السبت، 30 مايو 2020

مذكرات خرّيجة 10.

24 رمضان 1441 هـ

بالأمس حين كلمتُ أختيّ مكالمةً مرئية ورأيت صغيريهما بعد أكثر من شهر انقطاع، في وسط المكالمة وهما تتحدثان عن حياتيهما وعن هموم المطبخ والأطفال، كنت أتأمل وجهي فوجدته متوردًا، أجمل بكثير مما أراه كل يوم في المرآة، كان مشرقًا رغم الهالات السوداء ورغم الحبّ (حقل الألغام كما أسميه) الذي يغزوه. كنت أستمع إلى أحاديثهما وأضحك وأعلق تعليقًا عابرًا هنا وهناك، ثم قالتا: يكفينا. هيا مزنة، إنه دورك لتفضفضي عن هموم حياتك، تفضلي! قلت: اممم، لا أظنني أريد الفضفضة عن شيء، ربما لو بدأت الحديث عن هموم الجامعة سأبكي، أترك المجال لكما لأستمع إلى من أكبر همومه مطبخ وأطفال. ضحكنا معًا. كنت أترك المجال لدمي للانسياب إلى عروقي بحيوية وخفة، ولروحي أن ترد إلى محلها. كان العصفور الذي يسكن داخلي ينتفض انتعاشًا بعد بلل خفيف. من كان يظن أن يومًا ما سيأتي أتلهف فيه إلى سوالف أختيّ التي تطول لساعات دون أن يشعر أحد بالوقت؟ من قال أنني سأترك مذاكرتي وأعمالي المتراكمة لأستمع إليها وأنا التي كنت أحاول إيقافها بالطلب اللطيف تارة وبالصراخ تارة حتى أستطيع المذاكرة ومواصلة أعمالي بهدوء؟ من كان يظن أنني سأفقد جزءًا من نفسي حين أفقد قرب أختيّ وأمي؟

مرّ الأسبوع الانتحاريّ كأنه قطيع أثار نقعًا، وبعد جلاء النقع وُجِد كائن حي موطوء عليه يئن، كان ذاك أنا. سبعة اختبارات في أسبوع، كان من المفترض أن تكون تسعة لكن برحمة من معلمينا صارت سبعة. لم يعد هناك فرق بين الجمعة والثلاثاء، اختلطت الأيام وتشابهت، كل يوم نكدح ليل نهار أمام الشاشة للمّ المعلومات من صورة ومقطع مرئي، فما فهمت فهو خير لك، وما لم تفهم فلك ما سلف وأمرك إلى الله. كنت أقول لفاطم في أول أسبوعين أنني أشعر أنني مستثناة من التعلم عن بعد حين أرى ضغط الطلاب، ما هو إلا أسبوع حتى قرصني التعلم عن بعد لأصدق أنه حقيقة تشقيني. دخل سليمان، لم يرَني على جهازي اليوم، قال: غريبة! 

يمضي رمضان راكضًا وهذا يومه الرابع والعشرون، يتعبد العابدون ويتنسك المتقربون، وأقضي أنا جزءًا غير يسير من ليلي أستمع إلى محاضرات الجامعة. ما بين طلب العلم عبادة وبين العتقاء من النار والرجاءات التي تتحقق في ليالي الاستثمارات الناجحة مع الله؛ أتعلق أنا، عقلي يدرس وقلبي يحاول أن يجاهد ما بين ذكر ودراسة، الحمد لله على دراسة عن بعد نقدر معها على العبادة دون إرهاق الدوام، الحمد لله على لطفه، الحمد لله على طريق إلى الجنة يُفرَش لي بكرة وعشي رمضان، الحمد لله على فضله العميم.

كنت أقول: أشعر بأنني جرادة يتقاسمها سبعة ومشروع التخرج هو الثامن، بعد يومين، حاولت الإفساح له وأدخلته ليأكل شيئًا ولو يسيرًا مني، فما وجدت منه سوى أن تضايق من التفافهم عليّ وقرر المغادرة. لا أجد وقتًا وسط أشغال رمضان ومسؤولياتي الدراسية والمنزلية لمشروع تخرجي بينما لا يجد خريجون آخرون وقتًا لموادهم بسبب مشروع تخرجهم. لست متأكدة أن وضعي سليم، لكنني سأنهي الآن الاختبارات المتكادسة عليّ جبرًا، ثم أيام العيد أعمل على مشروع تخرج بلا هُدنات متوقعة، وبإنهاك متواصل ليل نهار حتى أنهيه. 


————

3 شوال 1441 هـ

هذا ثالث أيام العيد، أكلنا الشواء كما العادة بعد كدح من الصباح في مشروع التخرج...


————

ليلة 7 شوال 1441 هـ

أبدو كحبل مربوط بسيارة صغيرة كسيارتي، يجرّ سيارة دفع رباعي متعطلة، حبل واهٍ تتفتت خيوطه خيطًا بعد خيط. شهران ونصف منذ بدأ الحجر، طفلي (ابن أختي) يكبر بعيدًا عني، تنبت أسنانه كلها، يتكلم كلمة بعد كلمة وتبين كلماته، لا أرى لمعان عينيه إلا من وراء الشاشة سعادة برؤيتي. وحدتي في درب مشروع التخرج موحشة إلى أبعد مدى. عيّد الناس لثلاثة أيام، كان عيدي يومًا واحدًا، عدت بعده إلى مشروع التخرج لأن لا مجال للتراخي بعد. عيد بلا أهلي، أرى فيه صغاري بثياب العيد في صور إلكترونية. بالمناسبة، صارت حياتي إلكترونية، أحادث إلكترونيًا، أفرح إلكترونيًا، أحزن إلكترونيًا، أبكي إلكترونيًا، أحتضن من أحب إلكترونيًا، ألثم صغيري إلكترونيًا، أرى وجهي وأختار مرشّحات التصوير التي تجعلني أبدو أجمل من الحقيقة إلكترونيًا كذلك، أدرس إلكترونيًا، أحيا إلكترونيًا، وربما أموت إلكترونيًا كذلك. من أنا؟ لا أعرف. 

أصحو في يوم بكامل قوتي وطاقتي وحماسي، أصحو في اليوم التالي منطفئة. بالمناسبة، صرت أتحاشى الاستيقاظ المبكر في الصباح ولو كنت بكامل قوتي ونشاطي، لأنني أتحاشى أن أهوي في مكان سحيق من الفراغ المدقع. يجب أن أحافظ على صحتي النفسية من أي رسالة صباحية تحيل يومي إلى سواد، يجب ألا أسمح لنفسي أن أبقى وحدي في الصباح الباكر لئلا أكتئب، يجب أن أقاوم تعبي واستيائي. يجب ألا أضعف. يجب أن أزجر أختي حين تضعف وتوشك أن تنهار أو أن تتجاهل كل التعليمات وتركض بشوقها إلى بيتنا. يجب أن أحافظ على أختيّ وأمي قويات كل في بيتها، ويجب أن أنهار وحدي ولا أبدي لأيٍّ منهن أي شيء لئلا يضعفن. يجب ألا أشكو من شيء إلا مشروع التخرج. يجب أن أبدو بخير. 

مضى شهران ونصف، مضى شعبان، مضى رمضان، ومضى عيد. مضى دهر ذبلت فيه من مكثي في شقتي، ومضى وقت طويل عن كل شيء. تغير معنى الحياة كليًا، صارت أكبر النعم بيتي ودفئي وأماني وطعامي، وصار الخروج أضغاث أحلام، الرؤيا منه تكون منذرة أكثر منها مبشرة. صارت كل نعمة مقدرة أكثر من ذي قبل، صرت أكثر شكرًا وامتنانًا، صرت أعرف الأولية والثانوية، صرت أرى الخير الكامن في الشر أكثر. الله يربيني بهذه الأزمة. الحمد لله أبدًا. 

بعد عواصف الاختبارات التي اقتلعت كل أشجاري الغضة، جئت ألملم ما بقي مني لأكمل مشروع التخرج بقوة. أكمله في شقتي لوحدي، بلا جلوس في ممرات القسم واستراحة البنات فيه، بلا صديق يشاركني إنجازي وإخفاقي وتذمري وبكائي وتعبي، بلا كتف أتكئ عليه لأستمد القوة، بلا عينين تلمعان فخرًا بي، وبلا صوت مروة وهي تذكرني أنني بطلة وقوية وأستطيع إكماله بقوة. أدع كل هذا جانبًا، رفيقاتي لا يدعنني لوحدي وإن كنا بعيدات جسديًا. أرسل لمروة ما أنهي كتابته وأنا أقول لها أنها عقلي الذي يراجع كل ما كتبت لأنني زهقت من الكتابة ولا أقدر على قراءة شيء مما كتبت. تقرأ، تخبرني أنه رائع، أفرح وأرسل للدكتورة التي تقول لي أيضًا أنه رائع إلا بعض التعليقات. أتكئ على ماريا وتخبرني أنني قوية لأكمل، فاطم وآلاء تغمرانني بدعواتهما بالفتح والتيسير والسداد، أفنان تتابع مسيري في المشروع وتخبرني كل حين أنها هانت وأنني قوية، ميثاق توصيني بالمصارعة إلى آخر رمق لأنني على قدر هذا التكليف، ورحمة تقول لي: "اسكبي فيه حب خمس سنوات". أنا أفعل يا رحمة مهما شح الحب، أستمد من الله وحده لينبع الحب فيه ولو يبست الأسطح كلها. 

أنا وحيدة ومكشوفة لأي حر أو برد يفترسني، لأنني أعيش بعائلة بعيدة لا تراها عيناي، ولا تلمسها يداي. أنا اعتدت الهدوء القاتل، واعتدت أن أمكث ساعات طوال وحدي. أنا اعتدت أن أقاوم باتصال يبث الحياة فيّ، أو مراسلة تلم قلبي. زوايا شقتي حفظتني زاوية زاوية، وكأنني أراها توشك أن تلفظني لتقذفني دون أن أخضع لمعادلات المقذوفات. أنا أحتاج أن أصلي لأستمد القوة. أنا -الحمد لله- محاطة بالحب من كل مكان، ولو كان بعيدًا لا تلمسه أناملي، لكنني أشعر به في الدعم النفسي الهائل والحب الذي أقتبسه من رفقتي. رغم كل الصعب والمرّ، أنا بخير. 

أنا أتخرج بعيدًا عن كل أحد. تسأل ابنة عمي: ما فعاليات الحجر معكن؟ ماذا فعلتن وماذا تفعلن؟ قلت لها: أتخرج. كانت صورة التخرج المرسومة بعيدة كل البعد عن واقعي الحالي، لكن الأمر يحصل. أنا سعيدة أنني أتخرج، أشعر بالإنجاز، أشعر بالخلاص والفكاك، وأكاد أشعر من الآن بالراحة والسعادة بتنفيذ الخطط المؤجلة لخمس سنين. بناتي ورفيقاتي يشعرن بالأسى، ولا يردن ذكر موضوع تخرجي ولو ذكرًا عابرًا لأنه يثير أشجانًا ذات شجون. أنا أغلقت مجال هذه المشاعر وأفسحت المجال لمشاعر الفرح لتطغى. أقول لهن: لن أبتعد بإذن الله. سأكون في القرب، متى ما اشتقتِ إليّ أخبريني لتجديني عندك. أليس من أبسط حقوق الباحث الشغوف أن يرى نتائج بحثه الذي أضنى عمره فيه ليقطعه تعليق الدراسة ويقدم بحث تخرج بلا نتائج؟ بحثي يستحق مني الجهد، وأنا أستحق مني السعي في هذا الدرب، وأنا كذلك أستحق مني ألا أقطعني من نبات هذه الصحبة وثمرها وزهرها، وألا أنقطع عن بيتي الدافئ -مقر نادي إتقان التلاوة، أمام المصلى الجديد في استراحة التربية-!

أشتاق لكل شيء. لكل قوة يبثها كل أحد قريب مني أو عابر، لكل طعام أتقوى به وأتشاركه مع رفقتي، أشتاق إلى درج القسم، ويمزقني الشوق إلى بيتي الصغير؛ مختبري وملاذي، إلى كل أداة فيه، وإلى صندوق أدواتي المكتوب عليه اسمي الذي استلمته كأنني أستلم كعكة يوم ميلادي، بل فرحتي به أكبر. تقول ميثاق: تشتاق إلى كفاحي وصبري وجهادي في دراستي الذي كان يقويها. أقول في داخلي: بل جهادها ما كان يقويني. أصمت، ليس عندي ما أقول بعد. اللهم ردنا، وقوني بمن حولي، ولا تكلني إلى نفسي. وجهي في المرآة لا يكفيني يا رب ولا يقويني. ولو كنت أرتدي نظارتي، نظري ناقص دون رؤيتهم يا رب. وكلتك، تكفل. 

يا رب، تعلم أننا تعبنا، وأننا نحرص على بعضنا خوفًا، وأنت على جمعنا إذا تشاء قدير. يا رب، لا تضيع لي تعبًا ولا دمعًا، اكفلني، أنا التي لا يكفلني -ولو كثر الأعوان- سواك. 

الأحد، 5 أبريل 2020

مذكرات خرّيجة 9.

كنت منغمسة في مذاكرة علم المناعة والوقت يسبقني وأسبقه في إنهاء ما درسناه إلى الآن، أمي تنتظرني للغداء، أقول لها أنني سأتأخر وسآتي حالما أنهي ما خططت له، فجأة: عُلِّقت الدراسة لمدة شهر. خبر جيد. لن أكون مضغوطة بالمذاكرة لوهلة، وسأتنفس قليلًا. أنهيت اختباراتي الفترية الأولى وكنت أتوقع أن أتنفس قليلًا، لكن المذاكرة المتراكمة وتسليم أعمال مشروع التخرج بعد أسبوعين لا أظنهما يتيحان لي ذلك.. الحمد لله على لطفه. مُتنفَس، ومن يسخط لشيء كهذا؟ شهر نأخذ فيه هدنة من الحياة ونعود بعدها. أمي سعيدة جدًا بهذا الشهر، تقول: أخيرًا سأرى ابنتي لأكثر من مرة في الأسبوع، سأراها كل يومين أو ثلاثة على الأكثر. أنا سعيدة بهذه الهدنة. أساعد أمي، ثم أخرج إلى الجامعة لأودع من تبقى فيها من رفقتي، جو السكن مهيب، الكل يتراكض إلى البيت وازدحام شديد لم أعهده. "إلى اللقاء، بعد شهر بإذن الله، سأشتاق، اهتمي بنفسك واستغلي هذه الهدنة!". لم أكن أعلم أنه لن يكون شهرًا، ولن نعود، ولن تستمر الحياة كما كانت، ولن يكون متنفسًا كما كنت أتصوره. لن يكون..

قضيت أول أسبوعين من هذا الشهر أقاسي لأنهي تكليف مشروع التخرج، أبحث عن أي مقال علمي قد يروي ظمئي لأربط المعلومة بالمعلومة، وأقف على أرض مستوية ثابتة. لا أجد إلا إعادة وزيادة في الكلام، بعد أكثر من أسبوع من البحث ليل نهار، وجدت مقالًا يكشف الغمة كلها ويربط كل الشتات لينسج لي أحلى كسوة، أخرج وأعمل في شرفتي وتتطاير قطرات المطر على جهازي فلا أبالي بها وأنا أشعر أن عقلي يستنير بما أقرأ، أفهم بعمق، أشعر أنني أكتسب قوة كما يستجمع طفل يشرب الحليب عضلاته. يفرحني فهمي بعد طول عناء وينسيني عنائي، لكن الأيام هذه ثقيلة، أثقل مما أتحمل. مع تعب مشروع التخرج والعمل فيه والحيرة التي تخلق العناء من العدم، لا وزن لهذا العناء أبدًا على ظهورنا ما دمنا بين الأصدقاء نتقاسم يبس العمل وشظف الفهم وإخفاقات التجارب. مهما ثقل، ظهري خفيف لا ينقضه كل ذا الثقل. أما الآن وأنا أقاسي بعيدًا عن كل الأصدقاء، دون أن يربت أحدهم على كتفي ولا أرى ابتسامة الأخرى ولا أسمع ضحكة الثالثة ولا تذكير الرابعة أنني بطلة وقادرة على تجاوز هذه الأيام الصعبة، دون أن تنظر معلمتي مشرفة مشروع تخرجي إلى عينيّ وتقول لي دون أن تنطق أنني قوية وقادرة على اكتشاف كل ما أشكل عليّ وحدي، ودون أن تذكرني أنني ذكية ولمّاحة، لا أقوى على هذا كله وحدي. هذه الأيام أثقل من أن أتحملها بعيدًا عن أصدقائي. يقل إنجازي وأوشك أن أنطفئ، كيف تمرّ؟ باتصال ومراسلات معهن، أكتسب بعض القوة، أنجز في يوم ما كنت أخطط لإنجازه في أيام، أنتهي. أسلّم عملي وأنا أسمع صوت مشرفتي في داخلي تقول لي أن عملي جيد وأنها فخورة بي، وأنني سأكمل أقوى ولم يبقَ إلا القليل، وما بقي يبنى على ما سبق، وقد قويت على ذاك، فكيف لا أقوى على ما بقي؟

تمضي الأيام بعد تسليم عمل المشروع، رتيبة متشابهة، أنجز فيها وأقرأ كما يحلو لي كما لم أفعل منذ مدة طويلة، وكما ظننت أنني لن أفعل إلا إن تخرجت. تحلو الهدنة لكثرة الإنجاز وتنفيذ الخطط المؤجلة منذ ثلاث سنين، لكنها مهما ملأتها الأشغال، تبقى فارغة. يخنقني الحجر المنزلي لا للملل ولا لرتابة أيامه ولا لأنني سئمت شقتي، بل يخنقني الشوق. أحاول أن أتماسك وأنا لا أرى أمي لأكثر من أسبوعين، أحاول ألا أفقد توازني وأنا لا أرى أختيّ ولا ألم صغارهما في حضني، أحاول أن أكون قوية ولو لم يسندني كتف صديقتي، أحاول ألا يهزمني شوقي لبناتي القرآنيات وصحبة القرآن. كانت أمي فرحة بأنها ستراني كل يومين، كيف تقضي أيامها وهي لا تراني لمدة أطول من كل تصوراتها؟ بل كيف أقضي أنا أيامي دون وجه أمي وضحكتها؟

قرار نهائي بعد طول تخبط: سنكمل الفصل بخطة التعلم الإلكتروني الطارئة. نزل تقويم الفصل الجديد، ونزل معه تقويم الصيف بخطة التعلم الإلكتروني الطارئة كذلك، هذا أكثر مما يتحمل قلبي. توقعت ألا تتحسن الأوضاع سريعًا، وألا تعود المياه إلى مجاريها إلا بعد أمد بعيد لا يعلمه إلا الله، توقعت ألا نعود إلى الجامعة بعد شهر، لكن الأمر ثقيل. كيف تمر أيامنا الدراسية دون نعيم الصحبة التي كانت تجمّل سوء العالم؟ كيف يمضي يومي دون ورد من بناتي؟ كيف وكيف وكيف؟ أرسل لها: أنهيت مختبري، متى تنهين مختبرك؟ أنتظرك. وأرسل للأخرى: أنهيت يومي الطويل الثقيل، أنتظرك في درج القسم. هذه المرة، لا أنتظر ردًا، أرسل وأعلم أن لا أحد سيأتي ولن أرى أحدًا. 

انتظرنا هذا الوقت خمس سنين طوال مررن بسرعة، انتظرنا لحظة عرض مشروع التخرج، ولحظة استخلاص النتائج وتحليلها، ولحظة تسليم تقريره النهائي الورقي ونحن نصور زفّته، انتظرنا ألا ندع بقعة في الجامعة إلا تطفلنا عليها توديعًا، انتظرنا ألا نضيع لحظة واحدة من أيام النعيم الأخيرة. انتظرنا أن نقوم صباحًا لندرك أن كل شيء قد انتهى وأننا تجاوزنا أيام التخرج الأخيرة والأرق الطويل بخفة وسلام، وانتظرنا أن ننام نومًا مريحًا بعد طول سهاد. انتظرنا أن نحتفل بانتصاراتنا مع أصدقاء التخصص، وأصدقاء الجامعة المفضلين الذين فرقتنا دروب تخصصاتنا، وأن نحتفل مع صحبة القرآن. انتظرنا أن نودع الجامعة بالدورة المكثفة الأخيرة التي كنت أضرب أخماسًا في أسداس لئلا تفسد عليّ مادة فصلي الصيفي الأخير جوَّها والعطاء فيها. انتظرنا لحظات الوصول بعد طول الألم، وانتظرنا حتى لحظات الخيبة والألم اللذين يزولان بتربيتة من صديق. كنا نحلم، وأحلامنا تلاشت بغتة. لا ختام في الجامعة، لا أصدقاء يربتون، لا ضحكات أخيرة في مختبراتنا، لا خروج مع أصدقائنا احتفالًا بانتصاراتنا، ولا غداء معهم وسط أيامنا الثقال، لا استراحة التربية ولا درج القسم ولا مختبري ولا ممر مختبرات التدريس ولا مختبراتهم ستجمعنا. سندرس عن بُعد، ونتخرج عن بُعد، ونحلم عن بُعد، ونشتاق ونودع عن بُعد.

ذاك الانغماس في الجامعة حتى لا أرى غيرها ولا ألاقي حتى أهل بيتي، تلك الزحمة الصباحية اليومية، ذاك التعب والإرهاق، المختبرات التي لا نعيها، والجوع بين المحاضرات ولا شيء نأكله؛ كان هذا الذي نشكو منه نعيمًا فقدناه دون سابق إنذار فجأة. أين امتناننا لله؟

يا رب، ستكون أيامنا الأخيرة صعبة كما كنا نحسب، لكنها ستكون عجافًا دون رفاق. يا رب، عجّل بقربهم وأدم ضحكاتنا معًا. يا رب، لا تخرجنا من الجامعة منهين ما علينا دون لذة. يا رب، خيرك وفضلك يعمّنا، خذ بأيدينا. 

الأحد، 22 مارس 2020

آلَاء.

يظلك سقف من حرارة الشمس ويقيك عصف الريح، يحميك من أذى البلل والسيل، ينيرك سراج بيتك ليلًا، وتستبرد بمكيف هواء أو مروحة متى شئت، مستور لا تخشى اطلاع أحد على عوراتك، تسدل ستائرك متى شئت وتفتحها لتخترق أشعة الشمس فتكسو بيتك دفءًا. تتجه إلى مطبخك متى داعبك الجوع وحتى قبله أحيانًا، لتجد أطايب الطعام فتتخير منه ما شئت، وتفتح ثلاجتك المملوءة على بكرة أبيها، وتتلفت على مخزن الطعام الغني، تحك رأسك، تختار وجبة خفيفة، وتحلّي قبل أن تغادر، فتصبّر نفسك بهاذين قبل الوجبة الدسمة التالية. هل تعرف كم أنت ثريّ؟

محاط بعائلة في بيت يلمكم. هل تعرف ثمن هذا وحده؟ ألا تكون وحيدًا ولا يتيمًا، ألا تعيش بين أروقة المستشفى، وألا يتعلق قلبك بين زنازين بعيدة، أن تكون في مقرّ آمن، يزعجك صراخهم ويؤذيك التصاق أصغرهم بك ويكاد رأسك ينفجر من مشاجراتهم. هل تدرك كيف يكون صخبهم حين يبتلى أحدهم فيهوي قلبك سبعين خريفًا حتى تقرّ عينك به؟ هل تعرف أن عدم الإنجاز الذي تشكو منه وأنت بينهم لا يساوي شيئًا أمام أن يكون أحدهم بخير؟ وأنهم جميعًا -أهلك- قطع من قلبك متشتتة تمشي على الأرض، فما أن يقع مكروه حتى تنتبه أنك أُصِبتَ في قلبك لا في حبيبك؟ لو فتّشت أحشاء من لا يملك عائلة، ستجد كبدًا، معدة، رئتين، وما بينهما تجويف فارغ. 

تنام ملء عينيك دون ضبط منبه، تصحو لا تشكو تعبًا ولا نصبًا، تنهض وسقفك لا يشكو شقًا، وزقزقة العصافير موسيقى الصباح، لم يكن شريط الليل أزيز دبابات ولا انفجار ألغام ولا ضجيج قصف. تخرج إلى شرفتك فتشم هواءً نقيًا دون دخان، ولا يحجب نور الشمس عنك شيء. لا تستطيع الخروج من البيت حتى انكشاف الغُمّة، لكنك إن خرجت لضرورة لم يوقفك جند ولا عسكر، ولم تجد محل الحيّ موصدًا أو رفوفه فارغة، وقود سيارتك متوفر تعبُّ من محطاته ما شئت. أنتَ حُرّ، لستَ محاصَرًا ولا مُهدَّدًا، ولا تشكو ألم الجوع ولا ألم الموت ألف مرة وأنت حيّ. 

أنت فارغ، بكامل صحتك وعافيتك، إذن أنت مغبون ومغبوط. كنت تتمنى هذه اللحظة منذ آجال طويلة، أن تجد رُبعَ هذا الفراغ، وكنت تقول لتفعلنّ وتحسننّ وتتعلمنّ وتعملنّ، وحين وقع الحق أخذتك دوامة من الضجر حتى لم تحسن شيئًا. بينما يصارع مرضى هذه الجائحة الموت مئات وآلاف، تبقى أنت في بيتك معافى، وفارغًا، تختار ما يحلو لك فعله. العلوم والمهارات التي يمكن أن تكتسبها اليوم لن تعود مجددًا بهذه الوفرة. هل كنت حذقًا وفطنًا كفاية لاستغلالها؟ كنت تشكو من الحياة الراكضة قبل رمضان وأثناءه، ها قد تفرغت فهل أنت متزود له؟ كم ستلمّ من نور القرآن في صدرك وأنت في محرابك الإجباري؟ مشكاة فيها مصباح أم ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرجت يدك لم تكد تراها؟ 

تخرج إلى سطح بيتك أو شرفته، تستلقي تحت السماء الواسعة تستمد منها سعتها، تتأمل السحاب وهو يمرّ مسرعًا، ويداعبك النسيم، وقد تضاحكك قطرات المطر. تخرج إلى فناء منزلك أو حديقتك أو مزرعتك، تبهج نفسك خضرتها ونضارتها، تقطف منها ما طاب، وتلذّ به. تقرّ عينك بكل ما آتاكه الله، ألا تحمد وترضى؟ أفلا تعمل شكرًا وتقرّ في بيتك لئلا تتسبب في سلب هذه النعم عنك وعن كل من تحب؟

﴿كُلوا مِن رِزقِ رَبِّكُم وَاشكُروا لَهُ بَلدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفورٌ﴾

الجمعة، 21 فبراير 2020

أيّام خفيفة ثقيلة 6.

"بفضله علّمنا القرآنَ"، قالتها وسط هدوء الزحمة بعد خروجنا من عرس قرآني، كان لها وقع مختلف هذه المرّة بعيدًا عن الضجيج. نقولها دائمًا وأبدًا، من منّته العظيمة علينا أن أنزل علينا القرآن، أن يسّره، أن لم يتركنا نعمهُ في ظلماتنا بل غشانا بالنور ظاهرًا وباطنًا. من جزيل عطائه أن اصطفانا لتعلّم وتعليم القرآن، عطاء يستحق الحمد أبدًا ولا يوفيه، وعطاء أعظم أن يكون هذا سببًا في أن أنغمس في هذه الأجواء والصحبة الطاهرة التي يوصيني الله ألا ألتفت إلى الحياة عنهم لئلا أضيع. الأعراس القرآنية تلك التي تختلف نشوتها عن أي عرس تقليدي، تلك التي زفّتها تيمينة، وحضورها أهل القرآن لا سواهم، هذه الأعراس التي تتجدد الفرحة فينا كلما حضرنا واحدًا، وكلنا بهجة بعروس خاتمة وشيختها، مع طقوس أطواق الورد وباقاته والطعام الموزع والزغاريد، كلها تعمّق فيّ معنى ﴿قُل بِفَضلِ اللَّهِ وَبِرَحمَتِهِ فَبِذلِكَ فَليَفرَحوا هُوَ خَيرٌ مِمّا يَجمَعونَ﴾. أي فضل بعد هذا الفضل؟

ننغمس في أجواء الدورة وننسى كل الحياة خارجها، أنسى حتى أنني أفارق أهلي جميعًا لتسعة أيام متواصلة خارج البيت دون أن أشعر برغبة عارمة للعودة إلى شقتي ولا دفء أمي. دفء أهل القرآن يكفيني الآن. صديقاتي اللاتي كنّ يتحلقن حولي ثم صرن مجازات أمهاتٍ تلتمّ بناتهن حولهنّ بكرة وأصيلًا وينهلن من هممهن وعلمهن، رفيقات الجناح والطعام والنوم والهموم والجنون اللاتي جمعني القرآن بهن وأظلّ تحته كل ما سبق ليضاعف لذته أضعافًا كثيرة. جناحنا الذي يضجّ وقت الفجر والعصر بالشغوفات حاملات المصاحف والدفاتر والأقلام، أولئك اللاتي يقفن أمام أبواب أمهاتهن يرجين إدخالهن لأدخلهن أنا واحدة تلو الأخرى بعد أن تعبنا من إخبارهن بأن يدخلن بيوتهن الدافئة دون إحراج. لقاءات التوقيع والأحضان الحارّة، وجبات الصباح والمساء مع أهل القرآن، الابتسامات والضحكات المتبادلة، كل شيء هنا مع أهل القرآن له وقع مختلف.



حلقات العصر وسط الأشجار، مشاكسة البنات في الحلقات، مسابقات طول النَفَس، الحصير الذي يُخرَج أمام الهاءات تحت زرقة السماء، الهواجس المختبئة خلف جدران الصدور وجدران الغرف، الضحكات العالية، تدبر الفجر ومسابقة استخراج الأخطاء من مقطع قارئ لطرد النعاس، طرق ماريا باب غرفتي وبعده: "يكفيهن! انتهى الوقت!" ثم قولي: "هن مستمتعات، ماذا عليك أنتِ؟" وبعده استدراكي الموجه لهن: "أنتن مستمتعات، أليس كذلك؟"، ألعاب الفقرة الترفيهية وحماس اللاعبات جميعًا فيه، أذكار الصباح والمساء بصوت جماعي يبث القوة في الجسد قبل الروح، وآيات البعث كل يوم بصوت جديد أحبه، الجنون الذي نطرد به النصب، وصندوق الهدايا الذي أملؤه بما يسرّ قلوب بناتي، أسئلة الدرس النظري التي أمدّ فيها المجيبة بالقوة حينًا وأزجرها على ضعفها حينًا آخر، الاستراحات خلاله التي نستغلها في السباق لنتنشط، تنظيم هذا وترتيب ذاك ونسيان أشياء كثر في وسط دوامتها، غرفتي المضيئة بمن يزرنها ليتلين، وجناحنا الذي تدفئه تلاوة إيمان الجهورة من البرد؛ أسمعها من غرفتي وعند باب غرفة ماريا وحتى وأنا أستحمّ وتغمرني بالسكينة، الختمات التي تملؤني فخرًا بالشيخة التي مرت عليّ يومًا ما طالبة صغيرة، وببذرتها التي هي ابنتي في هذه الدورة. ختمة نعمة المؤثرة التي منحت غرفتي النور لأسابيع بعدها، النوم لسويعات ثلاث كل يوم، الإقراء بعد التوقيع، فراشي الأبيض الذي ما سوّدته كل همومي وأثقالي، نافذتي التي لو استطعت لما تركتها إلا مشرعة، لكن أغلقها لأحافظ على دفء غرفتي، وربما أحافظ معها على دفء قلبي وصاحباتي وجناحنا لأدفئ به بناتي. 

لحظة اختبار آخر بناتي لم تكن لحظة عابرة في أي يوم عادي، كانت لحظة طال انتظارها إلى حد لا يدركه بشر. لم يكن انتظار الخلاص هذه المرة فحسب، بل كان انتظار هبوط قلبي على أرض مستوية بعد أن ظل معلقًا على شفا جرف هار لمدة شهرين، شهرين كان نهارهما وليلهما متمحورًا حول بناتي، فمن إرهاق النهار والهمّ، إلى النوم الذي يغادرني أو يزورني مصطحبًا معه أحلامًا موضوعها هل تجتاز فلانة أم لا، وكيف ينتهي تعبها الذي عكفت عليه سنين بتوقيع دون تفكير مني، وكوابيس محورها أنك ظلمت فلانة ونصرتِ الأخرى دون أختها ومال قلبك إلى تلك وقسوتِ على الرابعة، وكيف طاوعك قلبك أن تعطيها تلك النظرة أو أن تزجريها أو ألا تضحكي في وجهها -مهما كنتِ مضغوطة-. لم يكن الخلاص مريحًا، بل كان بلاغهن ما سعين وشقين لنيله هو الراحة. أما اللائي لم يجتزن، فلم يبلغهن إلا الخبر مني، لم يشهدن أيامي الثقيلة ومجافاة النوم وتكدّر صفوي وجثو الحياة كلها على صدري لهذا. لن يدركن أنهن لا يشعرن وحدهن، بل تخنقني قبلهن أكثر وأكثر. يقيني أنهن سيكنّ يومًا ما مجازات أقوى مما هن عليه الآن، وسيعطين أفضل، هو الهدف، وهو العزاء والسلوى، وليمحص الله الذين آمنوا.

كأنني أتذكر تأنيب الضمير القارص بل الشاوي وأنا أبذل كل ما لديّ ولا أصل، كأن انكساري بنظرة خيبة الأمل من عزاء التي تجاهد لأجلي يتجدد هذه اللحظة تمامًا، كأن الشيخ عيسى يجيز صاحبتي التي رافقتني في إقرائنا معه وأنا كنت أجاهد كثيرًا لأجاز على يديه فلم يجزني لمستواي، كأن كل هذا وغيره يمر عليّ وأنا أرعى بناتي، مهما حاولت إخفاء وجعي لخطأ تخطئه أو معلومة نسيتها بعد كثرة ترداد وتكرار، دائمًا ما تكتشفه ويوجعها لأنها توجعني. لا أنسى هذا كله وأنا أحاول أن أحميها بكل ما أملك مما يؤذيها، ثم يقتلني أنني أوجعها بتقليد خطئها أو بكثرة تكراره عليها أو برفضي المستمر لمحاولاتها أو حتى بعدم رضاي وتعبي. أقسو عليها مرة فتتألم، أغادر، أقضي نهاري مكدرًا وليلي منغصًا لأنني أخشى أن أكسر قلبًا أقبل على القرآن متلهفًا، فماذا لو كان القلب قلب ابنتي التي أود لو أحميها من أذى العالم كله؟ أغمض قلبي وأزجرها إذا اضطررت لأن الهدف الإتقان مهما كلفني وكلفها. ربما ستدرك يومًا لمَ فعلت معها هذا، ربما لن تدرك إلا حين تكون شيخةً في موقفي تريد أن تحمي ابنتها من أي خطأ يسيطر على تلاوتها. ربما لا تدركه أبدًا، ولكن الله يعلم أنني ما شددت ولا قسوت إلا لأجلها. 

إلى رحمة،
كانت استجابة الله لدعائي اللحوح في عرفة وفي مناسك الحج أسرع مما تصورت، وأكثر إبهارًا. كانت استجابته لاستخارتي رحمة، هي أنتِ. في دوامة لا انتهاء لها غرقت حيث لا يعلم إلا الله، جاء بك الله لإخراجي منها دون تدبير مني ولا احتساب. بعد أجزاء ستة تلوتِها عليّ، كانت سجدة شكر الختم العميقة التي هزّت كل شيء فيّ، كان يمر عليّ شريط حياتي كله فيها، وكانت جسدي يرتعش، كان كل شيء فيّ يهتز والشعور يطمس قوى الجسد، كانت لحظات انكسار شعرت أنها الأقرب لله، كانوا جميعًا هناك ينظرون، لكن كأن لم يكن هناك أحد سوى الرماد. كان الله هناك يقول لي: ولسوف يعطيك ربك. بعد الختم؛ كان الله يقول لي تكملةً: فترضى. أعطاني الله وأرضاني بك. شكرًا لكل درس تعلمتُه منك دون أن تعي، لكل آية كنتِ تحرصين فيها على ضبط تجويدك ولم تقوي على التركيز على معناها، لكنها كانت بصوتك توصل المعنى وتجعله في قلبي قرارًا. شكرًا لصبرك الذي كان يمدني بالصبر، وإصرارك الذي لغى مفهومي الضحل عن الإصرار وثبّت ما عندك. شكرًا لحرصك الذي كان على قلبي البرد والسلام. شكرًا لأنك رسّختِ فيّ أن لا اعتبار للأجزاء ولا للمسميات، وإنما هو عمق الأثر واتصال القلوب في ظل القرآن. 



إلى فاطمة،
تعبك يتعبني، وجهادك يثبّت في قلبي الجهاد. صبرك الممتد ونفَسك الطويل قوة لي. تكراري الكلمات لك مرارًا وتكرارًا، وتردادك خلفي رغم التعب واليأس الذي كلما حاول اجتياحك لم تسمحي له، يربّيني. خوفي من أن أطفئك -وأنت الشعلة المتوهجة- يسيطر عليّ ويقضّ مضجعي، ما كنت لأدع الظلام يبتلعك، لا من حولك، ولا حتى الذي في داخلك، أبذل كل ما في وسعي لانتزاعه منك فلا يربو داخلك إلا النور الذي تشعّين به. كل عتاب وكل شدّة أشدها عليك، كانت لتكوني شيئًا أفضل. أعرف جيدًا أنك تجاهدين، وأعرف أكثر أنك لا ترضين بالدنيّة، وأعرف أن زجري إياكِ يكسرك أحيانًا، لكنّها الأمانة التي ما كنتِ حاملتَها إلا بقوة، وأنتِ قادرة عليها. سلام على قلبك أطلبه من الله ليل نهار، وعلى كل محاولاتك التي تنهضين فيها وتكبين، وأكون أنا من خلفك أحمي ظهرك ولو كنت أبدو بعيدة. فاطم، تعبك هذا كله لا يضيع منه شيء عند الله، تعبك هذا سيثمر، ولو بعد حين. 

إلى ميثاق،
البذرة التي انغرست في قلبي وما انفكّت تنزع عنها قشرها بكل قوة، تتبرعم، أراها تنفلق يانعةً وتنمو، تبحث عن ضوء الشمس وتتبعه، لا يحدّها شغفها عن تتبع النور والتماسه، تنمو يومًا بعد يوم ويصلب عودها فتسند به ضعفي، تتلو عليّ القرآن أول الصباح وآخر الليل، أفتتح بها يومي أحيانًا وأختمه أحيانًا كثيرة أخرى، المجاهدة التي لا ترفض جلسة إقراء غير مخطط لها أبدًا إلا لعذر قاهر، لا تتعب من جلساتنا الطويلة التي كثيرًا ما لا تقل عن ساعات ثلاث متواصلات دون أن تكلّ ولا تملّ، تلجأ إلى الإقراء معي حين تتكالب حياتها عليها، وتمسح على قلبي بتلاوتها حين تلطمه حياتي. بذرتي التي تغرسني قبل أن أغرسها، وتغلفني بالحب والحرص وإن كنت عاجزة عن العناية بها. ابنتي التي ما شعرت يومًا بأي كُلفة معها، بل كل الألفة وأنا أشكو لها همومي فتلمها كلها لتسقيني مكانها أمانًا وتحمل عني كل الثقل، ميثاق التي ما آذاها شيء إلا آذاني ضعفه، أحنّ عليها حينًا وأزجرها حينًا، ثم لا أهنأ بوقتي لأنني أخشى عليها مني. ميثاق حبلي المتين الذي لو أوشك على الانفلات شددتُه، ولو أوشكتُ على السقوط أنقذني. هذا الحرص المغلف بالشدة لأنك لن تكوني إلا متقنة متمكنة تقتحم كل عقباتها بل وتنزع عن الناس عقباتهم، هذه الخشية عليك وهي تبدو لك عقابات إنما كانت لئلا يخفت وهجك ولا تتعثري، هاك يدي لتكوني أقوى، هلّا مددتِ إليّ يدك؟

إلى بناتي،
لم تكوني بذرتي وحدي، بل وصلت إليّ يانعة مخضرّة، كان عليّ سقي الزرع وتسميده ليزهر، وكان علي حمايته من الدود ومن الحرارة ومن الجفاف، كنت أحاول أن أحميه بكل ما أملك وإن استنزف هذا مني. كان عليّ تشذيب الزرع أحيانًا، وبتر ما يبس أو فسد، كان البتر أحيانًا مؤلمًا، وغالبًا كنتِ لا ترين فيه غير الألم والبتر، دون الفساد واليبس. لم تكن مهمة البتر ممتعة، ولم تكن المفضلة لديّ، لكن كنت أفعلها اضطرارًا لئلا يعم اليبس فيفسد الزهر والثمر، وكان هذا يؤلمك. لا بأس عليك، ولا بأس بشوكة تطعنني في يدي وأخرى في كتفي وأخرى أوشكت أن تصيب عيني، ما دمتِ وردة تفوح طيبًا. كنتِ وردة أرجو أن تصير ثمرة يانعة حُلوة، يسرّ الرائي منظرها ورائحتها وطعمها. لم يكفِني منك أن تكوني طيبة اللُبِّ دون أن تبدي فاتنة ويلذ مذاقك. لم يكفِني منك أن تحملي النور وتنيري به طريقك وحدك، بل أن تحمليه بقوة عاليًا حتى لا تبقى بقعة في الأرض تتخبط في ظلامها وأنتِ موجودة. لم يكن يليق بهذه اللذة كلها أن تنحصر في لقمة عابرة دون أي أثر يذكر، بل تنتشر بيدك أنتِ، وتزرعينها في أي أرض حللتِ. أحطتك بعنايتي ما استطعتُ إلى أن أثمرتِ، لا تحرمي الأمة ثمرك. 

إلى رفيقاتي،
بالأمس كنت أنتظر إجازاتكن، واليوم أنتن مشرفات معي على هذه الدورة. أفتخر وأنا أرى همومكن توسعت من حفظ المنير إلى هم مشكلة هذه وقضية تلك وكيف أوصّل هذه المعلومة وكيف أحبب إلى بناتي ذاك، كبرت همومكن وأنتن تهجرن النوم لعطاء البنات، وأبوابكن مشرعة لتلاواتهن ليل نهار، حتى إذا ما انقضى اليوم وانتصف الليل، التممنا في غرفة إحدانا لنتشارك الهموم أو نضحك دون حدّ لنتخفف، كنتن السند في كل لحظة ضعف، والملجأ في كل نكبة، ودفء كل يوم بارد. كان التواصي بالحق باللطف والشدة بيننا ميثاقًا، والتواصي بالصبر باحتوائنا بعضنا وشدّنا على أيادي بعضنا قوة. كنتن لذة الأيام وأنتن تحملن الرسالة بقوة وتشعلن الدورة بنور القرآن، وتحطن بقلبي لئلا يضعف في أي لحظة. الوجبات والنوم والقيام وإضاءة المصابيح في السحر والتدثر من البرد، كلها مغروسة في القلب، والثقة بأنكن السند الباقي لن تضيع ما دام بيننا القرآن. شكرًا لأنكن احتويتن جناحنا المضيء قبل أن يحتويكن. 

دورة المنتصف مرّت بكل من فيها، لكن كل لحظة فيها كانت غرسًا راسخًا في القلب. أعبئ سيارتي بأغراضي بعد أن أفرغت غرفتي، أدير ظهري عن جناحنا والنوافير والطيور والأشجار وكل الذكريات، وأرحل. لا يلاحظ أي أحد سواي أنني تركت شيئًا مني هناك، وشيئًا آخر مع أهل القرآن. هذه الدورة الأخيرة التي أسكن فيها كمشرفة، حملت منها في قلبي ما يكفيني لعمري الباقي. اللهم النور، اللهم الشجر الطيب ثابت الأصل وفرعه في السماء، اللهم حسن الأثر والصدقة الجارية، اللهم بناتي.

الخميس، 20 فبراير 2020

مذكرات خرّيجة 8.


-قتلتِه؟
-نعم...

نعم، قتلته، قال الدكتور: هل سمعتم الصوت (تِك)؟ ردوا ردًا جماعيًا: نعم سمعناه، كان عاليًا. رد: جيد جدًا. صرخت البنات: لم يمت، ما زال يتحرك ويتعذب! رد: لا بل مات، سمعت الصوت عاليًا، دعيني أتأكد، يأخذه من بين يديّ السفّاحتين، يؤكد أنه مات، ويبدي إعجابه بقتلتي السريعة، عمل رائع؛ يحييني. أبتعد، لأدرك نظرات رفيقتي التي انصدمَت كيف أفعلها أنا، وأدرك ما فعلته أنا لتوّي، وأدرك أن الأرض لا تحمل ثقل جسدي حاليًا ولا يبرّد الجو حرارة جسدي وهو يغلي. أدرك أنني لست متأكدة إن كان ما فعلتُه شجاعةً وبنات مجموعتي يقدمنني لفعله لأنهن لا يقوين، ولست متأكدة حتى أنه مقبول عند الله. تضاربت مفاهيمي، أضطرب فوق انهياري حين أرى مروة التي كانت تمسك الفأر وتحقنه بكل شجاعة وتمسك به إن هرب بلا خوف، أراها لا تقوى على هذا كله. كانت نفسي تهوي بين جنبيّ. كنت أعزيني أنني لم أفعله عن هوى، ولم أرد تعذيبه وأنا أكسر عموده الفقري وأقطع حبله الشوكي ليموت فورًا، ولم أقصد قتله دون أي هدف. كان هذا الكائن المسكين خادمًا للعلم، كان يتحمل كل التجارب ليعيش الإنسان حياة أفضل ويتغذى ويتداوى كما يستحق. أنا لم أكن سفّاحة عن هوى كما يقتل بعض الناس بعضًا، أنا قتلتُ فأرًا لأحييَ الإنسان.

بعيدًا عن كل المتاعب وحياتي المتبعثرة، تظل بعض المواقف واللحظات حبيسة الذاكرة فلا أملك تجاوزها مهما مرّ بعدها. بعض المواقف تقلب الحياة رأسًا على عقب حتى تبدو كل فوضى قبلها نظام وترتيب، ثم آتي لألملم هذا كله وأمضي دونما أي أثر لخراب. أحاول أن أكون خفيفة مهما ثقلت، وأن أشد على نفسي تارات وأهوّن عليها تارة. أحاول السيطرة على الفوضى بأقل الأضرار الممكنة دون أن أثير أي فوضى فيمن حولي. أحاول ألا أكف عن العطاء دون حدود مهما احتجت، فلا تخيبني عطاءات الله. 

بارحة الأمس سلّمت المسودة الأولى لملخص مشروع تخرجي. كيف كبرت بسرعة؟ لا أعرف وحدي. ما أعرفه هو أنني بدأت أنضج، وإن كنت أبدو غضةً في كثير من الأحيان. أكبر وأنضج وأستعد للإثمار، وأمد جذوري لأستمد الماء من بعيد إن جففت، أقلّب في أوراق علمية كثيرة لأفهم وأتعلم، وأقرأها بسلاسة وأفهم كل ما يقال فيها دون عناء، أفهم المصطلحات التي لم أظن يومًا أنني سأعيها، وأعلم ما أفعل وأنا أجد ضالتي ولو كنت بذاتي ضالة. هل بعد هذا المنهل انقطاع؟ لا أدري. أعني، لا أرجو. 

أحمل زادي في هذا الفصل الطويل من حب الأصدقاء، ومن إحاطة أهل القرآن وتمسكهم بي ولو فرّطت، ما كان نعيم أعظم من ألا يرضى أن يفلتني أحد من أهل القرآن ولو لم أتمسك به، ما كان حب أعظم من هذا، ولا أبعثَ للسرور في نفسي من أصحاب يُلصِقون القرآن بي فلا يخلو ليل ولا نهار منه. حلقتي الأولى التي وهبني الله إياها من العدم بعد انعدام الأسباب والتي كانت هي وبناتي فيها بردًا وسلامًا على قلبي، إقراء بناتي، جلسات التسميع اليومية، الصحب الذين لا يصبرون عن حلقات القراءة معًا مهما شغلتنا الحياة. أحمل زادي من دورة المنتصف الماضية التي كانت قطعة من جنة السماء لولا التعب فيها، ومن دعوات أمي، ومشرفة مشروع تخرجي التي لا تعلمني علمًا مجردًا، بل تحنّ علي ثم تعلمني وتتجاوز كل هفواتي حتى أتقن، وتفتخر بي أمام الطلاب لإتقاني هذا الذي علمتني إياه أو ذاك. أدعو الله أن أكون غرسًا راسخًا في تخصصي، وأن أكون غرسًا أرسخ وأكثر إثمارًا في المشروع القرآني. 

أحمل زادي من الذكريات، أتذكر أيامي الصعبة الأخيرة نهاية الفصل الماضي، مرابطات المذاكرة في المكتبة حتى وقت متأخر من الليل، اجتياز هزائمنا النفسية وسط المذاكرة والحروب باستراحة نتلو فيها آيات في الهواء الطلق، البرد الذي لا يكسحنا ونحن معًا، ووجبات المقهى والشوكولاتة الساخنة التي أعدها وطلب غداء السبت، كل هذا وإن مضى وولى ذكراه تمدني بالقوة، والشعور بالسند مهما تعثرت.

أدعو الله ألا أنطفئ ولو لم يكن كل معلميّ لفصلي الأخير ملهمين. أرجو ألا تنطفئ الشعلة التي أوقدها كل من قبلهم ولو أطفؤوها هم، أرجو أن أقتبس العلم كله منهم، ولو لم أستطع اقتباس النور. آمل أن أحمل بداخلي ما يكفيني من النور ولو لم يوقدوه هم. 

ستبدأ الاختبارات الفترية الأسبوع القادم بإذن الله وأنا لازلت لا أذاكر كما ينبغي وسط الضغوط من كل الجهات، سارة المباركة، أمي وضيوف استقبال المولودة، المشروع القرآني وهمومه، حياتي التي ألم شتاتها من صوب فينفرط عقد الجهة الأخرى، يتكفل بها الله. 

حين تجتاحني مشاعر الوداع، أهزمها بأن أقول أنني لن أبتعد كثيرًا، أتجاهل قلقي من ترقب العائلة تخرجي لأكون أقرب، وأعيش الفصل الأخير بكل تفاصيله. أقدّس كل لحظة وأمتن لله عليها. أقضي في الجامعة أغلب يومي، لا أستخسر الأوقات التي أبذلها لخدمة الناس وللعطاء لمن أحب، أغيب عن القسم لأكون موجودة في مقرّ حلقاتنا، بيتي الثاني المغمور بالدفء الذي لا تنقطع فيه أصوات التلاوات والصلوات واللقاءات المبهجة الباعثة للطاقة. لا أنفكّ عن حفظ كل من أحب في دعائي وقلبي، وأولهم أهل القرآن. أدعو الله أن يحسن مقامي وأثري، وأن يجعلني مباركة أينما كنت، غيمة خفيفة تظل العالمين، وتخص بمطرها من ابتغاها ظلًا. رب اجعلني غارسة الحب والخير، أمضي أنا ولا يمضي هو. شعار الخطوة الأولى والأخيرة: ﴿وَاصبِر فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضيعُ أَجرَ المُحسِنينَ﴾. ❤️

السبت، 21 ديسمبر 2019

مذكرات خرّيجة 7.

صباح يوم جميل، أصحو فيه متأخرة بعد يوم مرهق، أتجهز سريعًا لإقراء فاطم الصباحي، آخذ ما أحتاج وأخرج مثل كل يوم رتيب، يدهشني كل شيء في الطريق وأحمد الله على كل النعم واحدة واحدة، أصل إلى الجامعة وأنا أخشى أن أتأخر عليها، أصل إلى المواقف بسلام، أنحني بالسيارة وأنطلق بها إلى آخر المواقف حيث لن أجد موقفًا إلا هناك، وفجأة دون سابق إنذار، يمسكني حزام الأمان بقوة بعد صوت ارتطام هائل، وأجد كل أغراضي التي في السيارة في أرضية مقدمة السيارة أو عند الزجاج الأمامي، لا أدري هل هي عطسة سببت شطحًا في خيالي أم واقع ما حصل، أحاول استيعاب الأمر، أفك حزام الأمان، أنزل أمشي، أرى الشظايا في الشارع، وأرى لوحة سيارتي الأمامية وقد تبعجت، وأرى مقدمة سيارتي مدمرة، آخذ لوحتي، أعود للسيارة، أحاول تحريكها حتى أجد لها موقفًا، لا أعرف كيف كنت أحاول استيعاب كل شيء بهدوء تام وأنا في وقع الصدمة ولا أفهم ما جرى، أوقفت سيارتي بهدوء، وقفت التي وقع معها الحادث قريبًا مني، أعرفها؛ صديقة صديقتي التي دائمًا ما أراها معها. هي جزِعة ومصدومة تحبس دموعها، وأنا المصابة التي تهدئها وتقول لها أن كل شيء سيكون على ما يرام. تمضي هي، وأرسل لفاطم أعتذر عن تأخري وأقول لها أنني سأكون عندها بعد دقائق، لا أدري ما مقدار الدقائق التي ألحق فيها أن أستوعب فيها ما حصل، وأطبطب عليّ لأن لا أحد سيفعل في هذه اللحظة، وأتأكد أنني بخير، وألم كل شظاياي التي لن يراها أحد في موقع الحادث، وأترجل من السيارة أنا وحقيبتي ومطارتي، وأمضي إلى المصلى. أرسلت لسليمان الذي توقعته نائمًا أن حادثًا قد وقع لي، وأكدت لفاطم أنني قريبة. دخلت المصلى وهي متحمسة للقراءة وأنا تحت وقع الصدمة ورقبتي مشتدة، أخبرتها، واستني وقالت أن لا داعي للقراءة الآن؛ المهم أن أكون بخير، جاءت أفنان تطمئن علي وتلمني وهي تخبرني عن صديقتها التي انهارت وأنا لا أبالي ألا أكون بخير على أن تكون هي بخير، بدأت فاطم تقرأ فغشتني السكينة، ثم انطلقت إلى المختبر وأنا مهما لفني من سكون أقول أن ارتجاجًا في الدماغ قد حصل لي من قوة الحادث لذا لست بكامل عقلي. أخبر أقرب الأصدقاء فأرى عمق الامتنان والحب في عيونهم وهم يحمدون الله على سلامتي ويتأكدون أنني بخير، ولو قلت أن رقبتي وظهري يؤلمانني من قوة الصدمة حاولوا تخفيفه بأي طريقة كانت. أقابل مشرفة مشروع تخرجي لنباشر العمل فتسألني عما بي وأجيبها أن لا شيء، فتصر أن أقول وهي تقول: أنا أعرفك. هذه التي أراها ليست مزنة التي أعرف. كنت في داخلي أقول: نعم، هي مزنة المهزوزة التي تكاد تساقط، لا الصلبة. قلت لها أن حادثًا وقع لي فحمدت الله جزيلًا على سلامتي وذكرتني بالصبر عند الصدمة وكيف يكون البلاء دفعًا لشرور عظمى لا ندركها بعقولنا القاصرة ونحن نحسبها شرًا، ترد روحي بكلامها، وتقول أن لا بأس عليك ولا تعملي اليوم. وسط بعثرات الحياة تأتي الصديقة التي تلم كل شيء فيّ، نتأمل السيارة المتحطمة مقدمتها وأسترجع كل شيء، ثم نمضي معًا إلى المكتبة. ما ألبث على المذاكرة حتى تأتيني اتصالات لإنهاء إجراءات الحادث، ننهي الإجراءات ويمنحني الله القوة لمذاكرة الفطريات رغم أن ظهري ورقبتي ينهاران، لكن الصديق قوة تهزم كل الظروف ووجوده بجانبي دافع كافٍ لئلا أستسلم. يمضي يوم بدأ خفيفًا واصطدم بجدار سميك ثم اختُرِق بقوة الله التي يمدني بها على شكل صديق قريب. أحاول تذكر ما قد يكون سببًا في هذا البلاء، فأتذكر أذكار الصباح التي نسيتها هذا اليوم، وألومني على حلمه وسفهي. أعود إلى البيت وآوي إلى فراشي، وتبدأ رهبة من فيض الشعور. الحمد لله الذي كان قادرًا على أخذ روحي في الحادث لكنه أمهلني، الحمد لله الذي كان قادرًا على شلّ جسمي، أو كسر عظمي، أو رضّ جسدي، لكنه من وتكرم وأجزل فمنحني تلك اللحظة التي نزلت فيها وأنا أمشي وأتفقد ما حدث. الحمد لله الذي لم يأخذ بصري ولم يحجب سمعي ولم يسلب لمسي ولا حسي، الحمد لله الذي أكرمني وعافاني وآواني وكفاني. كنت أشعر أنني أملك الدنيا كلها وأنا أنزل بعد الحادث بثوانٍ وأمشي على رجليّ سالمة معافاة دون أي نقص أو وجع، وأن الدنيا تصغر كلها حين أكون بخير، ومن أحب قربي حريصين عليّ يؤذيهم أذاي ويهرعون لنجدتي إذا ألمّت بي ملمّة. الحمد لله على نعم أستغرق فيها عمرًا ولا أشعر ولا أشكر، الحمد لله على لطفه وكرمه وحلمه المتعالي عن سفهي وعيبي ونسياني. 

"الله أعلم كيف يزجي منحة
في محنة والمبتلى لا يعلمُ!"
كان ظاهره بلاءً عظيمًا أن أصاب في سيارتي، كنت أسأل الله الرضا والخير وإن عميت عنه. استيقظت صباح اليوم التالي غير قادرة على تحريك رقبتي ولا كتفي ولا ظهري، وأحمده مرارًا على عَرَض عابر بدلًا من إصابة جسيمة، كان كل الحب يتجلى فيمن قربي وهم يحرصون على أن أرتاح وألا يؤذيني شيء، وهذه منحة لم أكن لأشعر بها لولا المحنة. تمر الأيام ثقالًا عليّ دون سيارتي وأنا أشعر أنني مقيّدة وواجب عليّ ربط برنامجي ببرنامج أحد غيري وأنا في خضم ضغطي الدراسي واختباراتي المتتالية. ما كان الله ليدعني أحزن ولا يرضيني، أعطاني فأجزل، ومنحني فوق الرضا، سخّر لي صديقات بهجة قلوبهن أن أكون معهن صباحًا وينسقن جداولهن على جدولي، ومناهن أن يرجعنني إلى الشقة بعد يوم طويل. أعطى الله فأجزل، لم يذرني وحدي أقاسي الهم واليأس والتعب، لم يدع تلك المدة العصيبة من فصلي وسنتي الأخيرة تمر وأنا وحيدة هشّة، بل أزجى المنحة كل المنحة في المحنة، كانت قلوب الأصدقاء بهجة الصبح وهزيمة كل المتاعب، وكانت سكينة المساء وإلقاء الوهن عن كواهلنا قبل أن أصل إلى الشقة. ما غلبت كل هذا وحدي، بل رعاية الله التي تمثلت فيهن وهن يتنافسن لإرجاعي ويتشاكسن لذلك. لولا المحنة؛ لما التمّت قلوبنا على بعضها كما الآن، ولما تدفأتُ هذا الدفء ولا غالبتُ الوهن، ولكانت سنتي الأخيرة جوفاء وأنا كل ما أملكه في صفِّ جُندي. كان قلبي -بهذه المحنة- مغمورًا بالدفء، خفيفًا لا ينتابه ما كان يخيّل إليه أنه سيكون عالةً، وكان الحرص يغسل كل حوبة.

تبدأ الاختبارات الثانية مصحوبة بابتلاءات كثيرة، كنت أسأل الله الصبر والثبات، وأسأله الرضا والسكينة أبدًا. تبدأ متراكمة متراكبة فلا تنتهي إلا ويأتي عليها غيرها حتى وصل هذا اليوم الذي يسبق أسبوعَي الاختبارات النهائية. غبت كثيرًا عن الأهل ومناسباتهم، لم أكن موجودة في لحظات كان ينبغي علي أن أكون كذلك، لكنني كنت أبذل كل ما في حدود طاقتي. تأتي إجازة اليوم الوطني بعد أيام ثقال كان عزائي فيها ذاك المتنفس، أتنفس فيها الصعداء وأخرج إلى الطبيعة لألم هواءً نقيًا يكفيني إلى أن ينتهي هذا الوقت العصيب. قرب العائلة دواء لكل شيء، والتماس أمي الأعذار لي وهي تقول لي لا بأس أن تغيبي لتكوني أفضل ولتمر هذه الأيام بسلام وتتخرجي بسعادة، حتى حين يهزمني حزني من غيابي وشوقي، تأتي أمي فتزجر مشاعري لتكف عني أذاها لأكون أنا بخير، ثم تغمرني بدعواتها التي تجعل كل شيء في حياتي بكل الخير والعافية. تقول أختاي: لم يبقَ شيء، هانت، اصبري، رغم أنهما الأكثر حاجة وشوقًا إليّ. ستمر هذه الأيام الصعبة كلها خفيفة عليّ ما دمت محاطة بهذه الرعاية. 

العافية هي أن يكسّرني همي الدراسي فأتجه دون تفكير إلى مكان الحلقات في الاستراحة، ذاك المكان الذي نسميه بيتنا، فأجد فيه صحبة القرآن دومًا حضور. أكتفي بالتلاوة معهن، أو احتضانهن، أو حتى الفضفضة والتشكّي من قسوة الحياة عليّ فلا أجد إلا تربيتة كتف أو كلمة تطبب أو تلاوة عذبة. الحمدلله على عنايته ولطفه بي في أحلك الأيام، الحمدلله على نعيم لم أكن أتصور أنني سأعيشه.

تمر الأيام سريعة رغم ثقلها، يمضي ما نعمل عليه طوال الفصل ويقارب النهاية، كوابيس الليل الممزوجة بإخفاقات النهار التي نراها كوابيسًا تحت ضوء الشمس، التعب والمحاولة ألف مرة حتى تنجح تجربة، التلوث في تجربة البكتيريا التي تتطفل إحداهن على الأخرى وتفسد علينا تجربتنا، والفطريات التي تخجل من أن نراها مكشوفة تحت المجهر فتأبى إلا أن تتغطى وتتنكر حتى لا نعرفها، والعيش في المختبرات ومعطف المختبر الذي لا تخلو حقيبتي منه ولو لم يكن لديّ مختبر ذاك اليوم لأنني أعرف أنني سأقضي فيه أغلب يومي ولو لم يكن في الخطة، كل هذا يمرّ. تأتي اللحظات الأصعب، الخواتيم؛ حين نصل الليل بالنهار في اللحظات الأخيرة لمعرفة هذا الفطر أو ذاك، فأكتب أنا عن هذه وتتعرف مروة على ذاك وأسماء تتولى البحث عن الثالث ومروة تسدد وتقارب في العاشر، تمطر السماء مطرًا غزيرًا فترتوي البلاد والعباد، ونحن نقضي يومنا منذ الصباح في المختبر بين يأس ومقاومة حتى يطردونا من المختبر ليلًا ليغلقوه. لم يكن الشيء الأكثر متعة حتمًا، لكن متعة الاستكشاف والدهشة كانت السيدة، والساعات العصيبة التي تجاوزناها بنكت الأصدقاء وتربيتتهم على أكتافنا -رغم أنهم معنا في مصيبتنا- حين ضقنا ذرعًا بالفطريات كانت وسامًا في القلب، لم تكن الأيام لذيذة، لكن حلاوة الأصدقاء فيها كانت تحلّي كل المر. لم تسعنا الأرض ونحن نضع التقرير النهائي و16 طبقًا من الفطريات زرعناهن بدماء قلوبنا وبذلنا عليهن عمرًا لنعرفهن أكثر. كانت مروة تقول أن لذة الشيء في تعبنا وبذلنا له في اللحظات الأخيرة وقلوبنا قلب رجل واحد. نهاية الجَهد نشوة لا تضاهى. الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

أحرم نفسي من رواء قلبي الأسبوعي برؤية أمي وأختيّ وابنيهما لأعمل للعرض والتقرير والاختبار المجتمعات في يوم واحد. يواسيني الله بصديقي وابن أختي الذي يأتي لينجز أعماله بجانبي. يسوءني ألا أكون من أريد مهما بذلت، وأن أفقد تركيزي فلا أنتبه إلى تفاصيل صغيرة تخرجني عن مساري كاملًا، ويسوءني أن أخيّب ظن معلّم مخلص بذل من أجلي كثيرًا وأحسن الظن بي ولم يتوقع مني خذلانه. أبذل أضعاف الجهد لأثبت أنني على قدر ظنهم وبذلهم مهما نسيت أو سهوت أو فقدت صوابي وفاتتني معلومة مفتاحية، وأزهو بلمعة عيونهم فخرًا بي بعد أن أفعلها. أتوه كثيرًا وأنسى أكثر وأنا في رحلة التعلم الذاتي وأنا أغرق في بحر العلم مترامي الأطراف دون أن أجد بغيتي، وأعاني كثيرًا لأجدها، ثم أجدها في النهاية وأستشعر أن ذاك الوقت كله لم يضع سدى، بل كان يصنعني ويعطيني تجارب لئلا أنسى.

أجهّز عرضي الأخير لهذا الفصل بعد أن عرض كل الطلاب ولم أعرض أنا لحمّى داهمتني بعد اليوم المضغوط، لا أعرف ما سبب الحمى تحديدًا، ومروة تقول أنها متيقنة من أن الضغوطات سببها لا أي التهاب كما تقول أمي. أترك معرض اللغة العربية الذي خططت لحضوره وأعد عرضي متكئة على كتف صديقة أستمد منها القوة. أعرض المشروع الذي أخذ مني عمرًا ثانيًا غير المشروع الأول في خمس دقائق، كم يبدو تفاوت الأوقات مربكًا! يسألني المعلم الأكثر إلهامًا وأجيب عليه أخذًا وعطاءً، أعاند إن لم أعرف الإجابة وأربط كل ما أعرفه حتى أصل للإجابة التي يريد، ألمّ كل ما تعلمته في الفصل بإصراري وعنادي في ذاك الحوار، ينتهي النقاش. أسأله عن أدائي؛ فيخبرني أنه فخور بي وأن شغفي وإصراري وعقلي يجب ألا يتوقفوا عند هذا الحد. ما قيمة الأتعاب والتضحيات أمام هذه الإنجازات التي لا تسعني الأرض عندها؟ لا شيء يضاهي أن تقتبس العلم مستنيرًا به، وأن تعاند إلى النهاية وتصر ألا تدعه -مهما ركلك- حتى تبلغ مرامك. 

قد آن وقت الختام وترميم كل الخراب الماضي، قد آن وقتٌ كل الطاقات فيه استُهلكَت والقوى خارت، لكن الإصرار سلطان الموقف الذي لا يفلح من لم يتمسك به. قد حان وقت صعب سيمر سريعًا خفيفًا إن لم تسمح للتعب أن يغزوك أو يغزو أصدقاءك رغم أنه في الحقيقة ثقيل. قد حان وقت التحدي، وأنا أقبل التحدي الذي ما خضته إلا مع نفسي لأكون أحسن، ثم مع ما أذاكره وهو ثقيل عليّ. قد حان وقت الجهاد والله يعلم كل السعي والمقاومات، فهل من مشمّر؟

السبت، 23 نوفمبر 2019

مذكرات خرّيجة 6.

لكل منا صراعاته التي لا يعرفها أحد غيره. لكل منا انهياراته وانكساراته التي قد لا تكون مبررة عند الناس، لكنها كافية جدًا لكسره. لكل منا انتصاراته وهي تبدو تافهة جدًا في أعينهم جميعًا، لكنها الأعظم في قلبه. لكل منا روح مرتوية حينًا وعطشانة حينًا آخر، وقلب يتحمل ما لا يطيق ليصل. لكل منا قلب جائع للحب والرعاية مهما كان جسده صلبًا ويكسّر العالم. لكلٍّ منا إخفاقاته، ولكل منا دهشته التي لا تنطفئ مهما أراد العالم إطفاءها. لكل منا حروبه المضطرمة، وأنا حربي في أوج اضطرامها.

تكسّرني الحياة من كل جهة، تنسدّ كل الدروب، تنهال المصائب، وتتكالب الغموم، ينهدّ جسدي حين أشتته بين كل هذا وأنا أحارب لأذاكر. أنزوي عن كل شيء بوهني، أصلي صلاة أطلب فيها المدد، أبدأها وأنا واهنة، أكلم الله، أتلو قصة طالوت وجالوت، أقول "ربنا أفرغ علينا صبرًا وثبت أقدامنا وانصرنا". أخرج من الصلاة وقد هزمتهم جميعًا بإذن الله، أخرج منها غير محملة بما لا طاقة لي به، أخرج خفيفة قوية مستعدة للمواجهة. وهل الصلاة إلا استمداد؟ أي رحمة من هذا الإله العظيم الذي يوقفنا من دوامة الحياة لوهلة لئلا ننسى ولا نتعب ولا نضعف؟

أضع شعار المرحلة ﴿وَلَنَبلُوَنَّكُم حَتّى نَعلَمَ المُجاهِدينَ مِنكُم وَالصّابِرينَ وَنَبلُوَ أَخبارَكُم﴾. أتقوى على كل شيء وأواجهه لئلا أخرج من زمرة المجاهدين. أصير هشة ويكسّرني أي شيء عابر، أود لو بوسعي أن أختبئ إلى أن ينتهي هذا كله وأخرج لأجد الحياة دون عواصف، لكن هذا لن يحدث، ولن يواجه هذا كله أحد غيري. أختار الخيارات الصعبة بألا أستسلم، تمر الأيام، رغم الأرق والثقل ينتهي اليوم الذي عليّ فيه اختبار وتسليم تقرير وتكليف ومسابقة. يمر، وكما مر هو سيمر غيره. لم يمر هذا بقوتي وحدي، الله يرعاني ويغمرني بألطافه، ويحيطني بسند لا أنكسر ولا أنثني معه أبدًا؛ صديقاتي وأمي وأخواتي؛ هؤلاء اللاتي لو أكلتني الحياة لوبخنها وأجبرنها أن تلفظَني رغمًا عنها!

يمر بعده أسبوع طويل واختبارات متتالية، لا تعرف كيف تواجه فيه ظروف البيت وأهلك تتكالب عليهم المصائب وأنت تترك قلبك معهم وتجبر عقلك أن يذاكر.  لم تكن المذاكرة يومًا تحديًا يستحق الإشادة، لكن المذاكرة وأنت قد استنفدت كل مخازين قواك هي البطولة. استنفدت قواك في المواجهة لأنك تبذل دون أثر جلي للجهد، ولكنك لا تستنفد قواك أبدًا وأنت تتذكر "والله معكم ولن يتركم أعمالكم". يعلم الله كم كسرًا نحاول أن نجبر، وكم شجارًا نحاول أن نفك. يعلم الله السلام الذي نحاول أن نستمده بنثره لمن حولنا ولو لم نكن نحتويه نحن. يعلم الله الجهد، ويعلم الناس النتيجة، وما عند الله خير وأبقى. 

تعب الأصدقاء يتعبني. ولكنه يواسيني في الوقت نفسه أنني لست وحدي. نتواسى، ونقول ما قالته ماريا:
أنا ما قنطت من النجاحِ لعثرةٍ 
بل مدّني الإخفاق أضعاف الأمل.
الله يعلم ما يُقاسي خافقي 
والله يعلم كيفَ أخلِصُ في العمل
يكفينا هذا ويقوينا. ثقة من نحب بنا كافية لأن نمضي دون التفات. ثقتهم بأننا سنفعل وسننجز وسنتقن وسنخفف عن العالم أوجاعه تكفينا. حين أكاد أنهار فأشتكي عند أمي فتذكرني مرارًا أنني قوية وقادرة بإذن الله مهما تكالبت الحياة عليّ وأنها جميعًا لن تهزمني. إن كانت أمي تظن أن الحياة لن تهزمني وأنهم لا يستطيعون كسري، فإياها أن تمسني بسوء وإلا دمّرتها!

كلما ضعفت أو تعبت، أرسل الله لي صديقًا يطبطب، بل وينازعني ألا أتعب، وإن حاولت شكره أكد لي أن شكره هو ألا أتعب وأواجه بقوة. لا أدري كيف يجدر بي أن أستكين وأنا محاطة بكل هذه العناية الفائقة التي لا أكف عن الامتنان لله أن أحاطني بها. لا أملك اللغات ولا الحروف، لكنك تفعل يا الله، وتعلم كل الكلام المتبعثر داخلي. شكرًا. 

بعد جهادنا ألا ننثني، نواجه العالم بقوة دون انحناء. نقضي 3 ساعات ونصف من العمل المتواصل فنخرج بثلاث شرائح ناجحة، و22 شريحة فاشلة. رغم التعب دون نتائج واضحة، لا نتعب ونحن نواجه هذا مع صديق يقوينا ونغني معه "نملك الخيار وخيارنا الأمل، وتهدينا الحياة أضواء في آخر النفق تدعونا كي ننسى ألمًا عشناه، نستسلم لكن لا ما دمنا أحياء نرزق ما دام الأمل طريقًا فسنحياه". لا نتعب لأن العلم يستحق كل هذا، وإن تعبنا؛ فمن للعلم من بعدنا؟

أحمد الله مليًا أن اختار لي هذا الدرب ولم يختر لي الدرب الذي رجوته مرارًا أن يكون. أحمده أن بصّرني كم أن هذا الدرب الذي يراه الناس مظلمًا؛ هو الإشراق بذاته. ليست العلوم البحتة وقضاء السنوات الطوال في محاولة إجابة سؤال واحد بألف تجربة وخمسة آلاف إخفاق؛ هذه حتمًا ليست الشيء الأكثر متعة وإثارة. لكن أن تقضي عمرك وأنت تقطع هذا الدرب بشغف هذا اختيار شجاع، وبنّاء. لم يكن الطب الذي ينقذ حياة الملايين كل يوم طبًا وحده، بل كان بسنين الإخفاقات ومحاولة فهم معلومة قد تراها اليوم ساذجة. لم تكن كل هذه المسلمات التي لا تعيش إلا بها كذلك، بل كانت حيوات أفنيت في تحقيق أبسط ما يجعلك تحيا مرتاحًا اليوم. الورقة العلمية التي تستصغرها وأنت تقرأها كموجز أنباء، كانت سهرًا ودموعًا وجهودًا وإخفاقًا واستسلامًا وإصرارًا ومواصلةً وإقدامًا وشجاعةً. هذه الأشياء التي تستصغرها أحياها الشغف، وما يحييه الشغف لا يموت. الجند المختبئون وراء مختبراتهم ومعاطفهم كبار نفوس إلى حد لا تدركه، هم بذرة خير تزرع في هذا العالم لينمو علمًا تطبيقيًا تخضرّ به حياتك، ولكنك لا ترى غير الاخضرار.  

نواجه ما نكره لنصل إلى ما نحب. ربما لا نصل إلى ما نحب فعلًا، لكننا ونحن نقطع ما نكره؛ نحب وضعنا ونحن نحارب، وهذا وحده ما سيصنعنا. نشق الدروب رغم التعب بالحب، والله معنا ولن يترنا أعمالنا.