبيبي ونلت لعينيّ اكتحالًا تصطبران به على مر الأيام، لا أدري إن كان ذاك يسمى موعدًا، ولكنني على كل حال تعرفت عن كثب إلى شيء من اللطف الذي لم أكن أعرف منه إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا، ما للسعادة تجتاحني إلى الآن؟ لا أدري. ربما صنع ذاك السحر يومي. 

لم يكن سحرًا لا يفلحُ به الساحر حيث أتى، بل كان موعدًا مع أصدقاء جدد، أولئكم الأصدقاء الذين يعيشون فينا وحولنا وبيننا ومن فوقنا وأسفل منا ونحن لا نعرفهم، الأصدقاء اللطفاء الذين لا نراهم لأنهم أصغر من أن نفعل. كانت دهشتي لا تفتر حين مضيت أردد أنهم لطفاء وجميلون، وحين رددت زميلتي بحب عظيم عن قطعة من فطر المشروم أنها "ملكة جمال مملكة الفطريات"! حسنٌ، مهووسةٌ بالأحياءِ بلى، لكن دقة التصميم وجمال الشكل واستعصاء الرؤية بلا مكبرات خلق عظيم، الحب ينبع من: ﴿هذا خَلقُ اللَّهِ فَأَروني ماذا خَلَقَ الَّذينَ مِن دونِهِ بَلِ الظّالِمونَ في ضَلالٍ مُبينٍ﴾!



لا زال من الصعبِ عليّ أن أكون في مختبر الأحياء ولا أجد من أشاركه تسبيحًا أو ذكرًا في كل الخلق العظيم الذي أستكشفه، فأنا مهما كانوا يقولون عني مزن أظل جافة شحيحة دون رواء الذكر والتسبيح، وأظل أردد:
حدائق الذكر تحيي قلب صاحبها
فاسمع لقلبك هل غنت بلابله؟
لا بد من الاعتراف رغم التفكر الفردي أنه ليس كافيًا،﴿قُل إِنَّما أَعِظُكُم بِواحِدَةٍ أَن تَقوموا لِلَّهِ مَثنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّروا﴾، رب لا تذرني فردًا. 

أظنني أكون كافرة صريحًا إن اكتفيت بما قلت متجاهلة تأملات الحدائق مع خير صحبة. المهم، سعادتي بالمختبر أنستني ما قبله، دعوة أختي لحظة استلام الورقة، الاختبار في بداية المختبر الذي يجب علي أن أعترف دائمًا وأبدًا أنني كلما اعتمدت على مذاكرتي -ولو قليلًا- خبت وتقهقرت، ولا أزال أرتل على نفسي أنني أثق بالله أكثر من أي شيء ثم إذ بي أتذكر كل شيء ذاكرته برقم الصفحة والتفاصيل السخيفة والنكت التي أطلقها وأنا أذاكر ولا أتذكر الاسم المكون من بضع حروف ذاك، أسلم الورقة فتُصب المعلومات عليّ صبًا، من الواضح جليًا أنني كنت متكلة على نفسي فقال إلهي: أتظنينك عبقرية دوني؟ ارتميت بين يديك يا ربي ذليلة فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين. 

ذاك النهوض الذي لا أستطيعه ولكنني أفعله وأردد عليّ: "واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين."، الامتناع عن الطعام مع حاجتي إليه لئلا أنعس، المذاكرة مع عدم القدرة، الدعاء بالقوة، القرآن وتلاوته مع آسيا، التأملات القرآنية السريعة، الفطور، اللقاءات، النهوض الفجري، الشريط الذي يعود بي إلى الوراء لأتأمل كل يوم كم يصنعني الله على عينه وأنا لا أدري ما يُفعل بي! 

التنهيدة السعيدة بعد المختبر، المصلى، قولها: "انكسرت بعد فرحة" وردي: "لعلّه تنبيهٌ من اللهِ ليصنعَك قويةً ولتترممي في المراتِ القادمةِ. ليس لعل بل هو كذا فعلًا."، لقاء صديقتي، العودة معها إلى البيت، غروب الشمس وتأمل السحاب، ويا إله الخلق العظيم حبًا. 

الخميس، 31 ديسمبر 2015

مذكرات صعيدية منتزقة ٦

اليوم قررت أن أختتم مع اختتاماتهم لعام ٢٠١٥ سلسلتي من مذكرات صعيدية منتزقة التي لم أنشر منها سوى حلقة واحدة لا لشيء إلا لشعوري الأحمق الذي يقول لي لا تنشري. ختام بعد يومي الجامعي الطويل قبل الأخير لفصلي الأول في جامعتي، اليوم الذي قضيته مع صديقتي نتجول بين الخدمات التي توفرها الجامعة دون داعٍ دراسي. 
وجود طالب يذاكر في كل بقعة منسية من بقع الجامعة يشعرني بالطمأنينة. لا أدري كيف أشعر وأنا لا أذاكر مثلما يذاكرون لأنني لا أرى مقررات المرحلة التأسيسية بحاجة إلى المذاكرة، فقط كما أقول لصديقاتي أنني في إجازة أقتطعها لأذهب إلى الجامعة لتوقيع بعض الأوراق -أو حل بعض الاختبارات بمصطلح آخر- ثم العودة إلى البيت ضامنة نجاحي. استغللت بفضل الله هذا الفصل بأكبر قدر ممكن من استنشاق لذائذ الجامعة والإنصات لزقزقة عصافيرها وخرير مياهها، بالاستماع إلى سوالف صديقاتي التي قد لا تهمني أحيانًا والاستمتاع بها والتلذذ بضحكاتهن، كافأت نفسي جيدًا بعد كل اختبار أو مشروع بمجموعة كتب ألتهمها من المكتبة الرئيسة التي تسر الناظرين عوضًا عن شامّي روائح الكتب والغارقين الهائمين العاشقين، حفظت الجامعة شبرًا شبرًا ومشيت كثيرًا كثيرًا بين أزقتها المتشابهة، أطلت الجلوس في حديقة العلوم والحديقة الطبية حيث منفاي الذي أغار غيرة المرأة على زوجها حين أرى أحدًا يأخذ مقعدي الذي يحتضنني في الحديقة الطبية، عشت فصلًا لن أبالغ إن قلت أنه انغماس في الجنة بعد شقاء الجحيم؛ عشت أدق تفاصيل تعويض الله ولطفه الذي تخجل الكلمات عن وصفه. 
بعد اختبار اللغة الإنجليزية الأخير، حفل الوداع، أدركت أنني فقدت أخوات لن أتصبح بوجوههن الفصل القادم بإذن الله. قيل لي كثيرًا أنك لن تحصلي على صديقات يدمن في المرحلة التأسيسية، كلهن إن رأينك حين تتخصصين ربما لن يسلمن عليك حتى، أثبتت لي الحياة أن لا شيء مستثنى من قاعدة عدم جواز التعميم؛ ولا حتى زميلات المرحلة التأسيسية. اختارنا الله ثلة مميزة ندر ما تتجمع مثلها في صف واحد، تآخينا في المر والحلو، كانت اللقاءات اليومية لمحاضرات الإنجليزية كفيلة بجمعنا بنيانًا مرصوصًا، بعكس محاضرات الرياضيات ونظام الأسرة الذين كنت أدخل القاعة وأخرج أول واحدة بلا أن يعرفني أو أعرف أحدًا. علمني الله بهذا الفصل أن زميلة في مرحلة تأسيسية قد تكون لي أختًا يطمئن لها قلبي وسكنًا أكثر من صديقاتي اللاتي أعرفهن لسنين طوال، علمني أن التجربة الشخصية والنظرة الخاصة بكل فرد هي التي تحدد انطباعه عن مرحلة ما، وعلمني أنه يجيب الداعِ إذا دعاه واستجاب له مضطرًا محتاجًا إلى خير صحبة، وأنه يجمع المستحيلات كلها تحت سقف واحد حتى يطبطب على قلب موقن. 
لا أستطيع حصر اللحظات العذبة التي لا يستطيع إنسان خبء تنعمه بها، يوم الثلاثاء الذي أنتظره أسبوعيًا لأبدأه بحلقة قرآنية فمشي مع هاجر عبر حديقة العلوم إلى مركز الإرشاد الطلابي لحضور الجلسات الودية؛ كيف كانت كل لحظة منها معها نعيمًا، تجاهلي لها في المكتبة الرئيسة متيمة بالكتب وصراخها وإشاراتها لي ثم غضبها وتوليها عني، لحظات الوهن الجسدي والانتكاسات الصحية حين تنجدني ميعاد، أو حين تأمرني بالراحة آسيا، الأحاديث الطويلة المشوبة بتأنيب الضمير لمنعي آسيا عن المذاكرة بأحاديثي، نومها في الأرض لتصر على نومي في سريرها، أول ليلة مبيت في السكن يوم ولادة ابنة أختي، رفقة الطريق ومغامراته مع أفنان، ملل المحاضرة الفائض مع نورس، لقاء الفجأة في استراحة التربية مع ألفة، الاتفاق للقاء جهينة، ضجر محاضرة الأستاذة التي لا زلت لا أفهم الدافع النفسي الذي يجعلها تعاملنا بتلك الكمية الهائلة من الوقاحة، جهاد الثانية ظهرًا للثبات في محاضرة الرياضيات وسفه كل الهواجس الجسدية حين يصرخ الألم أو التعب فيّ، ابتسامة الشيماء، لقاء مروة في المصلى كل أحد وإثنين بعد يوم منهك، شغف محاضرة نظام الأسرة، المشي في أزقة الجامعة وعينيّ على هاتفي تقرآن كتابًا، دهشة التأمل في كل شيء؛ بل دهشة الإيمان الذي يزيد كلما تأملت طبيعة الجامعة وصرخت في داخلي "آمنت يا ربي"، السباحة وانتعاش السباحة وصحبة السباحة وحياة السباحة، كل التفاصيل التي لا يسع حديثي ذكرها، شكرًا لله على فصل رائع كهذا! 
حمل حقيبة الظهر التي كانت دليلًا لا يشكك عاقلًا في ظن أنني طالبة "صعيدية" سنة أولى، تلك التجربة التي أصر على التمسك بها إلى يومي الأخير في الجامعة والمشي بثقة رغم ضحكهم عليها، استغلالي لكل فرصة للمشاركة في الأنشطة الطلابية والأمسيات والفعاليات و"نزقة سنة أولى" كما يسمونها، الفراغ النسبي الذي كان يحتل فصلي لأكب أكثر على بناء نفسي قبل التعمق في الدراسة، صحبة للصديقات الصالحات التي تغمرني في كل مكان، وجود طفلة جديدة في بيتنا وزيارات الأهل لقدومها، كل ذلك أضفى خير بناء لفصلي الجامعي الأول، الحمدلله. 
بقي اختبار واحد يختم فصلي الأول، وبقي ثقل نفسي هائل من اختبارات صديقاتي المتخصصات وعلمي بتعبهن ومحاولة التخفيف عنهن بشتى الطرق، وبقي يوم وينتهي فصل أستطيع أن أقول أنه الفصل الأول من فصول خير أيام حياتي وألذها. 

الخميس، 15 أكتوبر 2015

#مذكرات_صعيدية_منتزقة ٢



أستيقظ، أنظر إلى المنبه الذي كتبت فيه "إنا جعلناك خليفة في الأرض" فأبتسم وأغلقه لئلا يزعج أختيَّ النائمتين، أنهض، أغتسل وفي رأسي تزدحم خطط اليوم، أسدلُ شعري الذي تكره أختي أن أسدله، أنزلُ إلى أمي بقبلةٍ على يدها وابتسامة عميقة، أحمد الله كثيرًا على اليوم الجديد الذي منحنيه ويجب علي شكره بأن أنجز إلى أقصى حد، أمسك بقلمي ودفتر خططي وأبتسم وأنا أردد "هي أمة كثر الظماء بها وقد حان المطر"، أحادث صديقتي ثم أمتنع لأنني خططت أن أذاكر اليوم بعد يوم أعمال المنزل الشاقة البارحة، لا أحد يذاكر في المرحلة التأسيسية لكنني أفعل لأكون ما أريد، لكي لا أسألَ الله أن يحققَ لي حلمي وأنا لا ألقي بالًا لما قبله، آه رسالةُ الجمعة من أخي البعيد لعمله، أضحك كلما نظرت إلى تسميتي له "الحبيب" لأنه من أكثر الناس الذين يستحقون حبي في هذه الحياة، أذكر احتضانه وكلامه في كل الأوقات الصعبة، أرسل له: "اشتقت إليك جدًا.." فيرد أنه أيضًا يشتاق إليّ ويحاول أن يجد وقتًا ليأتي إلى البيت فلا يجد، يسألني عن الجامعة، أجيب بحب رغم التحدي والمسؤولية، يقول: "صناعة شخصية الفرد تبدأ من الجامعة، شدي الهمة وأثبتي جدارتك واجعلي عزيمتك دائمًا قوية وخذي المواقف بشكلها الإيجابي ففي النهاية تدرسين لنفسك لتصنعي مستقبلك كيفما شئت أن يصبح."، يا رب الصباحات وإلهام أخي وحبه.

كل طريق أسلكه، كل شجرة أتأملها، كل محاضرة أحضرها، كل جهاد عميق رغم التعب، كل لقاء وكل تصرف هو الذي يصنع مستقبلي، حرية الاختيار وحرية التصرف أساس لكل طالب جامعي، كل أولئك الفتيات اللاتي يتخذن الجامعة لعبًا في تفويت المحاضرات وفي مظاهرهن، كل أولئك الصبية الذين يتلهفون على الفتيات وكأنهم ما رأوا خيرًا قط، كلهم اختاروا لأنفسهم عدم النضج أو "اللافائدة"، وباختيارهم ينهارون وهم سعداء.

بعيدًا عن الإرهاق وكل الأمور السيئة التي تحيط بي في الجامعة، إلا أن لذة المسؤولية واتخاذ القرار وحدي، وبناء نفسي وحدي، هي لذة الجامعة وحبها، وهي بنائي لنفسي لأنفعَ. كل تلك الهواجس التي تطاردني ابتداءً من غيابي المبالغ فيه من البيت عن أمي، إلى القائمة الطويلة التي لا تنتهي من الأهداف التي أود تحقيقها هذا الفصل؛ كلها تلك هي في الحقيقةِ أنا؛ الطالبة الجامعية الجديدة التي لا يكف الناس عن مداعبتها بلفظ "صعيدية" كنوع من الابتزاز وأنا أضحك.

صدقُ الصديق، الصبر على الطريق، جعل الله عرضة لأيماننا إصرارًا في الوصول إلى ما نريد، كثير من تعلقٍ بالله، وإعمال فكر وجهد فيما لم يفكر فيه أحد، هي -باختصارٍ- عزة أمتنا. فهل نكون؟



_______
كتبتها منذ ١٠ أيام ولم أراجعها وأنشرها، العذر ممن انتظر والأجزاء القادمة آتية. وافوني بقراءاتكم.

الاثنين، 21 سبتمبر 2015

#مذكرات_صعيدية_منتزقة ١



كنت منذ شهرٍ قررت أن أكتب طويلًا عن الجامعة ويومياتي فيها، عن جمال تعويض الله لي فيها وعن لذة الحياة وإنجازها، لكنني أيقنت أن الكتابة لا تأتي بالقرار، بل بالإلهام الذي يلقيه الله علينا أنى شاء.

أنا طالبة صعيدية في جامعة السلطان قابوس، أنا تلك الصعيدية التي تصر على اسم الصعيدية رغم معاداة الناس له لأنه يطلق عادةً على الطلاب الجدد في الجامعة دلالةً على جهلهم مستشهدين بقوله: "لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم."، ولكن لماذا لا ندرك أن الصعايدة المصريين هم أذكى الشعوب وأكثرهم إنجازًا؟ وأن الصعايدة هم أكثر الناس اختراعًا وخدمةً للناس؟ نعم أنا صعيديةٌ وأفخرُ أنني كذلك. أدخلني الله الجامعة لأنجز وأتحرك وأخدم العالم؛ وسأفعل.

بدأت الجامعة باستكشاف طرقاتها وأزقتها التي أعرف معظمها، بالشفقة على الفتيات اللاتي يمشين في ممرات الذكور جهلًا، بالمكوثِ في أقرب الأماكن إلى القلب، وبالمشي مع من اخترت أن ألازمَ طويلًا، والتأمل وحدي أطول. باشرت أسابيعي الجامعية بحب ولذة لا يراها أي طالب جامعي، بنشوة الحب والتعويض عن الذي لم ألقَه عمرًا.

أنا الغريبة التي لا تنزعج من الخروج في عز الظهر إلى مكان تحبه، أنا التي أطيلُ الجلوسَ في حديقةِ العلوم الفاتنة في عز الظهر وحره ولا أشعر بشيء سوى النشوة، أنا التي لا تزعجها الوحدة في الممرات، ولا تتعب من الغرق في المكتبات، أنا التي تبحث عن منفذ للفرح فتجده دائمًا يلازمها ملازمةً تشبه الشمس للظل، أنا النضرة التي تفتّحت على الحياةِ ينعًا.

صديقتي ابنة أختي التي تصغرني بسنين أربع، وصغاري أبناء إخوتي هم خسارتي الوحيدة في المدرسة؛ تلك المدرسة التي لم أشتق إليها ولا أود رؤية أي وجه فيها سوى زميلتي وأبناء إخوتي. حين تحكي لي ابنة أختي بحرقة أيامها في المدرسة، وحين بكت يوم تخرجنا وهي التي لا تبكي، وحين تترجاني لزيارتهم كل يوم بل كل ساعة، هناك تبدأ خسائري في الشروق. حين أجد في ممرات الجامعة وردًا وشجرًا وطيرًا كثيرًا مبهجًا ولا أجد أطفال أخي يهدوننيه كل صباح، هناك تكون خسائري حارة في كبد السماء لا ترجو أفولًا.

على كل حال؛ الجامعة العالم الثاني الذي أغوصُ فيه فأغرق غرقًا يحييني، العالم الكبير الذي كثيرًا ما يحسن احتوائي، سواءً جمعني بصديقاتي وجميل اللقاءات في الطرقات، أو مشيًا وحيدةً بين الأزقة أضع سماعاتي وأسمع ما يفتّح عينيّ على العالم، تلك السعادة.

تقول أختي عني أنني مثل "تيلتابيز"، تلك الرسوم والدمى التي كنا ندمنها صغارًا، حين تخرج من مأواها مع شروق الشمس وتعود عند غيابها، كنت أضحك وهي تمازحني بقولها، هي صادقة على أي حال، ولكنني أستلذ بوضعي، أحب غروب الجامعة، وأحب جهاد حضور المحاضرات في أقصى حالات عدم الاستطاعة، والمشي طويلًا ظهرًا والشمس تقسم ألا تدعني حتى تعييني، لا بأس، غدًا -بإذن الله- تحنو على أكتافنا عناقيد الجنة.

أكثر الأيام مشقة مر، ذاك اليوم الذي أبتدئ فيه من الثامنة صباحًا وأنهي دروسي في السادسة مساءً، ذاك اليوم الذي تُعدُّ له العدة والعتاد ويُتسلح له بشتى الطرق، أقول دائمًا لصديقاتي: صادقن فتيات من السكن الداخلي وستعشن براحة وسعادة أبدية.

أنا التي أنظر إلى الشمس في كل حين فأرى شمس نهضتنا تبزغ، وأرى الممرات الطويلة فأرى إيناس الله وتسهيلاته العظمى لنا، وأرى الحدائق وأسمع الطيور فأرى جمال الله فيها، الخالق البارئ المصور مجمّلُ الحدائق ومجمّل الحياة في عينيّ. أرى إلى المرآة فأراني ولكن أرى طبيبة مصلحة كاتبة مناضلة في قضايا أمتها، أمًا عظيمة، وأشياء أكثر. أرى في عينيّ ميلاد النهار. سنكون -بإذن الله وحده- يومًا ما نريد.