الجمعة، 26 يوليو 2019

أيام خفيفة ثقيلة 3

شعور من الجنة ذاك الذي يتسلل إليّ حين نستقطع الإقراء لسجدة تلاوة نسجدها أنا وابنتي، نعيم لا متناهٍ حين تقرأ وأنا أستمع إليها وهي تصحح الخطأ تلو الخطأ بعد أن تمخضت معها وهي تجاهد وتبحث عن الحل تلو الحل لتقوم لسانها وتجود حرفها. ختم البنات؛ لحظة العرس القرآني الذي نحتفل به وننتشي أكثر من أي شيء، طوق الياسمين الذي تصنعه الشيخات ليلبسنه الخاتمات، كل هذه التفاصيل الصغيرة لن ينساها الله. 

الجو المعطر حتى الإشباع بالحب واللطف واللين، ذاك الجو الذي لا نسمع فيه لغوًا ولا تأثيمًا، لا تؤثر عليه إلا العتاب والزجر حين تقصر إحداهن؛ الذي ما قُصِد لذاته بل لما يُرجى منه، الإفطار الصباحي على الشروق واستنشاق نسمات الصباح، المشي ليلًا ونهارًا في أرجاء المجمع وتأمل أدق التفاصيل التي توصلنا إلى الله، الآيات التي تنغرس في القلب وقت البكرة، الأذكار الجماعية، والحلقات التي هي رواء، بحبوحة تستحق التضحية. 

قال لي أبي اليوم بعد أن انقطعت عن أهلي زمنًا لا أراهم فيه: "لماذا تتعبين نفسك هكذا يا ابنتي؟". لا يعلم أبي لذة العيش مع أهل القرآن، ولا لذة البذل لأجله. كذلك لا يعلم أبي ألم الإحباط من ضعف النتائج أو حين يمسكني إرهاقي من البذل عن البذل أكثر. لا بأس، كل مر سيمر، ولا ينسى الله تعبًا ولا جهدًا. 

كل الأيام الثقيلة تغدو حُلوةً عذبة إذا حَلَا السائرون معك، ثقل السكن الداخلي يمسي حلاوة وهو ملازم لأهل القرآن؛ للصحبة الطيبة التي تزرع في القلب الخير فيزهر من فوره. ننغمس حُبًّا حتى ننسى الحياة، ننسى أننا ضحينا بكثير لأجل هذا، ننسى الشوق الكاوي إلى أهالينا، بل ننسى حتى أن نتصل بهم حتى تصلنا أشواقهم وعتاباتهم. اليوم الذي لا تجد فيه قطعة لفراغ من إقراء إلى حلقة إلى مذاكرة إلى مدارسة ومناقشة إلى نوم محسوب بالدقيقة إلى الاستحمام السريع إلى طلبات الاستماع للتلاوات التي لا أدري أين أضعها في يومي المزدحم، كل هذا يمثل معنى النعيم حين تبذل لأجل هدف عظيم؛ هدف لا ترى ثمره في الدنيا فحسب، بل نرجو أن نجد الله عنده فيوفينا حسابه. صدقت ندى؛ لذة العطاء تفوق لذة الأخذ. 

صحبة القرآن عائلة لا غنى عنها. أولئك الذين يحرصون عليك؛ على تعاملك، على جهادك، على نومك وتعبك، على مرضك، وعليك من نفسك. لا عوض في الدنيا كلها عن إخوة حريصين يهتمون بك أكثر من نفسك لأنك أنت، وللقرآن الذي بينكم. العزاء كل العزاء لمن لم يذق طعم الصحبة الخالدة، تلك التي حتى وأنت ترتع وتلعب معها، تشعر أن بينكم امتدادًا يتعدى حدود هذه اللحظات السعيدة، امتدادًا يخلّد السعادة في الآخرة. مهما قست الحياة وأمست مُرّة، الصبح كل الصبح أولئك الذين يوصونك بالحق، ويوصونك بالصبر؛ حتى يحيلوا الخرقة المثقوبة بداخل صدرك إلى أساور من ذهب وثياب خضر من سندس وإستبرق. لا شيء في الدنيا كلها يعادل ولو جزءًا من هذا النعيم، لا شيء من حظوظ الأرض كلها يعكس شيئًا من هذا الحبّ. حبٌّ لا تملك مجازاته إلا بدعاء خفي  يستدعي منك استمساكًا بكل ما تملك؛ وأن تترك كل السفاسف لتحافظ على العروة الوثقى.

الإحباط المتراكب عليك من قوة بذلك وضعف ظهور نتائج البذل يكفله الله. على كل التعب المكبوت المتراكم؛ يظل الله يخفف عنك أبدًا؛ بهدية من حبيب، بكلمة لطيفة أو اعتذار من البنات، برؤى صالحة تدلك أنك في الطريق الصحيح، يتجلى لطف الله العظيم ليقول لك هوّن عليك، ويطبطب على قلبك وأنت تجاهد وتشقى لأجل هدف عظيم. يخفف الله عنا مرارًا وتكرارًا، يرى ضعفنا فيرحمنا ويلطف أبدًا. الحمدلله. 

أستيقظ فلا أجدني قادرة على النهوض من تراكم الإرهاق على جسدي المُضعَف بوهن الزكام، أبحث عن سبب منطقي يجعلني أحمل جسدي المتهالك، الحلقة سبب مقنع، لكن قوتي لا تسعفني. يسعفني في تلك اللحظات تسلل أصوات ضحكات البنات وهن يفطرن في وئام وسعادة. لا شيء يعدل صحبة القرآن وتجمعها والسعادة في الأحاديث والضحك معها. هناك ما يستحق النهوض. 

للمشروع القرآني كل الانتماء، للدورة المكثفة حب عميق، ولرفقتي كل المودة والسلام. ربنا اجعلنا مباركين أينما كنا واستعملنا ولا تستبدلنا. اللهم علمنا وفهمنا وأدبنا بالقرآن. 

السبت، 22 يونيو 2019

مذكرات طالبة جامعية 18

مع شروق هذه الشمس، يجب أن يشرق ما في داخلي لأقول أنني مع بالغ الأسى؛ حزينة. لست حزينة على وداع الجامعة والصديقات المتخرجات، ولست حزينة على الإجازة بل هذا يستدعي الاحتفال. ولكنني حزينة لأنني أنهي للمرة الثانية مادة بمعلومات كثيرة مفيدة، لكن دون أن أجد بينها رابطًا أو أفهم كيف يمكنني الاستفادة من هذه المعلومة واقعيًا. يسوءني أني أحشو رأسي بمعلومات أفرغها في ورقة الاختبار وأغادر دون أي محصول حقيقي يجنى، ويهينني وعقلي أن أبذل كل هذا الجهد والوقت والمال على شيء لا يكاد يذكر. لا يهمني أن أنهي هذه المادة التي يتمنى جميعهم الخلاص منها بأي طريقة كانت، بل يهمني أن أخرج بشيء يفتح لي ذهني، وأظن أن هذا أبسط حقوقي. 
23-5-2019 5:59 ص

مرّت الأيام، وبالمناسبة، حتى المعلومات التي حشوت بها رأسي دون وعي؛ لم أجد ما يغنيني منها في الاختبار فكثير منه لم يكن منها أصلًا! أظن أن هذا الاختبار حصل على وسام أسوأ اختبار اختبرته في حياتي كلها، وهو يستحق بجدارة هذا الشرف العظيم. لم يكن مهمًا حقًا، لم أكن مبالية لأنني مهما استفرغت جهدي كله أعلم أن جهدي لن يؤتي أكله في هذه المادة مع هذا المعلم الذي لا يبالي بتعليم المادة حقًا، قلت حين خرجت: "اللهم إن كان الأمر متكلًا إلى ما أدّيت وإلى كيد هذا المعلم، فأعلم يقينًا أنني راسبة حتمًا. لكن الأمر إليك وبيديك، وأنت أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وأنت خير وكيل." انتهى الأمر عند هذا، لم أكن أعرف كيف أرقّع جسدي وهو غدا خرقة بالية بعد أيام طوال لا ينام فيها نوم إنسان طبيعي ولا يأكل أكل إنسان طبيعي ويقاسي الوحدة في أمرّ صورها. الحمدلله مر كل شيء وانقضى. 

ظهرت النتائج في الثالث والعشرين من رمضان وأنا معتكفة، لم أشأ أن أفسد عليّ صفوَ ونعيم العبادة والاعتكاف، ولا فرحة العيد، ولا نشوة زواج ابن أخي وحفيد أبي الأول. بعد أن استقرت الحياة وعاد كل شيء إلى مكانه في السابع من شوال، قررت رؤية معدلي. كنت أدعو بالرضا وبالعطاء الرباني لأنني استهلكتني لأصل، ورضيت. توصلت إلى أن بعض الأمور لا حل لها، وأن بعض المعلمين اختباراتهم صعبة المراس لا مفر منها ولا مجال لأي تدخل طلابي لتغيير مجاري الأمور وتوزيع الدرجات التي غالبًا ما تكون سيئة. لا مضرة من درجة سيئة تنفض معدلي نفضًا عنيفًا إن كنت تعلمت من المادة ولممت أكثر ما بها لكن الاختبار كان لذوي القدرات العالية، لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون. 

انتهى كل هذا. وبدأنا نعيش الإجازة بلذة الحياة وأنت تخطط لكل دقيقة فيها وتختار ماذا تفعل وماذا تترك وترتب حياتك دون مؤثرات خارجية تعكر صفو الحياة -كالمذاكرة-. ما مضى أسبوعان إلا ونستعد لبدء فصل جديد من الإجازة. بعيدًا عن غبطتي مروة ومروة وهيا وهن يتدربن ويجنين ثمار التخصص تطبيقًا في الحياة الواقعية، أنا المحظوظة بالنعيم الذي سأبدأه غدًا بإذن الله.

فصل الإجازة الجديد هو الذي حاربت لأجله، وضحيت بكثير لأناله، والعالمون جميعًا لا يعلمون النعيم الذي ينتظرني فيه. منذ سنتي الجامعية الأولى، يتعجب من يسمع أنني أقضي إجازتي في الجامعة، بل في السكن الداخلي الذي يهرب منه الناس إلى نعيم البيت ودفئه. لا يعلمون ما معنى أن تترك العالم جميعًا وتعتزله بكامل وعيك واختيارك للقرآن، ولا يدركون كم أستشعر أن وجودي في الجامعة كطالبة مقيدة يوجب علي أن أستغل هذه السويعات قبل أن أتخرج وتزيد علي مسؤوليات الحياة فأتمنى لو أرجع وأتمتع بهذا ولو لدقائق. غبت سنةً عن المشروع القرآني فكان الفراغ بكل معانيه، راعيت بيتي وأنا أركض لأستمع للشيخ لساعة زمن ثم أعود إليه، ثم مكثت عند أمي في الصيف دون الدورة المكثفة، لأجدني كذلك أركض دون جدوى. ثم في المنتصف، للظروف العائلية اضطررت ألا أسكن، ولكنني لم أتنازل عن الوجود في الدورة، فكان معنى النعيم والإنجاز. تعلمت أنني حين تركت الأمر مراعاة لغيرها من الأمور تركتني كل تلك الأمور دون شيء يذكر، وحين أمسكت به، أمسك بي كل شيء وسهل الله حياتي كلها. إنه القرآن وبركته، إنه شرف وخيرية تعلم القرآن وتعليمه، رزقنا الله شيئًا منها.

بعد غياب طويل موحش، أعود فألم أغراضي في رأسي وأجهز حقيبتي. ظروف الحياة اختلفت تمامًا، تخرج الناس القدامى؛ أحباب القلب القريبين وإن بعدوا، تعاقب على المشروع القرآني أجيال، ذهب سلف وجاء خلف جديد ونحن فيما بينهما؛ نحاول أن نصنع الخلف الجديد ليأخذ الكتاب بقوة ويفوق السلف علمًا وقوة. أجهز قائمتي في فكري وقلبي يطير فرحًا، فراش، مرفع، كل أدوات السكن التي نسيناها أمدًا، المذكرة والمنير، المعتمد في فقه الحج وطوفان محمد، كتبي وأقلامي ودفاتري، مفاجآتي لبناتي، وكل ما أحب.

عكس كل مراتي السابقة التي أرفض فيها النوم في غير سريري، أختار طوعًا الرحيل عن شقتي وأنا أعلم أن النوم هناك لن يكون أفضل، وأنني سأقضي لياليَ طويلة في أرق وهمٍّ في مخرج هذا الحرف والخلاف في هذه المسألة وحلم الاحتكام إلى الشيخ، أعلم أنني أبيع راحة بالي واسترخائي في الإجازة بكل هذا التعب، وأعلم أنني أتجه إلى الجامعة التي أكره دخولها وقت الإجازة لسأمي منها أيام الدوام، أعلم كل هذا وأختاره بكامل قواي العقلية. أنوي فتح بابي طوال الوقت لتلاوات وتصحيح وأسئلة، ما بين تشجيع ودعم، وتوبيخ وزجر، وأنا أخاف على البنات من اندفاعي و"دفاشتي". إن لم يكن العطاء والتعلم لأقصى مدى حتى تعلّمَ والسؤالات والمناقشات في القرآن، فما اللذة وما المتعة؟ 

وجود اسمي في قائمة الدورة المكثفة التاسعة بعث الفتيات لتهنئتي، وإنه لتشريف عظيم واصطفاء من الله يدفعني لشكره باستغلال كل ثانية في ذكر أو نفع أو تعليم أو تعلم، وإنه لتكليف عزمنا على الأخذ به، ونسأل الله القوة والنصر والإعانة والمدد والإرشاد، وأن يعلمنا ويفهمنا ويعيننا على التعليم والتفهيم. اللهم اجعلني مباركة أينما كنت، وضع لي القبول في قلوب البنات، واجعلني هينة لينة، وهيّء لنا من أمرنا رشدًا، وأعنا على أخذ الكتاب بقوة. 

الأحد، 2 يونيو 2019

قَبَس 6

﴿قالَ هَل يَسمَعونَكُم إِذ تَدعونَ ۝ أَو يَنفَعونَكُم أَو يَضُرّونَ ۝ قالوا بَل وَجَدنا آباءَنا كَذلِكَ يَفعَلونَ ۝ قالَ أَفَرَأَيتُم ما كُنتُم تَعبُدونَ ۝ أَنتُم وَآباؤُكُمُ الأَقدَمونَ ۝ فَإِنَّهُم عَدُوٌّ لي إِلّا رَبَّ العالَمينَ ۝ الَّذي خَلَقَني فَهُوَ يَهدينِ ۝ وَالَّذي هُوَ يُطعِمُني وَيَسقينِ ۝ وَإِذا مَرِضتُ فَهُوَ يَشفينِ ۝ وَالَّذي يُميتُني ثُمَّ يُحيينِ ۝ وَالَّذي أَطمَعُ أَن يَغفِرَ لي خَطيئَتي يَومَ الدّينِ ۝ رَبِّ هَب لي حُكمًا وَأَلحِقني بِالصّالِحينَ ۝ وَاجعَل لي لِسانَ صِدقٍ فِي الآخِرينَ ۝ وَاجعَلني مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعيمِ ۝ وَاغفِر لِأَبي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالّينَ ۝ وَلا تُخزِني يَومَ يُبعَثونَ ۝ يَومَ لا يَنفَعُ مالٌ وَلا بَنونَ ۝ إِلّا مَن أَتَى اللَّهَ بِقَلبٍ سَليمٍ﴾ [الشعراء: ٧٢-٨٩]


ما أتعس الإنسان حين تختل موازينه، فيعطي من لا يستحق أكثر مما يجب، ويصرف بصره عن المعطي إلى المعطى فيبجله! أي بلاهة تصيب الإنسان حين ينصرف من تعظيم المتفضل الكريم إلى تعظيم المكرمة وتبجيلها لذاتها؟ كيف يتجاوز خيباته مرة تلو الأخرى والأشياء حوله تخونه، وهو ينهار معها لأنه لم يرَ سواها، ولو كان يرى ما وراءها، والعظمة الكامنة خلفها، والجلال والجمال الذي يحكم كل هذا ويسوقه ويسخره ويقدره؛ لكان أسعد، وأرقى، وأكثر طمأنينة وسكينة. ولكنه يخلد إلى الأرض في كل مرة يُذَكَر فيها، ويأبى. 

لو كنت ترى وأنت تصافح صديقك أنك تعامل الله فيه، وأنك تمتثل لله وهو يأمرك بإفشاء السلام، وتتقوى برؤية أخيك لله، وأنه مهما كان عونًا لك وسندًا فهو تسخير من الله وحده، لا بحوله ولا بقوته ولا بفضله، وما أغنى عنك شيئًا. لو كنت ترى وأمك تعاتبك، فتضايقك كلمتها، أنك تستنزل رحمات الله في ذلك الموقف حين تلين وتكسر كل نوازعك التي تدعوك إلى الاستياء وإبداء رد فعل سلبية، لتخفض جناح الذل من الرحمة، لأنه الله الذي نهاك عن تقطيبة وجهك عليها قبل أن تكون هي جسدًا وكيانًا تعب لراحتك. لو كنت تدرك أن طبيبك الحاذق قضى سنين طوال من عمره يتعلم ويتعب الليل والنهار لأجل أن يعالجك أنت بمهارة، لكنك ترى جهده وسعيه هامشًا على نص فضل الله وتقديره ولطفه بك إذ سخر لك هذا الإنسان ليبذل كل هذا لك. لو كنت تدرك أن غم مشكلتك مع زوجتك ربما لا تكون إساءة منها كما هي إساءة منك إلى الله، فتلجأ إليه وتستغفره وتسأله هو أن يصلح ما بينك وبينها، وأن يهدي قلبك وقلبها، وأن يديم الود الذي قذفه هو بينكما، ولكنك تغلّب كبرياءك ولا تعتذر لأنك تراها المخطئة، وتنسى أن الله هو الذي يصلح وأنك تحسن إلى نفسك عند الله قبل أن تحسن إليها. لو كنت ترى أبعد وأعمق، لكان الخير عامًا، ولكنت أرقى وأطهر، ولكنك تستند على كل ما أمامك، متجاهلًا قوة الله، ولطفه، وتقديره، وهو لا يزال يعطيك ويمن عليك وأنت تفرح بالنعمة وتنساه!

ما أحكم إبراهيم عليه السلام وهو يعي دون تفكير أن كل هذا لا يملك لهم شيئًا وأن الله وحده المتفضل، وهم بنظرتهم الضيقة لا يستطيعون بصرًا ولا سمعًا. يذكر معية الله له وفضله عليه في كل خطوة من حياته، حين خلقه، ويهديه في كل مرة، ويطعمه مما يحب ويشتهي ليل نهار، ويسقيه من أطيب ما قد يتمناه، وينتشله من ضعفه ومرضه إلى قوته وعافيته حين لا يغني أحد عنه شيئًا لا بنفع ولا ضر، ويموت فيحييه ويبعثه، ويظل يتجاوز عنه ويغفر له ويرحمه وحده يوم الحشر. يعلم سيدنا إبراهيم أنه لا يعقل أن يتجاوز كل هذا ليبتغي أي نفع أو ضر من أي أحد إلا بما شاء الله وقدر وسخر، فيطلب منه وحده كل ما يريد، ويستحضر الآخرة -وهي الأهم- والله مالكها، فيغدو قلبه قلبًا سليمًا طاهرًا.

 ونحن نظل نضيق أفقنا، ونرى بحمق إطار الصورة دون الصورة نفسها. متى يتسع أفقنا ونرى كل شيء بحجمه ببصائرنا قبل أبصارنا الضيقة؟

الثلاثاء، 28 مايو 2019

قَبَس 5

﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجّيكُم مِنها وَمِن كُلِّ كَربٍ ثُمَّ أَنتُم تُشرِكونَ﴾ [الأنعام: ٦٤]

تلك المرة التي وجدت نفسك محاطًا بالمصائب التي تكاد تودي بك، أو المرة التي تفاديت فيها حادثًا كاد أن يقضي عليك في أجزاء من الثانية، أو المرة التي غرقت فيها وظننت أنه الفراق فانتشلك أحدهم في اللحظة الأخيرة، أو المرة التي كدت تهوي في حفرة لولا انتباهك في الوقت بدل الضائع، أو المرات التي نمت فيها مكروبًا لا تطيق من الدنيا شيئًا، أو المرات التي مررت فيها بوعكة صحية كنت تدعو بكل ما تملك فلا تجد من يستطيع نجدتك، في كل هذه المرات نجوت، لكنك كنت ترى أن فلانًا فرّج عنك، ومهارتك في القيادة سمحت لك بتفادي الحادث، والسباحين الماهرين ذوو شهامة وهم "هبّة ريح"، وذكاؤك وسرعة بديهتك أنقذاك، والصباح أتى معه بكل جميل، والطبيب الذي عالجك كان متمرسًا فهيمًا، ولكنك نسيت أن في كل مرة من هؤلاء؛ كان الله الذي يبتليك ويمحصك ويرى قلبك وهو يجد أن لا ملجأ إلا إليه مهما كان مسرفًا بعيدًا، ثم حين ينجيك تنسى كعادتك، وتعزو كل ذلك إلى الأسباب، ولو أراد هو لعطّل كل الأسباب حتى لا يبقى لك شيء أبدًا أبدًا، وستلهج في تلك اللحظة باسم الله بكل جوارحك خالصًا. لكن حين ينجيك؛ تنسى! 

كم مرة تورطت فيها وخرجت كشعرة من عجين ثم عزوت ذلك إلى نفسك أو غيرك؟ كم مرة نسيت الله ولم تنتبه أبدًا أنك نسيته ولم يوخزك أي وازع داخلي؟ كم مرة نجاك ثم ابتلاك ثم نجاك ثم ابتلاك ثم نجاك وأنت في كل مرة تعود إلى غفلتك وتنسى أنه هو الذي نجاك؟ لا يزال الله قريبًا حليمًا حنّانًا، ولا تزال أنت تنسى. متى تتذكر؟

الثلاثاء، 21 مايو 2019

مذكرات طالبة جامعية 17

بالأمس كنت أمشي لا على الأرض؛ بل بين السحاب أنط، واليوم، أمشي وكأن عمودًا من السماء أحمله فوق رأسي، فكلما حاولت تخففًا، ازداد ثقلًا ليغرسني في الأرض أكثر. يبدو أن انغراسي في الأرض مجدٍ هذه الأيام.

تمر أيام متعاقبة لا أنام فيها إلا ساعتين أو ما يقاربهما، يطأني الليل بكل قوته وهو يمشي عليّ، وأنا لا أصرخ ولا أبعده، بل أدعه يفعل بصمت لئلا يأتي الصبح -وقت الاختبار- وأنا لم أنهِ المذاكرة بعد. حين أنام بعد أيام من قحط النوم، أنام لأقل من ساعتين ثم أستيقظ دون سبب واضح، غير أن جسمي اعتاد على عدم النوم. تمر أيام عجاف ونحن مذبذون، لا إلى رمضان وإلى غرق في روحانيته وملازمة القرآن فيه، ولا إلى المذاكرة كما ينبغي. نركض بين التراويح وبين المحاضرات المتكدسة التي لم نذاكرها بعد، نخطط لمقاومة النوم أكثر من قيام الليل، ولقضائه في المذاكرة أكثر مما نبتهل فيه. بعد كل هذا، لا ننهي ما علينا ولا نشعر أننا تشبعنا مذاكرةً، نفوض الأمر إلى الله، ونطلب منه مدده، ومعجزاته أحيانًا. 

أسبوع يمر ولا أعرف كيف يمر، أذوق فيه مرّ الوحدة في أصدق معانيها. أمي وسليمان بعيدون، لا بأس فهم في جوار الله، والله وحده يكفلني ويرعاني ويؤويني. أحمل وحدي ما كان يحمله ثلاثة، وحين أتعب جدًا من المذاكرة وأتبعثر قبل الاختبار، أستحضر أمي وهي تلملم قلبي وعقلي وروحي بدعواتها بالتوفيق والتيسير والفتح والتفوق وكل خير. كيف وهب الله الأمهات هذه القدرة الهائلة على إحياء كل ميت فينا؟ لا أعرف. ما أعرفه هو أنني تركت أمي هناك ظهر الخميس، وتركت قلبي معها، وأنتظره ليخرج إليّ صباح الجمعة القادمة! 

نستهلك كل ما آتانا الله من القوة لنبقى، نعطيها من حولنا حينًا، ونستمدها منهم تارة أخرى. يمسح الله على قلوبنا بالمطر الذي يحيينا به قبل الأرض، وبالأصدقاء الذين لا يتركوننا نضعف ولا نتوانى أبدًا. نمشي معهم تحت السحاب والمطر وبين الأشجار تخففًا، ونرقّع تقصيرنا بأذكار هنا، وتلاوة هناك، فرادى، وجماعة لنستمد منها الحياة.

بقي يومان. الجامعة تخلو، المكتبة هادئة مع فائض من المواقف القريبة، ونحن نقاوم التعب ونذاكر بقوة وشغف وحب. لله كل هذا ونحن نرجو أننا نقدم فريضة العلم بغية رفعة الأمة، على نوافل رمضان، ونأمل أن يكون هذا شفيعًا. لله كل الأيام التي لا ننام فيها، وحين ننام نزداد تعبًا من مطاردة الكوابيس، والاستيقاظ وكأن عشرة ينامون فوقنا -كما قالت مروة-. لله الأيام التي ستمضي سريعًا، وسنشتاق لها عمرًا طويلًا. لله كل هذا الجهاد، ومنه وحده نرجو الحصاد ونحن نسأله البركة ليل نهار. ولله كل ما نشعر ونفعل، وهو نعم الوكيل، وهو اللطيف الخبير. 

السبت، 18 مايو 2019

قَبَس 4

﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]

استيقظت متأخرًا منتزقًا، تركض إلى جرع جريعات من ماء، تضع أمامك سحورك الذي جهزته من قبل، والذي سال لعابك وأنت تحضّره متحمسًا لوقت أكله، لا تكاد ترفع لقمة إلى فمك حتى أذن. تقول في نفسك: ماذا عليه لو تأخر دقيقتين حتى آكل لقمتين على الأقل؟ لكنك لا تتجرأ على فعلها؛ لا تأكل وأنت قد سمعت الأذان، مهما كان. فؤادك متلهف على طعامك الذي أمامك، أو على قطعة الحلوى التي تركتها لختام المسك في سحورك لكنك لم تلحق عليها، لكنك لا تجتاز هذا الحد وأنت تعلمه، حد أذان الفجر، وكفى؛ دون أي نقاش ولا جدال ولا مراء.

تطعم طفلك في نهار رمضان دون أن تختلس إليك لقيمات، لا أحد يراك غيره، وطفلك لا يفهم أصلًا، بل ويحاول أن يطعمك معه، لكنك تأبى وتمتنع، تبعد عنك يده التي تحمل طعامًا تشتهيه، لكنك لا تقربه. حين تتوضأ، والحر مستعر، والنهار قائظ، وأنت متعب ومنهك، وماء الوضوء بارد كفيل برد الروح، لكنك لا تشرب منه، ولا تبالغ في المضمضة ولا الاستنشاق رغم أنك تستطيع ولا أحد سيعلم على أي حال، فأنت تبدو صائمًا.

أنت الصائم الوحيد اليوم -ربما في غير رمضان-، يأكل زميلك غداءه وأنت جائع ومرهق، يعتذر ألف مرة حين يتذكر أنك صائم فيسارع إلى إدخال طعامه وإخفائه عنك. أفترض أنك لا تمانع، بل تضحك وتقول له أن يأكل أمامك، فيدك تستطيع نيل الطعام منه أو من غيره، وأنفك تهفو وراء كل رائحة تفوح غدوًا وإيابًا، لكن لك واعظ من نفسك يمنعك أن تمد يدك، أو حتى قلبك؛ لأنك صائم. 

يبدو النوم الكثير مغريًا وأنت صائم، تود أن تنام من بعد الفجر إلى المغرب، لكنك لا تفعل. تستطيع إضاعة وقتك في رمضان فيما شئت، في مقهى أو على مسلسل أو في سمر طويل، لكنك لا تفعل لأنك تعلم أن رمضان أيام معدودات يجب عليك اغتنامها في أكثر ما يقربك إلى الله. 

يبدو كل هذا مستحيلًا، لكنك تفعله، إما وأنت تحارب نفسك حربًا مضطرمة، أو حتى تفعله لاشعوريًا. تفعله دون أدنى تفكير بغيره لأنك تعلم أنه الصواب. ليس سهلًا أبدًا أن تفعل كل هذا، لكنك تفعله. أنت تفعله وأنت لا تعلم حكمة جلية من التوقف عن الطعام وقت الفجر بالذات، لا تعلم ماذا يضر أن تزيد دقيقة لتشرب جرعة من الماء، ولا تعلم لماذا فرض كل هذا، لكنك تفعله. ثم بعد رمضان، لا تدري لمَ حُرّم هذا، ولست مقتنعًا بتحريمه لأن تحريمه يتنافى مع عقلك، لكن.. هل تفعله؟ أم ترضخ دون أن تجادل؛ كما كنت تفعل وأنت صائم؟

تبدو التقوى اسمًا هلاميًا هائلًا لا يناله إلا العباد الزهاد الذين عافوا كل ما في الدنيا وانكبوا على محاريبهم، أو هكذا كنت تتصور على الأقل. لكن بعد أن صمت، وبعد أن تأدبت بالصيام، لا تبدو التقوى رقمًا صعبًا لا تستطيع نيله. تعلم يقينًا أنك تستطيع بعد هذا أن تفعل كل ما أمرك الله به وأنت تفعل ما تفعله وأنت صائم دون أن تعلم حكمة جلية، ويبدو أنك تستطيع أن تنتهي عما نهاك عنه وأنت تحرم نفسك من أبسط ما تفعله دون تفكير وأنت غير صائم، تأكل وتشرب وتجامع، لكنك تقف عند حدك الآن دون مماطلة. سؤال أخير، هل الأمر صعب، أم يُخيَل ويُزيَن لك أنه مستحيل؟ رمضان فرصة تريك من نفسك ما لم تره من قبل، فهل تغتنم؟

الخميس، 16 مايو 2019

قَبَس 3

﴿رَبَّنا إِنّي أَسكَنتُ مِن ذُرِّيَّتي بِوادٍ غَيرِ ذي زَرعٍ عِندَ بَيتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقيمُوا الصَّلاةَ فَاجعَل أَفئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهوي إِلَيهِم وَارزُقهُم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُم يَشكُرونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]

لا عاقل يترك زوجته التي لم يمض زمن طويل على ولادتها ابنه البكر الذي طال انتظاره؛ فيتركهما وحدهما في البيت ويغادر دون أي اتصال ولا اطمئنان عليهما ودون أن يؤمّن لهما حاجاتهما من مأكل ومشرب قبل مغادرته، لا عاقل يتركهما في البيت لوحدهما في هذا الحال. لكن إبراهيم عليه السلام قاوم كل نوازع قلبه ووساوسه، قاوم عدم الاطمئنان، والصوت الذي يقول له أن طفله الذي طال انتظاره سيموت حتمًا، ربما قاوم أنين زوجته وحبيبته وهو يتركها، وربما قاوم حتى دموعه وانكساره عليهما؛ لأنه يمتثل لأمر الله وحده. لم يتركهما في بيت، ولا في غرفة ضيقة، ولا تحت مظلة، بل في صحراء قاحلة تحت لسعات الشمس بلا أي مصدر رزق ولا إنس ولا جن معهما. تركهما وسط لا مكان، أي قلب يطيق هذا كله؟ ثم أي قلب امتلكت زوجته كذلك وهي ترضى لأن الله أمره؟ وهي مرهقة، جوعانة، عطشانة، تكاد تموت حرًا، وتكاد تموت أسى على رضيعها الجائع، يتمزق قلبها ألف مرة، لكن الله لن يضيعهما! 

تركهما ومضى، تبتل لله أنه تركهما بلا مأوى ولا قوت لا لشيء إلا ليقيموا الصلاة في تلك الأرض، لهدف أعظم من الاستجمام بعيدًا عنهما. مع هذا كله، دعا لهما بالرزق الطيب من القوت ليبقيا حيَين، لكنه دعا لهما قبل القوت بالأفئدة؛ ليسخر الله لهما الناس يأتونهما بكل لهفة وحنين؛ لأنه يعلم أن لا قيمة للطعام والشراب ما لم يكن الفؤاد مطمئنًا والنفس مستقرة. لا قيمة لبناء الأجسام إذا كانت الأفئدة هواء. فهم إبراهيم أن الفؤاد أولى بالاهتمام من الجسد، فإن استقر فالجسد أهل للحياة، ولاستقبال الطعام الذي يبقيه حيًا. 

يسخر الله لك الخير في مأوى، ومأكل، ومشرب، وملبس، لكنه يسخر لك قبله الخير كل الخير في الناس الذين حولك، وقلوبهم، وحبهم، وحرصهم، ووجودهم حولك. فهل رأيت الخير؟ وهل شكرت الله -بعملك- عليه؟