الثلاثاء، 5 يناير 2021

2020 عام النعم.

 مرّ عام لم يكن في بال أحد ما سيكون فيه، تغيرت سنن كونية وانقلبت آيات عِظام، وكان ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، كان عامًا عجيبًا، وكان عامًا أعجفَ كما يقول الناس عنه، مرّت فيه لحظات كثيرة -أكثر من المتوقع- أقول فيها لنفسي وصوتي يتحشرج: "سيمرّ هذا الوقت مهما اشتدّ باس". مرّ وفيه عبرات مكتنزة كنا نحتاج سنين طوال لنتعلمها فتعلمناها فيه. شكرًا 2020 على حُلوِك ومرّك.

لست ممن يكتب في ختام الأعوام الميلادية ولا افتتاحها، لست ممن يكترث بشيء كهذا، لكن لا بدّ للذكرى أن تخلّد. هذا العام الأعجف على قسوته الغالبة، أذكّر نفسي كل يوم أنه عام النعم. لم أكن لأتخيل أن ينقلب بلدي الآمن بحمد الله إلى رعب من كل شيء خارج بيتي، لم أكن لأحلم ألا أرى أمي وأختيّ شهرًا وأكثر لأنني أخاف عليهنّ مني. في هذه الأيام العصيبة، أحسست بعمق نعمة قربهنّ، وأن حياتي مهما كانت مرفّهة بكل ما تشتهيه نفسي لا تساوي شيئًا دونهنّ، أدركت أن شجار ابنَي أختيّ كان حياة قلبي التي انطفأت ببعدنا. في المدة نفسها، انعزلت عن العالم، كانت فرصة جيدة لإنجاز مهامي المؤجلة التي تجعلني سعيدة، بعد أسبوعين، خفتت سعادتي، لم يعد أي شيء أفعله يسعدني، ولم يعد إنجازي مهمًا، أدركت نعمة عافيتي النفسية، تلك التي تهبني الاندفاعية والشغف والتوقد لإنجاز كل ما أحب وأنا أشعر بقيمة ما أفعل وأنجز، أما حين أنطفئ، فلا شيء في العالم قادرٌ على انتشالِ نفسي من قعر بئر كآبتها التي لا قعر لها. صارت لكل نعمة معتادة (لا قيمة لها) قيمة حقيقية، صارت مصادر الإزعاج والتشتيت في يومي مصادر قوة لا أستغني عنها. انقلبت قيم الأشياء لأدرك قيمتها الحقيقية. اللقاءات والخروج من المنزل التي كنت أضيق بها حين تتراكم أعمالي فلا أعرف الأوليَّ منه والثانويّ، أدركت أنها هي حياتي وسط ركض الأعمال المسعور، أدركت أن قوتي المزعومة لإنجاز كل شيء هباء منثور أمام نعمي المعتادة.

كان للنعم تعريف آخر، عافية لا تضطرك إلى زيارة مركز الحيّ الصحي الذي غدا كوكبًا مهجورًا إلا من رائدي الفضاء المتسلحين ضد كائن لا يرى حتى بالمجهر الضوئي (وعافية لا تضطرك إلى إعادة فحص كورونا المؤلم كذلك!)، طيبات من رزق الله -يشكرها عليه من كان يعبده- لا تنقطع ليل نهار، بل زادت الوجبات والحلويات والإبداعات بجلوس الناس في البيت، عائلة تلمّك وتضمّك؛ تضيق بعدم رؤية غيرهم لمدة طويلة ولا تفكر أن ماذا لو كنت محجورًا دون رؤيتهم، بيت دافئ شتاءً بارد صيفًا، سقف يسترك، متاع الدنيا كله داخل بيتك، ووسائل تواصل لا تنقطع أبدًا حتى تصل إلى جارك الأدنى وأخيك المسافر بالطريقة والجودة نفسها. كنا غرقى في النعم دون أن يلج شيء منها إلى جوفنا لنحمد الله عليها، كنا محاطين ونغرق بلا بلاءات حقيقية تضطرنا إلى استجلاب الشهيق بقوة حتى ندرك حجم النعيم وأثره. شكرًا كورونا، أنقذتَنا من الغفلة!

كان 2020 هو العام الأول الذي أصافح فيه كف الموت -وأنا حيّة-. كدت أموت عدة مرات في حياتي فنجّاني الله. في هذه السنة لم أمت بالتأكيد، وربما لم أكد أمت كذلك، لكن مرّ علي أسبوع فيه 8 وفيّات، وهذا أكثر من أن يمر على عاقل مرور الكرام دون أن يصفعه على وجهه قائلًا أن الموت أقرب إليك من شراك نعلك. في 2020، مضت المرّات التي لا تُعدّ التي كنت فيها أخاف من أن تموت جدتي، مضت بموتها. لم يكن في حسباني في المرات كلها تلك أن أكون شريكة في تغسيلها وتكفينها، لكنني فعلت. لا أعرف مصدر القوة التي ينزلها الله عليّ كثيرًا في حياتي، ولكن الله يفعل دائمًا. لمست كف الموت بيدي وأنا أخلل أصابعي بأصابعها الباردة المنتفخة الميتة، ولمست معنى الموت في شعرها الأبيض الذي كانت تهتم بتصفيفه وتعقيصه. لمست معنى الحياة في ذريتها الباقية وفي آثارها التي لا تُحصى المتروكة في دواخلنا. ولمست معنى أن أستيقظ ومسائي غير مضمون، وأن أسعى ونهايتي غَبِشة، وأن كل ممتلكاتي الثمينة ليست ملكي وقد يتنازع عليها مَن أحب حالما ترحل روحي دون أن ينفعني شيء أو أحد إلا عملي، فإما من أصحاب اليمين أو الضالين. كان معنى الموت يتمثل في خالتي كوثر وهي تروح وتجيء في يوم تغسيل جدتي وهي لا تعرف أنها التالية وأنها لن تحضر حتى العزاء ولن تخرج من دوامات الأمراض المتلاحقة حتى تموت وهي التي كانت يوم الدفن بخير وعافية تسعى. 

في 2020، سنة الصعوبات، تحققت أهداف فتح الله بها عليّ لم يكن في تخيّلي أن تتحقق، كنت أسأل الله في بداية العام أن يعطيني حتى يرضيني ويكفيني ويعينني على حمده، أعطاني من العطايا والفتوحات فوق ما سألت، وسخّر لي من الألطاف والتمكين ما لم أتصور. أعطاني رفقة قرآن أثيرة في قلبي تمنحني من الحب ما يفوق عطائي، ودورة في بدايته كانت قطعة من نعيم الجنة الخالد في قلبي، أعطاني بنتًا يقرّ فؤادي بإجازتها وبمتابعة حفظها إلى أن تتقن القرآن، وهبني درب الحفظ ميسرًا محفوفًا بمَن يأخذ بيدي فيه بقوة لأقطع أغلبه في عقر أزماتي، هيأ لي السبل لأعدّ ابنتيّ القرآنيتين للإجازة، سخّرني لخدمة الخلق في مختلف الثغور، ومنحني فضلًا منه برعمات ثلاث أعتني بهن -ويعتنين بي- ليكبرن في درب القرآن بقوة. أعطاني الله فيه القوة التي تجاوزت بها كل ضعفي ومخاوفي ووحدتي وضغطي حتى أتخرج، ثم هيّأ الله لي مكانًا أحبه لأعمل فيه -بغير حول مني ولا قوة-، لا بمعدّلي الذي كانت تؤرقني أهليتي للعمل -في ظل التنافس الشديد والبطالة- أو عدمها بسببه، بل بشغفي وإجادتي لأحظى بثقة معلمي المفضل وأعمل معه. فتح الله لي فتوحات غيرها ستبديها الأيام القادمة بإذن الله. توالت عليّ ألطاف الله أكثر مما أستحق بكثير، وأكثر مما دعوت بالتأكيد. 

في هذا العام الغريب، أحسست بقيمة التقارب الاجتماعي ورؤية ابتسامات الأحباب على ثغورهم لا رؤيتها في أعينهم فقط من وراء حجاب الكمامة، وأحسست بقيمة التلامس دون شاشات. فوق كل هذه الأشياء، فقدت روح المسجد، هذا الفقد الذي لا عزاء بعده، المسجد الذي لم أكن أزوره إلا مرة في الشهر على الأكثر، وكان دائمًا الحضن الآمن الذي تندثر كل متاعبي خلفي حال أن يضمني. لطف الله المحيط يضمني حيثما وجهت وجهي وأويت، لكنّ رحابه المتمثلة في بيته على الأرض ما لها من مثيل يشبهها، شعور أن يؤويني بيت الله أعظم ما يُفقَد في أزمة كهذه. اللهم رحابك الواسعة، اقبلنا فيها بحب وسعة. 

كان عام النعم مُدرّسًا عظيمًا، ذاك الذي يقسو ليحسن، ثم ما إن يرى انكسارًا في أعيننا، يدنو ويحنو ويلطف. كان عامًا حنونًا رويًّا مغلفًا بالشدة واليبس. اللهم ربِّنا بلطفك، وبصّرنا بلطفك في الشدائد، واجعلنا ممن تصقلهم الفتن ولا تطغيهم. اللهم أحِبَّنا وقربنا بقدر ما نلتمس حبك وقربك وأكثر. 

الأربعاء، 16 ديسمبر 2020

روح من أمر الله 1.

 {إن المتقين في جناتٍ وعيون* آخِذين مآ آتاهم ربّهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين* كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون* وبالأسحار هم يستغفرون* وفي أموالهم حقّ للسائل والمحروم}

كانت هذه الآيات من منهج الصف الثالث أو الرابع الابتدائي في التربية الإسلامية، لا أذكر أي تفصيل عنها، ولا حتى مَن كان يعلمني تلك السنة ولا من حفظني إياها ولا كيف سمّعتها، لم أكن أفهم شيئًا، كان مفهوم التقوى هلاميًا عظيمًا أكبر من أن يتصوره عقلي الطفولي، لم أكن أعي معنى الهجوع، ولمَ يتعبون أنفسهم إلى هذا الحد، كان وما زال ولن يزال تدريس الآيات معنا سطحيّ بطريقة ساذجة، لا يسمح فيها المعلم للطالب بالتفوه بأي انعكاس للآية عليه ولا أي شعور لامسه حين مرّت به، كان التفسير حاضرًا تلقينًا وإذعانًا أكثر من أي شيء، كانت سطوة الآيات محجوبة بطريقة غير متعمدة حرصًا على الطلاب ألا يزيغوا أو يتأولوا على الله، أو ربما كانت سطوة الآيات محجوبة بتعمّد لئلا تلامس الآيات إلا سطح الدماغ دون أي مرور بالقلب. كانت معلمة التربية الإسلامية في الابتدائية أكثر الناس تبرجًا والحشمة تبكي على أطلالها، لم يكن القرآن إلا أسفارًا نحملها وندونها ونحفظها ونسمّعها ونخرج كتاب التربية الإسلامية من حقائبنا إذا أردنا الجلوس عليها لئلا نعلو على الآيات -ماديًا ولو كنا نعلو ونعلو فعليًا-، وأحيانًا يكتبونها على ورقة صغيرة أو على درج المدرسة لأن حفظها مستعصٍ. كان حظي من القرآن قليلًا لأن مربّونا لم يكن القرآن عندهم إلا مصدر بركة أقدس من أن يُستمَدَّ منه ليل نهار، بل في رفوف محفوظة مكرمة مرفوعة مطهرة، كان "العبث" بالمصاحف منا تقليلًا من عظمة هذا الكتاب. كان الكتاب كتابًا عابرًا..

{نزل به الروح الأمين * على قلبك

لهذا القرآن سطوة على القلب آسرة. في الصف الثالث، لم أكن أفهم الآيات تحديدًا، لكن شيئًا ما في هؤلاء جعلني أحبهم حبًا خاصًا نما في قلبي إلى أن عرفتهم حين كبرت وشاهدتهم من حولي يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق. حسبما جرى تعليمنا، كان هؤلاء من قصة خيالية، يشبهون شخصيات ديزني في كونهم من عالم خارج نطاق عالمنا، ربما كانوا يرتدون جبة قديمة لأنهم بالتأكيد من عصر الصحابة الأطهار، لم يكن لهؤلاء احتمال أن يكونوا من جيلنا ولا جيل آبائنا. على أي حال، أيًا كانوا، دخلوا إلى زاوية مخفية منسية في قلبي دون أن أنتبه ومكثوا إلى أن يحين بعث قلبي الطريّ. كان للقرآن طوال هذه السنين أثر خفي يدغدغ قلبي دون جلاء. لم تكن البيئة مهيأة لأن يتبرعم قلبي ويكبر، إلى أن سخر الله لي النور والتربة الصالحة والرطوبة والحرارة الأمثل، إلى رحاب النور..

ما زلت أكرر الآية مرة ومرتين وعشرًا، وقد يبدو أنني ببغاء، لكن للقرآن سطوة. لكل آية أثر في القلب الطاهر، تطهره أكثر، وتربت على تربته الصالحة ليزهر وينير في ذاته انعكاسًا على سلوكه وحياته. لكل احتكاك سحلٌ غير ملحوظ، ومن أطال الصحبة وفيًا صادقًا مستمسكًا صار من المقربين الأحباب، المورَثين المُصطفَيْن، السابقين بالخيرات بإذن الله، ذلك هو الفضل الكبير!

لم يكن لله عليّ منة أعظم من ارتباطي بالقرآن، من كل شيء سخّره لي لأصاحبه، بدءًا من قوة الشباب الجسدية والذاكرة والجسد المعافى والتنفس السليم والنفس السوية، إلى مشروع الإجازة القرآنية في الجامعة ودورات التدبر والمصابرات وأهلي ورفقتي وأحبابي ومعلماتي وكل المسخرين في دربي ليفرشوه لي وردًا. ما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن الله أوحاه روحًا، ونورًا يهدي به من يشاء.


كان لا بدّ من رحلة القرآن أن تفيض مني حروفًا، لا أدري كم سأكتب ومتى وكيف، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدًا.

الجمعة، 13 نوفمبر 2020

مذكرات خرّيجة 12.

 مرّ وقت طويل منذ التدوينة الأخيرة. ربما لم يخطر على بال -ولا بالي أنا- أن السلسلة لها تكملة وقد مضى على تخرجي شهران ونصف، لكن شيئًا ما أعادني إلى كتابة كل شيء. ربما لإشباع حاجة في نفسي، وربما لئلا تندثر كل الذكريات الصغيرة من رأسي كما اندثرت بيانات هاتفي التي لممتها لسنين ست ثم اكتشفت أنها سراب بقيعة كنت أحسبها ماءً. كل تفصيل هنا يهمني، كل شعور -سخيف- لا يهمّ أحدًا يهمّني ألا أنساه.

انتهى اختباري الأخير في مرحلة البكالوريوس، بدأت بنشر الأهازيج فورًا وأنا أشعر بفكاك لم أشعر به من قبل. لا أدري أكنت سعيدة بفكاكي من مادة البرمجة -وإن كنت لست متأكدة من عواقب فكاكي- أم كنت سعيدة لأنني لن أضطر أن أنحبس لمذاكرة ولا تكليف ولا واجب. صرت حُرّة فجأة بعد سنيّ القيود! شعور يشترى بسنين خمس من الثقل الذي تزايد حتى ارتمى من ظهري فجأة. أكانت هذه النهاية؟ نعم قد كانت. ماذا عن كل اللطافات التي وددت لو أودعني ولا أودعها؟ هي في وداعة الله. كنت أعزي نفسي دومًا أنني قريبة من الجامعة ولن أنقطع عنها، لكن إلى الآن، انقطع أغلبها عني وإن لم أنقطع أنا. اللهم ردًا جميلًا جميلًا.

انتهى كل شيء. ظهرت نتائجنا بعد أسبوع، لم ترضِني بعد الجهد، لكن كأنني كنت مرغمة على الرضا وأنا أتردد في الإقدام على المرابطة لتحصيل درجات أفضل. كنت مثخنة بالجراح إلى الحد الذي لا يثير أيُ شيء داخلي جوارحي للإقدام. حين أوشكت على الإقدام، ماتت جدتي فمات كل إقدام فيّ. فليكن ما يكون، تخرّجت رسميًا بفضل الله. كثرت عليّ الأسئلة بعد نبأ التخرج: هل تخرجتِ بامتياز؟ كنت أقول: لا، لم أفعل. لم يكن الامتياز في شهادة البكالوريوس من رزقي، وكم من ساعٍ لرزق ليل نهار هدّه السعي دون وصول! لم أبلغ الامتياز، لكن أحسبني بلغت الإتقان أو حاولت بلوغه على الأقل، لم يرضِني أن أكتفي بمذاكرة الشرائح كما يفعل كل زملائي بل أرضتني مذاكرة الكتب والتبحر فيها، لم أحرص على الخروج مبكرًا من المختبر بأداء التجربة بأدنى قدر من الإتقان لتعبي أو لمللي، لم يكن الترفيه والخروج مع صديقاتي أو زوجي مفضلًا على المذاكرة في مكتبي أو في مكتبة الجامعة إلى وقت متأخر من الليل مهما كنت أحتاج إلى التنفس بعيدًا عن المذاكرة، ولم أتخلَّ عن نزاهتي ورفضي للغش ولتحصيل الدرجات بالطرق الأسهل التي كان يستسيغها كثير من زملائي، ولم يمت شغفي بالعلم مهما ضاقت سبل الشغف في نظام الجامعة التعليمي. لم أتخرج بامتياز حسب تقدير الجامعة، لكنني آمل أن أكون قد تميّزت عند الله في دراستي وأنا موقنة أن سعيي الحثيث كله كان صناعة لي على عينه، وأن لا جهد ضاع ولو لم تظهر نتائجه جليّة في إفادة تخرّجي، وآمل أن أكون جزءًا جيدًا من ذاكرة معلميّ.

لم أتخرج بامتياز، ولكن يكفيني امتيازًا أنني تخرجت بشهادة الإجازة القرآنية، وأنني كنت بفضل الله عونًا وسببًا مسخرًا وسندًا لبلوغ كثيرات إلى الإجازة القرآنية، يكفيني أنني علّمت القرآن وأقرأته بتوفيق الله، وأن همّي لم يكن مقتصرًا على دراستي واختباراتي، بل كان همّ تعلّم القرآن وتعليمه يأخذ من فؤادي نصيبًا عظيمًا. لم أشعر باصطفاء عظيم كوني دخلت إلى جامعة السلطان قابوس "المرموقة" عوضًا عن بقية جامعات وكليات عُمان، بل شعرت بالاصطفاء كل الاصطفاء أن اختارني الله بذرة في مشروع الإجازة القرآنية، حتى كبرت واشتدّ عودي وبدأ إثماري فيه بمدد الله. كنت أدعو الله دومًا ألا ينتزعني من فضله ورحمته في هذا المكان، وألا يكون تخرجي سببًا في بُعدي، وألا يكفّ عطائي -الذي أحتاج إليه أكثر مما يحتاج هو إليه- فيه. شعور التخرج هو شعور الهبوط من جنة لا أطيق أنا -ابنة آدم- أن أفعله، ولكنني أفعله. ربما كان الله يريد مني ببُعدي أن أعمر مكانًا آخر كما عمّر آدم الأرض بعد لذّة الجنة، وقد رضيت. أدعو الله قولًا وفعلًا ألا يبعدني عن هذا النعيم ما حييت، وأن يديم اتصالي به لئلا أضيع.

من لطف الله بقلبي أن سخّر لي بعد تخرجي مباشرة حلقة لي فيها بنات ثلاث لم يغب يومًا عنها الحب ولا الدفء ولا حتى المشاكسة، يمددنني فيها بالقوة ويشعرنني فيها بلطف الله ووده المنتشر بين عباده، هنّ طبطبة الحياة وهي لا تبعِد عني نعيم الحلقات حتى بعد تخرّجي، وهن بذراتي اللاتي أرجو الله كل يوم أن يربون ويُجَزن ويثمرن ويظلِّلن في الجامعة وخارجها خلقًا كثيرًا. تظن بناتي أنني أعطيهن أكثر، ولا يعرفن أنني أستمد منهن أكثر مما يتصورن وألملم السكينة التي ينثرنها. هذا الحب الذي يغمرني في الحلقات هو حبّ الله. أسأل الله ألا يحرمنيه.

بعد أن استلم الناس جميعًا إفادات تخرجهم، لم أستلم إفادتي إلا بعد مدة طويلة. احتجت إلى مدة كافية لأعيَ أنني تخرجت، وأنها قد تكون المرة الأخيرة التي أستخدم فيها رقمي الجامعي لأي غرض. كانت رحلة استلام الإفادة مفيضة للمشاعر، في جامعة خالية لا يذكر فيها الحجر ولا الشجر مروري من عنده، بعدما كان زمن يستلم فيه الأصدقاء إفاداتهم معًا ليختموا السعي الذي سعوه معًا. لم أذق شيئًا من هذا، استلمتها مع رفيقة درب لم تتخرج معي، دون رفقة التخصص وتعب الليالي الطوال. سلّمت كتابي الأخير، تسللت إلى مخزن الكتب أشم رائحة الكتب الدراسية وأود لو أستطيع اختلاس خمسة كتب منهم على الأقل ليكونوا لي زادًا في درب الحياة أقاوم بهم النسيان وغياب الشغف. خرجت من المخزن أتمتم بقلب حزين: أعلم أن هذه الكتب لن يستخدمها أحد -خصوصًا في المقررات التي كانت دفعتنا آخر من يدرسها-، لكن ديني يمنعني من أخذها، أسأل الله أن يرزقنيها بأي طريقة. دخلت عمادة القبول والتسجيل إلى دائرة شؤون الخريجين لأستلم إفادتي، سئلت عن رقمي الجامعي، نطقت به لمرة أظنها الأخيرة، احتفظت ببطاقتي الجامعية ودفعت رسومًا بدلها. استلمت إفادتي وغادرت، بعد أن دخلت قبل خمس سنين بالضبط تلك الأروقة لاستلام بطاقتي الجامعية الجديدة التي كُتِب عليها (بكالوريوس العلوم) بدلًا من الآداب. اللهم هذا خير الدروب لي بعدما ظننت أن غيره الخير، وقد خلقتني لهذا ويسرتني له، فاستعملني. لم يكن -عُرفًا- يحتَسب تخرج طالب من جامعة السلطان قابوس دون أن يصور إفادة تخرجه عند برج الجامعة، تصوّرت أمامه في عزّ الظهيرة بوقفة المنتصر الذي لم يحطّمه ما مرّ عليه بل زاده قوة، شعوري بالتخرج وبرفقة صاحبتي كان يستحق العناء. كنت أستشعر أكثر من أي شيء ﴿وَعَلَّمَكَ ما لَم تَكُن تَعلَمُ وَكانَ فَضلُ اللَّهِ عَلَيكَ عَظيمًا﴾. اللهم بلوغًا كريمًا يرضيك.

ولو كان التخرج إنجازًا يستحق الفرح، لم يكن يومًا ما حلمًا أود الوصول إليه. كان حلمي أن أتعلم وأن يكبر شغفي وأن أجد بيئة تحتضن شغفي دون أن تخمده، وأن أتعلم إلى أن أموت، وأن أمارس ما أتعلم بإتقان بعيدًا عن رتابة تنفيذ التجارب غير المتقن في الجامعة. لم يكن تخرجي حلمًا بذاته، بل كان وسيلة صغيرة قد توصلني إلى بعض أحلامي. تخرجت بشهادة البكالوريوس في تخصصي وأنا أوقن أنني لا أعرف شيئًا بعد إلا غيضا من فيض وقطرة من بحر. لم تكن دراسة البكالوريوس منتهى أحلامي أو نهاية طريقي، بل كانت مرتع شغفي، والنور الذي أجمّعه وأنا أطلب العلم وأسعى أن أنير به العالم، وبداية طريقي الطويل الذي لا أعلم أين نهايته ولا أراها ولا أستطيع حتى تخمين ما سيكون فيها، لكنني أسأل الله أن ييسر لي دربي ويسخر لي فيه الأخيار، وأن يجعلني مباركة أينما كنت ويستعملني في خدمة العلم ورفعة الأمة بعقلي الذي قال لي معلمي يومًا أنه خُلِق للبحث العلمي والعمل فيه.

بعد التخرج، أخذت هُدنة لشهرين أمارس فيها كل ما أحب -ما لم يتعلق بالدراسة-. كنت أعيد ترتيب حياتي بعد أن أصبحت حرّة طليقة، أدخل فيها ما أشاء وأخرج ما أشاء. كنت أود أن يكون لكل أهلي نصيب من هذا الفراغ بعد النصب، "ولكن تباعدنا لنزداد برًا". تنفست الصعداء، نفذت كثيرًا من خططي المؤجلة، انفتحت لي أبواب جديدة برحمة الله، وصرت أتعلم وأشارك فيما أحب دون تردد لأنني حرة. مرّ شهران استعدت فيهما رغبة الحياة وقوتها، ثم قررت أن أبدأ مشوارًا جديدًا.

بعد شهرين، بدأت حياتي تأخذ منحًى غريبًا من الرتابة التي لا أستطيع التعايش معها. كنت دائمًا أقول أنني لا أقدر على البقاء في البيت طويلًا، لا أطيق دخول مرحلة الضياع دون رؤية الناس فعليًا ولا أطيق البُعد عن المختبرات بُعدًا يخمد شغفي ويطفئه. كان جدول مهامي ممتلئًا، لكنني لا آبه أن أستيقظ مبكرًا لإنجازه رغم رغبتي العارمة في مواصلة يومي من بعد صلاة الفجر دون العودة إلى النوم. كنت أواجه كل يوم نفسي في المرآة، تريد أن تفعل كثيرًا ولكنها لا تفعل إلا قليلًا. هنا كانت نفسي تنازعني لئلا أخرج من قوقعة راحتي، ولكنني عزمت اقتحام العقبة وإخراجي منها ولو لم أكن أشعر أنني مستعدة بعد، فشعور الاستعداد لن يأتي لأن نفسي دائمًا تثقلني إلى الأرض، بل أن أرمي نفسي فيما أخشاه بعد اقتحام العقبة وخروجي من منطقة راحتي هو ما سيصنعني. 

إلى قسمنا شددت عزمي دون أي توجه واضح سوى استخاراتي التي حملتها معي. لم يُكتَب لي إكمال عمل مشروع تخرجي الذي تقت لرؤية نتائجه، بل رحّب بي معلمي المفضل للعمل مع فريق مختبره في أبحاثه. كان يؤكد لي أن شغفي الذي لمسه وتوقّدي ومهارتي هي التي لم تجعله يتردد في ضمّي للفريق الذي لا ينضم إليه أي أحد. الحمد لله الذي لم يجعل درجاتي سببًا في رزقي بل كان شغفي. انقلبت حياتي رأسًا على عقب مع بداية دوامي، منذ الصباح الباكر إلى غروب الشمس أو إلى العصر -في أحسن الأحوال-، قلّ إنجازي فيما كنت أنجزه، وصرت أمسي وأصبح متعبة، لكن في صدري سرور لا يتصوره أحد. أشعر أنني أنجز وأقدم شيئًا للعالم. كنت أنجز وأقدم في الشهور التي مضت ما يستطيع أي معلم قرآن أو شاب تقديمه للعالم، لكنني الآن أقدم ما لا يستطيع تقديمه إلا باحث علميّ يمتلك مهارات يسخّرها لخدمة العلم. 

مختبرات قسمنا تحتويني وأنا أعرف فيها ما تعرفه أم عن بيتها، ويمر الوقت فيها سريعًا مروره مع حبيب كواني الشوق إليه. كان الأسبوع الأول صعبًا وأنا أبلع سوء شعوري وأصبّر نفسي بـ ﴿سَتَجِدُني إِن شاءَ اللَّهُ صابِرًا وَلا أَعصي لَكَ أَمرًا﴾. مرّت أسابيع ثلاثة بدأت فيها التعود على جوّ المختبر وعلى أعضاء الفريق، وبدأت أمسك بيد واثقة ما أفعل، وأنا أساعد وأنفع بيدي، وأنتفع بالاستماع الطويل -الذي لم أملك وقتًا له من قبل- إلى كل ما يثريني، ومعلمي يعتمد عليّ ويثق بي أكثر. أمر على الردهة التي لا تخلو عادةً من الطلاب الساعين وهي خاوية، وأمر على كل زاوية أتذكر فيها صحبي، دون صحبي. الجامعة الباعثة للسرور رغم تعبها لم تعد باعثة للسرور دون أهلها الذين وعدتهم ألا أبتعد عن الجامعة على أمل أن نلتقي فيها.لم يعد في هذا المكان ما يسرّ النفس سوى شغف العلم الذي لم يفارقني ولم يغادر أرجاء مختبرات قسم الأحياء الأثير عندي. اللهم يسّر لي دربي وعلّمني بفقري إليك، وردّ أهل الدار إلى الدار ردًا جميلًا يملؤه، ولا تقطع مدد الشغف وحب العلم عنّي وزدني علمًا.

ربما تكون هذه التدوينة الأخيرة باسم "مذكرات خرّيجة" لأنني ودعت الجامعة وتخرجت. اللهم تيسيرًا وفتحًا في قادم الأيام. اللهم حُسن الأثر وطيبه، يا رب، لا تجعل لي أثرًا في قلوب كل من عرفت في الجامعة إلا طيبًا. 

الثلاثاء، 6 أكتوبر 2020

روح دافئة.

كانت هذه المرة الأولى التي أمسك فيها بيدها فأجدها باردة، بل متجمدة، هي التي تتدثر وتتزمل في حر الصيف دون مكيف الهواء، وهي التي تتدرع في الشتاء لئلا يمسها برده، هي التي تبرد من كل نسمة، وهي الدافئة التي ضمت أكثر من مائة ابنة وحفيد وابن حفيد وحفيد حفيد، هي التي عاشت حياة طويلة آمنة في كنف ذرية ممتدة تتسابق لرضاها وخدمتها، هي التي ما ضنّت بدفئها لا عن قريب ولا بعيد لمائة عام، اليوم باردة رغم أن ماء الاغتسال حرصوا أكيدًا أن يكون دافئًا وزيد إليه ماء ساخن مرارًا. هي باردة اليوم، لأن روحها الدافئة غادرت.

 أمي التي دخلت خمس دورات لتعليم غسل الأموات وعادت وكررت لتنفذ وصية أمها ألا يغسلها غيرها، وقفت أمام رهبة الموت لا تذكر شيئًا. لم يفد التكرار ولا التعليم ولا التجربة ولا الوصايا. تلك اللحظة التي ترى فيها جزءًا من روحها مسجىً مغلفًا بكيس المستشفى الأبيض، لم تكن لحظة وعي ولا لحظة انتباه، كان شيئًا من أضغاث أحلام ممتزج بخيال وذهول. لم تعقل أمي شيئًا، فؤادها هواء. كانت الأقوى التي جمعت عتادها لتبدأ، أمي البارة خارقة القوى دون خالاتي اللاتي لا تحملهن أجسادهن وقوفًا، بعد أن تأكدت أن كل شيء جاهز، انهارت بكاءً. تربيتة على ظهرها بيدي وهمس: "كوني قوية كما أرادتك أمك، أنتِ أقوى من كل شيء يا أمي". كنت أقولها -مرتجفة- إيمانًا بالقوية التي ربتني على القوة التي ورثتها من أمها وما انهارت يومًا في الشدائد. بدأنا. كنت أُملي على أمي ما يجب عليها فعله وسط صمت رهيب. كانت رائحة السدر والكافور تشرح ألف درس بينما كل الحضور مهطعون. أنا سأضع القطن بين أصابع يدها، لا أعرف أكنت أضعه لأساعد في تجهيزها أم كانت حيلة لأمسك بيدها وأشد عليها، لأدخل أصابعي بين أصابعها للمرة الأخيرة، لأختلس تقبيل يدها دون التفات أحد. أنا سأساعد في قطن الوجه كذلك لأتأمل جمالها للحظات أخيرة. أنا سأغطي جرح رقبتها النازف من أنابيب المستشفى. أنا التي لا يقوى قلبي على برودة جسدها ولا على شحوب وجهها، سأكفنها. أنا التي لفتني هي في قماطي يومًا، ولففتها في كفنها بعد أعوام.

هل كانت جدتي شديدة الحرص على أملاكها، تلك التي كانت تقضي وقتًا طويلًا في مطبخها وقت الصباح للإفطار، كانت تفطر ثم تجلس لتنفس الصباح وتأمل الحياة، ثم تعيد المشهد نفسه في المساء للعشاء، هل كانت تتصور أن مطبخها الأثير عندها سيكون مغسلتها وهي ميتة؟ بينما كانت مسجاة في وسطه مغطاة، كنت أراها أمامي وأنا أجلس إليها لنفطر معًا، وكنت أراني حين ألهو في الصالة المفتوح عليها المطبخ فتناديني لأمسك بيدها لتمشي إلى الصالة لترانا ونحن نلعب أو نشاهد التلفاز. كنت أرى تكتلنا نحن وأبناء خالاتي وشموعنا حولها في المطبخ ذاته يوم أصابنا إعصار فانقطعت الكهرباء وكثير من السبل. كنت أراني جالسة على الطاولة آكل وأحذر أن تأتي فتزجرني بقولها: "ألا توجد كراسٍ في المطبخ؟!". كنت أمر عند غرفتها فأسمع صوت تلاوتها الذي أستيقظ عليه حين أبيت عندها، وهي تحرص على قراءة السور العشر المنجيات دون أن يقاطعها أحد. كنت أرى حياة دافئة تمر سريعًا، وأرى أحَبَّ الأشياء إليها متروكة خلفها، وأرانا وراءها واجمين. حتى بعد الدفن بأيام، لم يقع بصري على المطبخ الذي تجمع فيه الناس لإعداد طعام العزاء إلا وأنا أرى فيه جدتي المسجاة في وسطه. وأراني أغسّلها المرة تلو المرة، وأكفنها ألف مرة.

هذا الإنسان الضعيف الذي هو خصيم مبين، هو الذي تتسع أملاكه -وهو يتصور أنه يملكها ملكية تامة- ويشد أزره بنوه الممتدون الذين لا يدعونه يشير إلى شيء إلا أحضروه له جنودًا مسخرين، ثم ما إن يموت؛ يفقد كل شيء قيمته. سرير جدتي الطبي الفاخر متروك خلفها، لتُغَسَّل على سرير خشبي رخيص وتلف بحصير ثم تتوسد التراب بلا وسائد ولا متكأ. ثلاجتها الصغيرة التي كانت لا ترضى عن من يفتحها أو يضع شيئًا فيها، هي اليوم ملكية عامة تُفتَح عشرات المرات في اليوم دون أن يستنكر أحد. مصابيح الصالة التي كانت تزجر من يشعل المصباحين معًا منا بقولها: "هل عندكم حفلة؟!" كانت كلها مشعلة ولا معترض. هذا هو الإنسان الضعيف الذي لا يملك شيئًا وقد يفقد فجأة كل شيء يخصه فقدًا أبديًا لا اختيار له فيه ولا رغبة، فيتركه كله إلى اللحد، ويستمتع بكل شيء أهله وصحبه. هذا هو أنا وأنت.

نجتمع بعد طول فراق بسبب الوباء في بيت جدتي روح العائلة، هنا خالاتي كلهن وبناتهن وحفيداتهن، في تجمع دافئ لا يحصل إلا في العيد -ولم يحصل لعيدين ماضيين-. كل شيء منير، نتغدى ونتعشى متقابلين. يختلط الفقد والحزن والبكاء بالفرح. في الأفراح والأتراح، تجتمع العائلة على الطعام، يطوف بعضهم بالماء، التمر والرطب وبعض الحلوى على الطاولة، أضواء الصالة جميعًا منيرة، تنتظر دورك للوضوء صفًا طويلًا الأكبر فالأصغر، وأكون الأخيرة كالعادة. لم يكن هذا إلا جو عيد نلتم فيه حول جدتي. الأجواء نفسها غير أنّا اجتمعنا ثلاثًا متتالية لا يومًا واحدًا. ولكن أين جدتي؟ وأين العيد؟ كلما همّت إحدى بنات خالاتي بالمغادرة، أقول في داخلي: كيف تودعين الجميع وترحلين دون أن تلجي إلى غرفة جدتي لتوديعها؟ ثم أستدرك في داخلي: "لا جدة نودعها. اذهبي حيث شئتِ". كيف تتشابه طقوس الفرح والترح إلى هذا الحد؟

 ما كنتُ امرأة ناضجة قوية لا تسكت عن الحق مهما كلفها إلا إرثًا عن أمي عن جدتي. جدتي التي كنت أفغر فاهي دهشةً بحكايات صباها، وكنت أتحيّن أن أكبر لأسمعها تحكي وأكتبها في رواية تستحق أن تصل الآفاق، كبرتُ ولم ألحق على كتابة شيء، ماتت جدتي بعد 12 يومًا من تخرجي. جدتي التي كانت ترى بأم عينيها المجازر حولها والنساء تغتصب في عقور دورهن، مكثت في بيتها دون زوجها المهدد بالقتل هي وأمها طريحة الفراش وابنتاها الصغيرتان، وحينما دخل عليها جند مسلحون البيت محذرين إياها أن تخرج حالًا، قالت في وجوههم: لن أخرج وأمي طريحة الفراش لأقتلها بيدي، فإن ماتت خرجت -هي وابنتاها الصغيرتان-. فلبثت في دارها زمنًا إلى أن ماتت أمها فخرجت. جدتي التي لم تخشَ سلاحًا ولا قتلًا ولا اغتصابًا في سبيل حياتهن الكريمة، علمتني القوة والكرامة. 

كان مُناي في سنتيّ الأخيرتين أن أنجب طفلًا، لا لشوقي إلى الطفل نفسه بل لتتذكرني جدتي. كانت حين أزورها، تتذكر أختي وتسأل عن ابنتها، وتتذكر الثانية وتسأل عن ابنها دائمًا، أما أنا، فأغيب عن الذاكرة مرارًا دون أن تجدي تذكيراتي وتذكيرات أمي لها. اليوم أتأمل أدفأ الصور التي التقطتُها لفرحتها بأحفاد أمي دون أن يكون لي ولد بينهم، وماتت جدتي دون أن يراها ولدي، وماتت وأنا منسيّة.

أقبل الشتاء دون جدتي هذه المرة، لن يرتدي جواربها الصوفية أحد، ربما ارتاحت من برده الذي تحسه زمهريرا. كأنما حيزت لي الدنيا وأنا أحتضن قطعًا من ثياب جدتي بعد أربعين يومًا من وفاتها. أقلب صورها آبى التصديق، وأرجو اللقاء غدًا حيث لن تنساني. ماتت جدتي وهي في قلبي لا تموت، أرجو أن أكون ذريتها الطيبة الصالحة وولدها الصالح يدعو لها.

اللهم أحسن إليها كما أحسنت إلينا وربتنا صغارًا.


جدتي العظيمة زيانة بنت عبد الله بن سليمان الحارثية، 1920-2020 م.

الثلاثاء، 11 أغسطس 2020

مذكرات خرّيجة 11.

 مرّ أمد بعيد لم أكتب فيه، ربما لأنني قررت التوقف عن مشاركة بؤسي الدراسي مع العالم ولو مؤقتًا، ويبدو أنني لا أتوب ولو أقلعت زمنًا. مرّت أحداث كثيرة منذ التدوينة الأخيرة، أهمها أنني سلمت مشروع تخرجي ويقال معه أنني تخرجت، كانت فرحة الإنجاز عارمة، ومؤقتة جدًا، عدنا بعدها إلى موجات التعب والإرهاق والحالات التي تشبه الاكتئاب أو تكون على شفا حفرة منه. رغم لحظات البهجة المتخللة، لم أكف عن كآبتي وأنا أعلم أن الإنسان خلق في كبد وأنه خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا، أصحب القرآن لئلا أجزع ولا أمنع ولأكون إنسانًا أحسن يقاوم كآبات الحياة بنور القرآن، كثيرًا ما ينتشلني القرآن، وكثيرًا ما أغرق وأتشبث به. المهم هو أنني أحاول أن أكون إنسانًا خيّرًا. تركت الآن الخوارزمية والبرنامج الذي أبرمجه منذ الثانية عشر ظهرًا -وأنا أنوي أن أنهيه مبكرًا لأنصرف إلى أعمالي- إلى الآن دون نتيجة واضحة سوى التخبطات ومحاولات الاستيعاب والتشبث، تركتها لأدوّن هذه التدوينة التي ربما لا يقرؤها أحد.

سلمت رفيقة دربي مشروع تخرجها فكان سَعدي، كان شعورها استثنائيًا، ظننت أنني لا أمتلك المشاعر الجارفة التي تحملها هي وأنني لن أتأثر كثيرًا لحظة تسليم مشروع تخرجي حتى سلمته. أيام العمل المتواصل الذي لم يعد للعيد طعم معه ولّت بعد طول كفاح، الليلة التي خارت فيها كل قواي لكنني كنت أكمل بقوة لأنهي عرض مشروع تخرجي "المسجل" وأخطائي التي تجعلني أعيده مرات كثيرة، ولحظات التسليم التي أكتشف فيها أنني فقدت المقطع الذي سجلته كاملًا ولا أجد له أثرًا لأضطر إلى إعادة التسجيل فأجد المقطع الثاني لم ينحفظ كذلك ووقت التسليم ينتهي الآن، أركض لأكتشف أن الله اللطيف الحفيظ حفظ لي المقطع الأول الذي تأكدت مرارًا أن لا وجود له، أسلمه وأنا لا أدري ما حاله، ولكنني أريد تسليمه فحسب. تسليم تقرير مشروع التخرج الذي عكفت عليه عمرًا كان محفوفًا بحب الأصدقاء الذين قرأوه وراجعوه وعلقوا عليه، كان تسليمًا هادئًا بلا ضجيج، من حاسوبي إلى بريد الدكتور مايكل مباشرة، دون احتفال ولا زفٍّ ولا بهجة. مقابلة مشروع التخرج التي كانت كابوسًا بعدما اكتشفت أن أسوأ معلم علمني في الجامعة سيقيمني، وتقييمه كابوس لكل طلبة القسم. لم يكن أحد قربي هذه المرة ليربت على كتفي، كنت أنهار وحدي، لكن رسائل الأصحاب ودعواتهم ما كانت تذرني وحدي. كانت ثقة مشرفة مشروعي بي كافية لأتخطى كل شيء بقوة. تخطيت كل شيء، مضى، وهأنذي أتخرج!

كانت مدة الاختبارات كبتًا وضيقًا كعادتها، وكانت كبتًا وضيقًا مضاعفًا دون مذاكرة المكتبة والصحبة الذين يكفي إبصارك أعينهم حتى تكون بخير، عوضًا عن قربهم وضحكاتهم ولمساتهم التي غدا انعدامها كابوسًا لانهائيًا. تلك الحياة التي تصر فيها على الإكمال بقوة، ولا أحد يعلم سواك أن القوة التي تكمل بها مُدّعاة. قرب الصحب -ولو بعدوا- عافية، حتى صديقاتي (اللاتي أسميهن أهلي وخاصتي) اللاتي أنهين اختباراتهن قبلي بأيام لم يتركنني وحدي، ينهي الناس اختباراتهم يومًا بعد يوم، وأبقى أنا، ودفعتي التي تدرس معي المادة نفسها؛ علم المناعة: المادة الأثقل الأحب الأعنف الألطف، وأنا السنور الذي يحب خانقه. مجال التسبيح والتعظيم فيه واسع وأنت تبصر في نفسك وفي الحفظة الذين يرسلهم الله عليك وأنت لا تدري، الكتاب الذي لم أود مفارقته حتى كتبت فيه رسالة لمن سيأخذه بعدي: (مجال واسع للتسبيح ولتذكر نعم الله، استمتع). 

مرّ الفصل الأثقل في الحياة، ألتفت حولي فإذا بأغلب الدفعة والرفقة قد تخرجوا، وبقيت أنا في وسط ساحة المعركة بلا أسلحة، وأنا أعلم أنني في هدنة مدتها أسبوعان فقط، أسبوعان لا يكفيان لترميم كل ما أفسده الدهر في هذا الفصل، أسبوعان لا أعرف ما أفعل فيهما وما أترك، كان التخفيف أنها مادة واحدة فقط ستمر سريعًا ولن تثير نقعًا، نزل الجدول فاكتشفت أنها محاضرات يومية في تمام الثامنة صباحًا، من هنا بدأ الضبح الذي لم ينتهِ حتى اللحظة وهو قد بدأ منذ سبعة أشهر، منذ كانت حياتي في لِهاث غير منقطع، منذ وجدتني لا أعطي أي شيء حقه التام، لا نفسي ولا أمي ولا أهلي ولا صحبي ولا دراستي ولا شيء، أركض فحسب. وسط هذا الركض كله، كان لا بد من ثبات لا أجده إلا في القرآن وصحبة القرآن وبرامج القرآن التي ألزمت نفسي بها لئلا أجد نفسي لاهثة دون شيء أمسكه في يدي من هذا كله. لم تكفِني في هذه المرحلة شهادة البكالوريوس، ثم ماذا؟ كان لا بدّ من رسوخ، فكانت جلسات الإقراء وجلسات التسميع مع بناتي حرزًا لي، وكانت مسؤولياتي في مشروع الإجازة القرآنية ومشروع الإجازة بالسند والتزاماتي القرآنية هي الثبات والأمان والسلام، كانت ملجئي ومغاراتي ومدخّلي الذي أولي إليه وأنا أجمح.

بقيت هنا، في الفصل الأخير، الفصل الصيفي الذي لم يُعطَ إلا للخريجين، أعيش الوحدة والعناء في كل معانيها، فلا أعيش مع صحبي الذين يدرسون كلٌُ في بيته مع أهله وحياته الخاصة، ولا أدرك أين أنا. أدرس البرمجة التي كلما قاومت فكرة غبائي فيها وأقنعت نفسي بكل اجتهاداتي وأوهامي أنني ذكية، عدت إلى نقطة الصفر دون شيء. أنا التائهة رغم اجتهاد معلمتي في توصيل المعلومة وحثّها إيانا على طرح الأسئلة والتفاعل، أنا التي أطرح سؤالًا قبل شهر فتجيب عليه بكل ود بدقة، فأهز رأسي وفي عينيّ حروب وهي لا ترى عينيّ ولا حيرتي ولا تخبطي ولا تضاربي -كما يراها معلميّ في العادة فيبددونها-، فتقول: واضح؟ فأصمت لئلا تُكتَب عليّ كذبة، أملًا في طالب غيري يجاوبها. تناديني: مزنة، واضح؟ أفتح ناقل الصوت، أقول: كلامك واضح. وهي لا تعرف أنني أمر إلى اليوم على المحاضرة وأنا أُكثِر مذاكرتها لأفهم وأقتنع فلا أفهم ولا أقتنع، بل أكبت تساؤلاتي لأسير على النهج الذي حدد لنا. أنا السؤولة التي يضيق مَن يدرس معها لكثرة أسئلتي التي أعتذر للمعلم قبل طرحها بقولي: "ربما يكون سؤالًا غبيًا، لكنني سأطرحه". فيقول بشغف أحيانًا وبضجر أحيانًا: "مزنة مجددًا؟ تفضلي!"، ثم حين أغيب عن محاضرة يبحث عني لأن لا أحد يسأل. أنا التي كلما حاولت أن ترسم حياة مفعمة مشرقة بالأمل والتفاؤل والعهد الوردي الذي أفهم فيه كل أسس البرمجة، أفتح عينيّ فأجدني في مستنقع ضحل. أنا التي تذاكر كثيرًا ولا تفهم إلا قليلًا أو تحسب أنها تفهم كل شيء ثم حين يأتي آن التطبيق تجد نفسها لا تعرف شيئًا وتتخبط أكثر مما تذاكر بمراحل. أنا التي لا تطيق الوحدة، فتارة ألحّ على صديقات التخصص لمذاكرة جماعية، وتارة أتشبث بصديقتي الأقرب التي لا تشاركني تخصصي ولا أيا من موادي لترافقني في مصابرة النفس في المكتبة مع بقية الرفقة، وتارة أجلس في السكن إلى وقت متأخر من الليل لئلا يتسلل اليأس ولا التعب إلى نفسي، ثم يبدأ مشهد الخروج المتأخر من السكن الداخلي ومساءلات أمن السكن والقصة الطويلة التي تهون في نفسي مقابل ألا أواجه كل شيء وحدي. أنا هنا الآن بينما كلٌّ في إجازته الصيفية، وقليل في فصلهم الصيفي يعانون وحدهم، أقاسي كل شيء وحدي.

بقيت هنا في هذا الفصل أراقب الحياة تجري من حولي وأنا محتجزة في شباك صياد، لا أستطيع حضور حلقات التلاوة ولا دورة متشابهات القرآن التي كلما أعطتنا المعلمة استراحة أو تأخرت لدقيقتين ركضت إليها لأسمع كلمتين من الشيخ (تبرّكًا) ثم أعود دون أن أمسك شيئًا في يدي لا من هنا ولا من هناك. أعيش حياة النقائض وأنا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، بل عالقة في المنتصف دون أن أدري إلى أي صوب أميل هذه المرة. "سيمر هذا الوقت مهما اشتد باس".

لم يرَني أحد وأنا أتسلل بسيارتي يوم العيد لأتجول بين حنايا الجامعة، لم يعرف أحد التماع عينيّ حينها، ولا الزوايا التي أودّ لو أقبلها واحدة واحدة وأنا أتذكر فيها حلو الأيام ومرّها، وأنا لا أراها زوايا بل أرى فيها أصحابي. لم يعلم أحد إلا الله حنيني واكتمال عيدي بهم وأنا أراهم في كل مكان. لم يعلم أحد عن أزيز صدري الهادئ الذي لو ضجّ لخرق الأصمخة.

هذا الفصل الأخير، هو الفصل الأقسى، لا لأنه الأخير الكئيب في حياة كل خرّيج، ولا لأن مادته -الوحيدة- قاسية، بل لأنني فيه مُبعَدة عن إنسان أقابله أمامي فأطرح له كل ما يدور في رأسي من أسئلة "غبية" أخرجها من رأسي ليجيبني فأصير ذكية. هذا الفصل الذي توقظني فيه لمحاضرات الثامنة نور التي تدرك صعوبة استيقاظي صباحًا، وتتأكد من نهوضي آلاء، وتمسح عل قلبي في كل حين ماريا، وتجيب عن تساؤلاتي اللانهائية وتواجه غبائي وتشرح لي شهلاء، وأشتكي أو حتى أنهار عند ميثاق، فتطبطب عليّ بحلو كلامها وتجاربها وتكرر عليّ أنها متأكدة أنها ستراني قوية في حفل التخرج لتكون الأكثر فخرًا بي بينهم جميعًا. الرفقة البعيدة القريبة، الذين أقاوم بؤس الحياة بهم. رغم كل شيء، لا شيء يساوي أن أقتحم غرفة نور وهي نائمة أو أن تترك لي مفتاح غرفتها إن كانت في محاضرة وأن أرسل لماريا أن إياكِ أن تعودي إلى البيت دون أن أراك وأن نقيم حلقة تلاوة فجائية مع الصحب فيذهب الله عنا بها كل الحَزَن، لا شيء يساوي أن ألمس أحدًا أحبه، وأن أرى عينيه دون حواجز. لا شيء يساوي أن أتجه إلى المختبر 18 أو مختبرات الإحصاء وأنا أوقن أنني سأجد أحدًا يشرح لي، أو أن أتجه إلى بيتنا في استراحة التربية وأنا جازمة أنني سأخرج من قاع إحباطي إلى قمة نعيمي. لا شيء يساوي أن أطلب من أحد أن يجيب عن أسئلتي دون أن أخشى أن أفسد عليه إجازته أو أكدر عليه جلسته مع أهله أو آخذ من وقته كثيرًا وهو ليس متفرغًا لي. لا يستوي القرب والبعد، ولا الأمان ولا القلق، ولا تستوي الرفقة الطيبة القريبة والمنفى الذي لا أقابل فيه إلا صديقًا واحدًا قريبًا يحيل وهني إلى عزم على المواجهة بقوة؛ أقابله -على وجل-.

في وسط سأمي في مذاكرة المكتبة ذات يوم قبل فصلين، كتبت لي ماريا ورقة تقول فيها: "لن يتركك الله وحدك في الطريق الصعب، سيسخر الدنيا ومن فيها لك. إن هي إلا أيام، من لم يذُق مُرّها لن يدرك حلاوةَ ما بعدها". لم تدرك هي آنذاك أن هذه الورقة ستكون زادي الأساسي في أيامي الصعبة كهذه. "وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ" زادي الأبدي، وأقول مهما تعسّرت: "سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا". بقي أسبوعان على نهاية هذه الحرب، أبذل فيهما كل ما لم أبذل من قبل حتى أنتصر ولو كانت خائرة قواي. يا عليم يا حكيم يا صبور، آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدًا.

الخميس، 6 أغسطس 2020

مكلوم.

من أكثر المشاهد رسوخًا في ذاكرتي، وأكثر الأصوات رسوخًا في سمعي، أغنية "موطني" حين نغنيها حشودًا من كل الدول العربية بصوت واحد، أطفال وراشدون، من الدول المنعّمة وتلك المنكوبة التي حاربت لأيام على الحدود لتصل إلى هذا الحفل الذي وصلت إليه مرتاحة مرفهة، نغني ونقول "هل أراك سالمًا منعمًا وغانمًا مكرمًا؟". كنا نقولها والدول المنكوبة أقلّ، فعلتها معهم لخمس سنين متتالية، كانت الدول المنكوبة في السنين الخمس المتتالية تزيد، والدول الحاضرة أيضًا تزيد، لأن الشعوب العربية شعوب تلفظ الذل وترفضه، وتحيا هي وتشق حياتها الكريمة ولو انعدمت أسباب الكرامة. 

أنا لست محللًا سياسيًا، ولا أعرف في الاقتصاد ولست جيدة في تخمين ما قد يحدث لشعب ما بعد عشر سنين، لكن كان لديّ حلم أن أدرس الطب في سوريا لأنها تدرسه بالعربية، وانهار حلمي حين انهارت سوريا. كنت أحلم أن أزور بلاد الشام وأشم فيها رائحة فلسطين وأكحل عيني بجمال العمارة والطبيعة وأذوق من طيب ثمارها، انهارت كل احتمالات أحلامي، حتى احتمال أن أطل على فلسطين ولو من بعيد. أنا لي ذكريات في مصر التي لم نعد نشعر بالأمان لزيارتها كل بضع سنين، والعراق التي ظننتها تتعافى وتنهض ما تعافت ولا نهضت، واليمن السعيد الذي لم يعد سعيدًا وأنا أحلم بزيارته، وأحلامي العربية تتهاوى واحدًا تلو الآخر.


"أنا العربى لا أخجل
ولدت بتونس الخضراء من أصل عماني
وعمرى زاد عن ألف وأمي لم تزل تحبل
أنا العربى فى بغداد لي نخل
وفى السودان شرياني
أنا مصري موريتانيا وجيبوتي وعمّاني
مسيحي وسني وشيعي و كردي ودرزي وعلوي
أنا لا أحفظ الأسماء والحكام إذ ترحل"

يبدو العالم رماديًا موحشًا جدًا حين أراه بعين واحدة، أو حتى بأقوى منظار معروف (ماديّ)، حين أراه ببُعد واحد وأنا أحتاج إلى أبعاد لأرى الصورة كاملة. كل هذا الدمار، الوباء المكتسح، الفقر والجوع، ألا مِن قوة عليا تنزع هذا الأسى؟ بلى، القوة العليا ترعى كل شيء، الله يسمع ويرى، والإنسان يظلم ويطغى، ﴿قُل مَن يُنَجّيكُم مِن ظُلُماتِ البَرِّ وَالبَحرِ تَدعونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفيَةً لَئِن أَنجانا مِن هذِهِ لَنَكونَنَّ مِنَ الشّاكِرينَ ۝ قُلِ اللَّهُ يُنَجّيكُم مِنها وَمِن كُلِّ كَربٍ ثُمَّ أَنتُم تُشرِكونَ ۝ قُل هُوَ القادِرُ عَلى أَن يَبعَثَ عَلَيكُم عَذابًا مِن فَوقِكُم أَو مِن تَحتِ أَرجُلِكُم أَو يَلبِسَكُم شِيَعًا وَيُذيقَ بَعضَكُم بَأسَ بَعضٍ انظُر كَيفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهُم يَفقَهونَ﴾. قادر وحليم، ولو أكل الناس بعضهم بعضًا.

يقول لنا دائمًا أن لا مكان للظلم بيننا، وأن السلام هو الحياة، ثم حين يأكل الإنسان حق الإنسان، يظل الله ينبئنا مرارًا عمن طغوا وعمن طُغي عليهم واسودّت الدنيا في أعينهم وهم يشتكون ﴿قالوا أوذينا مِن قَبلِ أَن تَأتِيَنا وَمِن بَعدِ ما جِئتَنا قالَ عَسى رَبُّكُم أَن يُهلِكَ عَدُوَّكُم وَيَستَخلِفَكُم فِي الأَرضِ فَيَنظُرَ كَيفَ تَعمَلونَ﴾. سيستخلفكم وسينظر كيف تعملون، ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَومِ الَّذينَ ظَلَموا وَالحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمينَ﴾. جاءت النهاية السعيدة بعد بلاء طويل ممتد مميت، هل أرى الضوء -على خراب العالم- في نهاية النفق بعمق نظرتي الغيبية؟ هل تلمّست نفسي وأحوالنا وأنا أردد قصص الأقوام السابقة المكررة مرارًا؟ أم أرى الأشلاء والدماء والدخان والدمار والجوع فقط وأنهار كلما انهار وطن؟

قلبي العربي مكلوم وموجوع، ضياع الأوطان ضياعي، والجهات تضيق عليّ ولو اتسع لي وطني. يا رب أوطانًا حرة صالحة، يا رب عربًا مسلمين أقوياء أعزاء، يا رب تعبنا، أغثنا، استعملنا ولا تستبدلنا. 

الاثنين، 29 يونيو 2020

ختمة في القلب 2.

لم أحسب أن هذا العنوان سيكون له جزء ثانٍ، كتبت عن مسيرة الإقراء وعن بناتي والدورات والمشروع القرآني كثيرًا، لكن هذه تدوينة منفردة ليس لها جزء ثانٍ حتمًا. اليوم، أضع جزءًا ثانيًا لها وأنا متأكدة أكثر من أي وقت مضى منه، مضت ختمات عليّ، ختمة بثينة، ختمة آلاء، ختمة مروة، ختمة أسماء، ختمة إيمان، ختمات وضعن أثرًا عميقًا فيّ لكن لم يكنّ كهذه الختمة المحفورة في القلب أبدًا. لكل شيء طعم متفرد، لكنّ طعم هذه استثنائي، يشبه طعم ختمتي، بل ألذ.  

حين أصبح فؤادي فارغًا وحاصرني الهمّ من كل جهاتي، اصطفى لي الله لطفًا استثنائيًا ينتشلني من هذا كله، اصطفى لي الرحمة التي ما ظننت أن خمسة أجزاء معها ستحدث فرقًا عظيمًا، هذه البنت الوديعة الهادئة التي ربما لن أحسن التعامل معها ستقرأ معي خمسة أجزاء وينتهي كل شيء. كنت أدعو الله كل حين أن أكون محسنة، وأن يهبني الحكمة لئلا أخدش قلبًا رقيقًا متحفظًا (مغلقًا على نفسه كما يتراءى لي) كالذي تحمله. قرأته على مُكث، وحان يوم ختمها الذي أجّلته لئلا تواجه الحقيقة المصيرية، ولئلا تجد نفسها وحيدة أمام هذا الثقل كله؛ ثقل الإجازة والإقراء. ختمت ختمة سجدت فيها سجدة لم أسجد مثلها أبدًا لا يوم ختمي ولا يوم ختم أي أحد من بناتي وصديقاتي قبلها، كنت أرتجف بكل ما فيّ وأنا أستشعر لطف الله عليّ، وعلمني ما لم أعلم، وكان فضل الله عليّ عظيما، وهبني فوق ما أستحق ولم يتركني في أي لحظة وأحاطني برفقة وأخوات وبنات لا يتركنني للضعف ولا للحيرة، بل حصن حصين وسد منيع وشد عضد. قلت لها تلك الأيام أنني لن أتركها وحدها حتى تجاز بقوة وأراها بعيني قادرة على المشي بثقة وأنا أسندها من ورائها إن احتاجت أي سند، لكنّ هذا لم يكفِ رحمة. 

يغلفني الله برحمته، تلك الرحمة التي أرقبها من بعيد بفخر وهي تمضي في طريق الحفظ للإجازة بالسند، وأظن أنني سأظل أراقبها من بعيد. تصرُّ عليّ رحمة أختًا فيه، ييسر الله ويسمع إلحاحها على بابه، فيكون أعظم فتح لي، وأجمل قدر يحفني به الله مفاجأةً وإكرامًا. أنا الآن مُتابعتها في الحفظ للإجازة بالسند، وهي الأخت التي تأبى إلا أن تكون لي كما أنا لها، آخذةً بيدي لألحق بها دون أن تتوانى عن إعلاء همتي وشد أزري وعزيمتي باللين تارة وبالحزم تارة. هذه الرحمة التي حفّتني منذ عرفتها إلى هذا اليوم، وإلى أبد غير منقطع.



علم الله انكساري في عرفة يوم حجي وأنا أقول له أنني أحاول أن أمشي في درب حفظ كتابه لكنني ضعيفة مشتتة متعثرة لا ألبث في مشيي خطوتين حتى أتعثر، كنت أرجوه أنني أريد لكنني لا أعرف كيف أتقن وقواي تنفرط من بين يديّ من قبل أن أمسكها. لم أرجع من حجي حتى يبعث الله لي السبل تترا وكل سبيل يزيد عزمي وثباتي، وآخرها وأرسخها: رحمة. هذه التي كلما ألقيت معاذيري وشكوت ضعفي أو تعللت بظروفي لم تكن عليّ الشديد الذي يكسرني، ولا الهيّن الذي يتركني وحفظي نتسرب بين يديه كرمل صحراوي، بل هي الهيّن الذي يرحم، والشديد الذي يقسو لئلا أنكبّ على وجهي من تقصيري، هي الذي يأخذ بيدي حرصًا وحبًا ولو كان الحزم قناعه، ولكنّما الرحمة هي الرحمة مهما تستّرت!

كانت هذه الختمة منفردة، قلت لها مرارًا أن هذا الدرب لن تمشي فيه وحدها ولن أتركها فيه، وأنا على يقين أنها لن تتركني. كنت أستمد منها القوة وأنا أحفظ الآيات بصوتها، وأراها تمشي بقوة دون ميل، وتردد عليّ ما أخطئ فيه وتربط لي إياه فلا ينفلت أبدًا، وآخذ بيدها مرة وتأخذ بيدي مرات. أستمد منها الثبات، وتسبقني بمراحل وأنا العثّارة التي تعيد السرد أربع مرات وأكثر حتى تتقنه، كنت قوتها وكانت قوتي. كانت هذه المرة الأولى التي أرافق فيها أحدًا يسبقني دون أن أشعر بالنقص ولا القصور ولا الدونية، بل أشعر بالقوة كل القوة، نصرها نصري، وإتقاني ولو بتؤدة بفضل الله ثم بقوتها. وإتقانها هو كل قوتي وعزمي وسروري وانتصاري. مرت 4 أشهر سريعات، فجأة، حانت النهاية!


7- ذي القعدة - 1441
28- يونيو- 2020

لم تتوانَ رحمة عن تلقيني دروسًا لم تشرحها قط، بل تمثلتها. في ختمة اليوم، منّ الله عليّ بلطفه بقربها بعد أشهر من التسميع عن بُعد، كانت قوية وراسخة ومطمئنة، لم يكن صوتها يرتجف ولم تكن تلحن كما لحنت في الختمة الماضية من شدة وطء مشاعرها. كنت مطمئنة لأن السكينة تغشاها. هذه القوية التي تدرك حجم ما تحمله لكنها تملك القوة الكافية بمدد الله لئلا تضعف أمامه. في سجدة اليوم، لم أدرِ ما أقول، "يا رب رحمة. يا مثبت الجبال الرواسي، اللهم اجعلها خير حاملة له، اللهم تقبلنا واجعلها حجة لنا، اللهم ارحمنا بالقرآن، اللهم اجعلها ممن يرقى به، اللهم رفعتها به في الدارين، آمين وإياي ورفقتي ومن أحب، اللهم بلغنا..." وكثير مما لا يصاغ بكلام. كان كل الرجاء أن نكون ممن يرقون به ولا يشقون. 

لم أقل لها من قبل: "خذني ولا تترك يديّ إذا ارتقيت"، لكنها كانت تفعل دائمًا. ما كانت لترتقي وحدها دون أن يقودها حماسها لشدّ عزمي ويدي لألحقها. كانت مسيرة محفوفة بالدعاء وبغبطة رفيقاتي وبناتي. قبل خمسة أشهر من الآن، كنت أدعو لرحمة أن تكون قوية توصل الرسالة بقوة، لم أكن أدري أنني أول من سيستقي من رسالتها أكثر حتى من ابنتها التي تقرئها والتي كانت أول قصدي بدعائي ذاك. ابتهج قلبي مرةً بها متقنة حينذاك، واليوم يبتهج أضعاف البهجة بالابنة والأخت والرفيقة (المتقنة غيبًا)، هذا الاسم الذي كان بعيد المنال وأصبحت ألمسه بكفيّ كل يوم مع رحمة.

كانت هذه المرة الأرسخ، أن تحمله في صدرك وتستنير بثلاثين نورًا، بل بنور لانهائي ولامحدود. أن تحمله وأنت مشفق منه لكنك تحمله لأن الله اصطفاك له، وأن تشابه مراجعة الجزءين عند أحدهم مراجعتك عشرين جزءًا في يوم واحد دون مشقة، أن تصل إلى هذه النهاية فرِحًا ولكن مثقل، وما ثقلك إلا ينبوع سعي لا ينضب. ختمة رحمة، ختمة في القلب أرسخ.

لكل من أراد الدرب وصدق النية والعزم، يسخر الله لك -إن صدقت- التيسير والرفقة والدرب، فلا تعدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا!