الثلاثاء، 19 مارس 2019

مذكرات طالبة جامعية 14

كانت النية من مذكرة اليوم استشعار لألطاف الله المحيطة -ولا أظنني سأغفل عن هذا-، ولكن يبدو أن النهاية ستكون مختلفة عن البداية اختلافًا شاسعًا؛ شاسعًا جدًا.

بعد يوم طويل جدًا أمس انتهى بافتتاح الملتقى الأحيائي الخامس الذي عملنا طويلًا لأجله، وبعد أجواء وتجهيزات كانت أشبه بتجهيزات العيد من جو جامعي، ارتد صدى الملتقى إلينا، وكان طعم لذيذ للإنجاز وللرسالة التي هي أكبر من مجرد ورق واختبارات ومظاهر، كان يوم على شدة إرهاقه سعيدًا. أنهيت الاختبارات الثقيلة الأولى كلها، وهنا استراحة محارب. نمت بعد منتصف الليل وأنا أكاد أموت من التعب، صليت الفجر، نمت نومًا اضطراريًا، لم أستيقظ إلا التاسعة وتسع وعشرون دقيقة. طارت عني محاضرة الصباح الأولى، سأتأخر على المحاضرة الثانية (لذا أفضل ألا أحضرها بكرامتي)، سأحضر الثالثة. رغم هلعي وحسرتي على تفويت المحاضرات التي لم يسجل لي فيها غياب؛ إلا أنني استشعرت لطف الله المحيط وأنا أستيقظ مرتاحة الجسد والبال وقد أخذت ما يسد حاجة أي إنسان سويّ إلى النوم. يوم مبارك بإذن الله. 

تجهزت وخرجت سريعًا لأوصل عصير الفراولة إلى المعرض حتى يقيم طلاب المدارس المضافين لدينا تجارب عليه، لطف الله وحده جعلني أوقف سيارتي البارحة باتجاه معاكس للذي اعتدت أن أوقفها عليه، لتقع عيني مباشرة على الإطار الإمامي المنفشّ. لطف الله وحده جعلني أدرك لئلا أقع في مصيبة أكبر، لجأت إلى جارتي ليغير لي زوجها الإطار، ثم اخترت أن أجلس معها إلى أن ينتهي. لطف الله وحده ساقني إليها وصغارها يبثون الحياة، ثم تأتي جارتنا الجديدة التي مضى على انتقالها بجانبنا شهر ولقيت كل الجارات وتعرفت عليهن، ولكنني الجارة السيئة التي لا تجد وقتًا لأحد. كان لطف الله حاضرًا وأنا أتعرف عليها وتعطيني من إفطارها وهي لا تعلم أنني لم آكل شيئًا للفطور، ولكن اللطيف يعلم. 

تأخرت على المحاضرة، حاولت التقاط ما يمكنني فهمه، بعد ساعتين اختباري الذي لم أذاكر له، أفتح مجموعة فأجد أن دورة الخط العربي التي أحلم بها تقام اليوم في هذا الوقت تحديدًا وأن العدد اكتمل دون تسجيلي لأنني كنت غارقة في الاختبارات الكثيرة دون أن أفتح المحادثات، لكن علي المذاكرة على أي حال، دست على نفسي، ذاكرت، انسكبت السكينة عليّ صبًا وأنا أشهد الصلاة تقام والمصلون يأتون من كل فج عميق ليشهدوا الجماعة، أنهي مذاكرتي سريعًا لألحق بدورة الخط التي اكتمل تسجيلها ولكن فؤادي ينازعني إليها وأنا أتساءل بفضول عن مقدمة الدورة، أركض إليها لأجد مقدمة الدورة إستبرق التي كان أحد أحلام حياتي أن تعلمني الخط، أحشر نفسي بينهن وهن يرحبن بي ولا يشعرنني أنني دخيلة أو غريبة، ونسيبة تعطيني قلمها لأكتب به لأنهم لم يحضروا أقلامًا زيادة على عددهم، رغم إخفاقي الذريع في تطوير خطي والكتابة الصحيحة وأنا أرى صديقاتي يتطورن، كانت أحلامي تتحقق وأنا أتدرب وأحاول على الأقل. خرجت مع نور لنتحدث عن حياتنا سريعًا ثم نركض لأصلي وألحق على الاختبار، كان لطيفًا دافئًا كالدكتورة سيرين، خرجت مع هيا لمرور سريع على معرض الملتقى ومقابلة للشركة الطلابية التي كنت أتواصل معها لاستضافتها في المعرض، وأشعل الشغف. من اللطف الذي كان اليوم، أن كلما قابلتني فتاة من فتيات التخصص أخبرتني أن دكتور المحاضرة الثانية افتقدني وكانت يسأل عني حين لم يجد من يسأله في المحاضرة، جيد أن أحدًا ما استشعر غيابي على الأقل. أجابته عائشة: "دكتور تعبانة"، قال لها: من الاختبار؟ قالت له: "لا، من الحياة.." آه لو تدري عائشة كم كانت صادقة!




يأتي الإثنين الذي تحرّقت شوقًا إليه منذ أسبوع مضى كأنه قرن، أفر إلى البيت لأستمد من أمي وأبي حنانًا يقويني على الحياة، تقر عيني بأبي بعد أسبوعين من الغياب، ولا أجد نبع الحنان الذي يرويني من جفاف الحياة. هنا تبدأ انكساراتي كلها في البروز إلى أن تطغى. 

هل كان علينا أن نتخلى عن الحياة حين اخترنا هذا الدرب الصعب؟ هل كنا ملزمين ونحن نستلذ مشقته وعذابه أن نسحب من أرواحنا قوتَها وأن نتجرع مر الموت وعلقمه؟ هل كان لزامًا علينا أن ننسى الحياة، ننسى أشكال أهالينا، لا نقابل جيراننا، ننسحب من كل ألوان الحياة حتى نستطيع لملمة ما تبعثر من جهودنا؟

كنت أقول أن الحياة مهما كانت صعبة مرة فنحن نقوى عليها دائمًا إن كنا محاطين بأحبابنا، أما إن كنا لا نجد وقتًا حتى لنرتوي من أحبابنا، فهنا أهلًا ومرحبًا بكل كسر وحطام تريد الحياة أن تحيلنا إليه!

ما إن انتهينا من الاختبارات الثقيلة الأولى وقلت آن أوان استراحة المحارب؛ أتت الاختبارات القصيرة الكثيرة المتتالية وذكرنا المعلمون بمواعيد تسليم التقارير والعروض المتتالية قريبًا، وتراكمت علينا المذاكرة أصلًا. هل أبالغ حين أقول أنني أشتاق للحياة؟ أشتاق أن أشبع من أمي دون أن أجلس ساعة معها وأنا أراقب الوقت لأن عليّ مهام كثيرة لأنجزها. أشتاق أهلي، أشتاق أن أزور صديقاتي اللاتي أصبحن أمهات بعيدًا عني وأنا لا أجد وقتًا لإعطائهن مساحة من الفرح ورؤية صغارهن. 

تشابهت الأيام، فالجمعة تشبه الأحد وتشبه الأربعاء. لم يعد لنهاية الأسبوع طعم خاص نتحرق شوقًا إليه، كل الأيام رمادية. لا أحباب نراهم خارج إطار الجامعة، ولا أهل ولا جيران. تنزل الأمطار، تتجمع العائلات، ونحن نذاكر ونعمل للجامعة. يا رب الرضا بالسعي والقطاف.  

بعيدًا عن كل شيء؛ يظل الله يمنحنا القوة دائمًا وأبدًا، يظل يرسل إلينا أشياء صغيرة تزرع الحياة فينا كلما ذبلنا.  يظل الله يبعث لي دعوات أمي وإيمانها الراسخ اليقيني فيّ، وهي تحثني على المذاكرة مهما كان، وهي تقول بكل فخر تلك الكلمة التي لم تلقِ لها بالًا لكنها زرعت فيّ الشغف أبدًا "مُزنة نفعتنا في حياتنا يوم دخلت كلية العلوم وتخصصت الأحياء". 

ما بين ألف تضارب وتضاد وتعاكس أكمن أنا. ما بين الصباح السعيد المنشرح والليل غارق في الدموع والأسى، وما بين القوة التي أظهرها كل يوم عند الناس، والضعف الذي أنكمش فيه وأنا أعلن تعبي. يا رب، أنت اللطيف الجبار الشكور، وأنت تعلم الباقي يا رب. :")

الاثنين، 11 مارس 2019

مذكرات طالبة جامعية 13

هل أستطيع أن أقول شيئًا بعيدًا عن بطني الذي يشتكي ويصرخ؟ أم أنا ملزمة بالانصياع إليه؟ كيف أفهمه أنني لا أجد له في أرجاء الجامعة طعامًا إلا مغمورًا بالزيت أو سكريًا أو نشويًا أو ذا دجاج لا يوجد ما يثبت أنه حلال؟ كيف أفهمه ألا يغتر بكونه في الجامعة الحكومية الوحيدة في عمان، وأن يجوع أو يأكل بصمت؟ لا أدري.

رغم التعب والألم؛ يظل العلم الهدف السامي الذي يستحق بذل كل شيء في سبيله. وإن كنا نحترق؛ إلا أننا نخرج عطرًا يصنعنا وينضجنا. خيبة وراء خيبة، كبوة بعد كبوة، ننهض أقوى، أصلب، وأكفأ. في كل يوم في الجامعة تجد نفسك أنضج من الذي سبقه، ومع كل فصل ومادة تجد نفسك أفهم وأوسع مدارك. أؤمن أن المعدل ليس كل شيء؛ بل هو فهمك وفكرك. 

لكل الأحلام والشغف والطموح، لكل الأشخاص الذين نقابلهم فنقتبس من علمهم أملًا في أن نكون مثلهم، لكل صديق ربّت على أكتافنا، حزن لحزننا، فرح لفرحتنا، وقف معنا، سند ظهورنا، ذكرنا بهدفنا الأسمى، وزجرنا حين ضعفنا، لكل من شاركنا همومنا وأحلامنا، لمن تقاسمنا معه الطعام والحب، لمن شد أزرنا وشاركنا أمرنا، لكل الأماكن التي تحوي ألف ذكرى، لكل الأشخاص الذين لم نعد نراهم في أماكن كانت تجمعنا، لكن الأثر والحب باقٍ، لكل موظف مخلص، لكل معلم مربٍ مرشد ملهم، لكل عامل وعاملة يلهموننا الأمل والكفاح، لكل شجرة وطير وزهرة، ألف سلام. شكرًا لأنكم جزء من حياتي. 

مرحلة الجامعة هي التي تصقل الإنسان حتى تظهره على حقيقته. هي التي يخلع الشاب فيها الثياب التي ألبسه إياها أبوه، وتسريحة الشعر التي اعتنت بها أمه، ويضع عنه الكتب التي لقنه إياها معلمه؛ ليخرج بعقلية تمثله هو لا غير. هي المرحلة التي رأينا فيها مظهر الإنسان ينقلب في بضع سنين ليصبح حسب قناعته دون تأثير خارجي؛ فإما خير وإما شر. هذه المرحلة هي التي كان يقول عنها د. سيف أنك إن أردت أن تتبنى فكرة فيها فابحث واسأل وحاور وتفكّر سنين ثم ارسخ على مبدأ وفكرة. هذه المرحلة التي نحاول أن نستغلها في الفهم والعلم والقراءة والمحاورة لنفهم، ولنبني رؤانا الخاصة للعالم. هي المرحلة التي تزيدني نضجًا يومًا بعد آخر، وتقلب أفكاري يمنة ويسرة لأرسخ على مبدأ. 

للمدة الذهبية في الحياة؛ سلام، وبعد، أحاول أن أستغلك وأن أبذل كل طاقاتي في أنشطة ومحاضرات ومرح بعيدًا عن الدراسة، أحاول أن أحصّل الحد الأقصى من الخبرة والفهم، وألا أضيع في هذا دون أن أعتني بنفسي وأهلي وعقلي وجسدي. أجاهد لئلا أخرج منك إلا مستنفذة لكل ما يمكنني فعله فيك. مهما قسوتِ وأتعبتِ، أعلم أنك الذهبية في الحياة. سلام. 

الثلاثاء، 5 مارس 2019

مذكرات طالبة جامعية 12

لا يمكنك الهرب من التعب والثقل الهائل الملقى على عاتقك؛ بل على قلبك. لا يمكنك إنكار ثقل قلبك وأنت تجرجر خطاك رائحًا آتيًا، لا يمكنك إخفاء لمعة عينيك الواهنتين وأنت تزعم أنك بخير وقوة. لن تهرب. بل ستقف، ستعترف أنك مثقل وأنك ضعيف، ستبكي، ستتكلم، ستدعو، ثم تغدو خفيفًا تخطو خطو غزال أو رفرفة فراشة.

مَهلَكة هي الحياة التي تصلي فيها سريعًا دون وعي لما تقول حتى تدرك الاختبار التالي أو المحاضرة التي بدأت وأنت تتأخر عليها لأنك لا تجد وقتًا لركعتين بعدما انتهت المحاضرة السابقة متأخرة متجاهلًا جوعك القارص، مستنزفة تلك التي لا تمنحك ساعة في حضن أبويك، ولا أخرى تلاعب صغارك، ولا غيرها لقراءة كلمتين من كتاب غير كتب الجامعة، ما قيمة الحياة التي أعيشها؟ أين أنا ومن أكون؟ إلى أين سأصل؟ لا أدري. 

ليست المعضلة في عدم الإنجاز بسبب ضعف جسدي أو وعكة صحية طارئة، بل المعضلة المشكلة عدم الإنجاز بسبب الضعف النفسي والوهن. ليس ثمة شعور أسوأ من ذاك الذي يقول لك: أنت متعب، فليكن ما يكون؛ دعك من كل شيء واسترخِ. تعبنا، والطريق الطويل لم يزل في بدايته.. لكننا تعبنا. 

لم يكن يومًا مجال للجندي أن يستلقي في وسط المعركة. هكذا أقول لي؛ لكن ماذا لو قلت أننا لسنا في معركة وأن لي حرية الاستلقاء؟ أخشى الدهس والتقتيل؛ لذلك سأنهض رغم التعب، وسأقاوم. 

تعلمني الحياة ألا أستسلم ولا أضعف مهما جبنت، وأن أقاوم رغم كل شيء. بعد أسبوع مضغوط؛ أصررت ألا أنسحب من مسابقة القرآن الكريم في الجامعة مثلما فعلت لثلاث سنوات مضين (كل سنيّ الجامعة)؛ أصررت أن أبذل ما أستطيع ثم أسمّع لئلا أستسلم. لم يكن تسميعي جيدًا أبدًا، لكنني انتصرت بقوة الله وعونه ولم أنسحب. يكفيني هذا انتصارًا. 

من أخف وأسعد لحظات حياتي تلك التي أختلي فيها في سيارتي المغلقة كل منافذها علي، وأشغل شيئًا أحبه وأغني معه بأعلى صوت دون جمهور؛ ذاك الغناء الذي هو أقرب إلى الصراخ منه إلى الغناء، لكنه يشفي. ماذا رممني اليوم أكثر من صراخي مع الأغنية "واللهِ لا نُهزَم!"؟ 

عيوني تغمض نفسها من الإرهاق المتراكب لأيام، ولكنني أذاكر. كنت أخادع حين قلت بعد أيام طوال وألف اختبار أنني أحتاج إلى النوم أكثر ما أحتاج. الحقيقة أنني أحتاج إلى نفسي. أحتاج أن أستعيد توازني في الحياة وهدفي وشغفي، أحتاج أهلي، وصديقاتي، وكتبي، وحياتي دون أن يمزقني هم اختبار ولا يزاحم وقتي مشروع ولا تقرير ولا مذاكرة. هل يمكن للحياة منحي وقتًا مستقطعًا أستعيد فيه نفسي وأهلي وبيتي وسكينتي وسلامي؟

تخف الأيام الأثقل بالأصدقاء الأخف، بالجمال الذي يسخره الله لنا خصيصًا لنتخفف ولنعلم أن لا بأس علينا رغم كل شيء. تلك التي تقول لي أنها عهدتني قوية وأنها تستمد قوتها مني، وتلك الأخرى التي تتدبر معي آيات نزلت في عمق المعركة؛ لم تدرِيا وهما تلقيان بهذه الكلمات وتمران أنهما زرعتا شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. يسخر الله لنا القوة في دعاء الأمهات وأحضان الأصدقاء وضحكاتهم ونكاتهم. يسوق لنا الخير سوقًا ويصنعنا على عينه رغم كل شيء. يا رب الصناعة والرعاية. 

الجمعة، 22 فبراير 2019

أيام خفيفة ثقيلة 2

قالت دعاء:
"أنا لن أزيّنَ أمرَ هذا الدربِ لَكْ
كلا ، فعندي مبدأ لا يستبيح مجاملك

عهدي بأني إن سمعتكِ تلحني
أستعظم اللحن الذي قد أوهنك

أصغي وأقضي ساعة من ليلتي
كيف السبيل إلى تبدد مشكلِك

أعهودُ هذا العلم جهد هينٌ 
إن شئتُ قلت بأنه صوت وفك

يومان ؟ سبعة أشهر؟سنتان ؟
ما عدة الأيام  والحسنات لك؟"
أعجبتني حين قالتها، وولت. قرأتها قبل أسبوع مرة ثانية بعد سنتين ونصف، فجلست أيامًا أهذي بها لأنها من أكثر ما عبّر عني أبدًا، شعرت بها حقًا وأنا في موضع المعلِم لا المعلَم. كنت أريد الكتابة، لم أفعل. فجّرتني ماريا الآن، شكرًا لماريا. 

كانت دورة المنتصف الماضية المعنى الحقيقي لاستنزاف المشاعر فيّ. كانت ثقيلة جدًا وهي تمر عليّ؛ لا لصعوبتها ولا لكرهي لها؛ بل هو ثقل الأمانة الذي مهما بذلت شعرت بأنني أبخس الأمانة حقها. لم أكن مثالية؛ أخطأت كثيرًا، حاولت تصحيح أخطائي قدر وسعي، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها. كانت الحلقات جنة ترفرف فيها روحي، صدّقت ندى حقًا وهي تقول أن لذة العطاء تفوق لذة التلقي. كنت أحاول إعطاء كل ما لديّ رغم أنني أقصر في أهلي كثيرًا إلا أن الأمة تحتاج إليّ معطاءة. كنت أحاول توصيل الرسالة رغم أنني لست خير ممثل لها، لكنني أحاول على الأقل. 

كان كل الثقل ينجلي حين أرى وجوه بناتي فينشرح صدري. كان كل شيء يخفّ بخفة ماريا، بطبطبة نور وضحكتها، برقة بيان وتضامنها مشاعريًا مع كل أحد، بسكينة زينب، باجتهاد هبة، ببراءة منار، بمهارة إيمان في الترقيع، بجدية علياء، بلطف أسماء، بعناد الزهراء السعيدية، بتفاني الزهراء الرواحية، بقوة أحلام، بمرح بشرى، بجنون صفية، ببسمة لمياء، بضحكة محفوظة، بهدوء مزنة، بإصرار عهود، بمحاولات العنود، بمشاكسة نوال، بأمل الشيماء، وبدهشة منى. رغم أنني كثيرًا ما كنت أزجرهن؛ إلا أنني في الوقت نفسه أشعر أنني السبب وأنني المقصرة حتى وإن قصرن هن وأغرق أسى حتى تقول لي إحدى المشرفات أنك تفعلين ما عليك. كان كل همّي ينجلي حين تقول لي إحداهن كلمة طيبة لطيفة، أو يتحسن مستواها، أو تعتذر عن خطأ بدر منها عاتبتها عليه. 

إليك،
أنا أعلم مقدار ثقل كلمتي عليك وأنا أصحح لك خطأً مكثتِ عليه سنين حتى صححتِه، ثم عاد فجأة، أستثقل الكلمة قبل أن أقولها لأنني أعرف أنها ستكسر شيئًا داخلك، أنت التي وصلتِ الليل بالنهار لتصححيه. أعلم جيدًا كم هو موجع، وكم أنا قاسية عليك حين أزجرك لأنك لم تجاوبي هذا السؤال، ولم تستحضري تلك المعلومة سريعًا، أعرف كذلك مرارة الشعور وأنت تبذلين كل ما لديك لكنك لا تصلين. أعرف جيدًا؛ لأنني كنت في يوم من الأيام مكانك، كنت أبكي أحيانًا لأنني أبذل كل ما عندي دون أن يظهر أثر جهدي، والناس يحاسبونني على الأثر لا على الجهد. كنت في كل مرة أذكرني بأن علي الاستمرار بقوة، وأن الله وحده هو العليم بجهدي، وهو يجزي به، أنا لا أبذل هذا إلا له ولكتابه، وهو خير وكيل ومعين. أنا حين أقول لك؛ أنكسر قبلك ألف مرة، ثم بعدها مراتٍ أكثر حين يبدو عليك الإحباط أو خيبة الأمل، لكنني رغم ذلك لا أملك تجاوز خطأك ولا تجميله. لكنه القرآن؛ القرآن الذي يستحق أن تبذلي كل شيء لأجله، أن تجبري كل انكساراتك، وتهزمي كل هواجسك، وتتجاوزي كل إحباطاتك لأجله. الله يأخذ بيدك دائمًا، ويعتني بك عناية خاصة إن شكوتِ تعبك له. أخبريه بأنك متعبة؛ وأن كل ما أتعبك هو تصحيح تلاوتك لكلامه. لن يستمر خطؤك طويلًا بعدها، ولا تعبك. أعرف مقدار جهادك لتحصيل العلم وتصحيح الخطأ؛ ذلك الذي يستنزفني ويقض مضجعي وأنا أحاول أن أجد حلًا لك. 

سعادتك بختمك، بتصحيح خطئك، بقوة معلومتك، تشبه كثيرًا سعادتي وفخري بك وأنت تفعلينها. ضعف معلومتك، نسيانها بعد طول بذل عليها، عودة خطأ قد تصحح، استمرار خطأ، كل هذا يكسّرني أكثر مما تتخيلين وأنا أبدو لك بكامل قوتي وربما أزجرك؛ يؤذيني أن تنسي بعدما مكثتِ عليه، يقتلني إحساسي بالتقصير رغم كل ما أقدمه. أريد أن تخرجي مجازة قوية تعطي بقوة دون أي نقص في معلومتك أو خلل وتقرئي فتاة تخرج متقِنة بكل المقاييس. أريدك أن توصلي الرسالة بقوة. 

أعلم جيدًا أنني لم أكن أفضل معلِّم؛ كلما قرأت نصائح للمعلمين أو ذكر عيوبهم حاسبت نفسي ألف مرة لئلا أقصر، حاولت كثيرًا أن أتعلم كيف أعلّم وأكتسب الأسلوب الأفضل، لم أطبّق كل شيء، لكنني كنت أحاول. يكفيني راحةً وأجرًا أن تجاز بناتي بقوة، وأن أرى سعادتهن بالإقراء والعطاء بعد كل التعب والجهد. اللهم البلاغ، والقوة لحمل الرسالة والأمانة. 

الثلاثاء، 19 فبراير 2019

عناية.

سماء زرقاء تظلك، سحاب يعانقك ويربت عليك كل حين وهو يعبرك، طيور تغرد على مسامعك لتطربك، صخر يتلون باختلاف نسب العناصر فيه، فيه جمال أخاذ، جبال رواسي شامخات وأنت تمر كل أسبوع من ذاك الطريق الطويل وتشكو من أن بلدك جرداء، ماء يشق طريقه شقًا بين الجبال والسهول ويحمل معه كل ما استطاع حمله ويقطع الشوارع والمجاري، شمس تدفئك شتاءً وتجعلك تتحرق شوقًا إليها بعد ليل طويل بارد، شاطئ يمتد مد بصرك وأمواجه تنعش روحك وهي تتلاطم لكنها تحدِث صوتًا يستنزل السكينة عليك، كل تلك الأشياء الحسنة الجميلة التي تمر عليها كل يوم. ألا ترى؟

تأوي بعد يوم طويل إلى فراشك متعبًا، تشكو التعب؛ لكنك تنسى أن لك فراشًا ومأوًى ونومًا هنيئًا. تصرخ من الجوع القارص إلى أن تأكل؛ لكنك تنسى أنك وجدت الطعام وارتحت بعد أكله بهضم يسير خفيف عليك. تشتكي من إزعاج الأطفال وتضيق بهم ذرعًا؛ لكنك تنسى أنك تكتئب حين يغيبون وأنهم زينة حياتك وبهم تتخفف من أثقال الحياة كلها. تتذمر مرارًا من ضغط العمل؛ لكنك تنسى أنه يملأ حياتك ويقتل فراغ وقتك ويكسبك رزقًا طيبًا. لديك كثير، لكنك تنسى!

تأكل من رزقه، تظلك سماؤه، يحيط بك دفؤه، يؤويك خلقه، يحتويك عباده، يريك أحسنَ ما صوّر، يعلمك من علمه لئلا تكون جهولًا، يعتني بقلبك حين يُكسَر، يقويك حين تضعف، يحن عليك ويمنّ عليك دون حدّ ولا اكتفاء، تتنفس من النسمات اللطيفة التي تدغدغك، تنشرح نفسك للخضرة والألوان التي يبدعها، يخلق ما تعلم وما لا تعلم تحت خدمتك أنت؛ ولتكون أنت إنسانًا أفضل وأقوى وأحسن، لكنك تنسى كثيرًا، وتقول أن هذه قوتك وعلمك وجهدك، وتقول أنه غير موجود، أو تنسى ذكره -في أحسن الأحوال!-

أما يكفيك أن تتأمل تفاصيل يومك لتحب الله؟ ألا تنظر نظرة الجمال إلى الكون والحياة كلها حولك دون أن تعتاد على الأشياء فلا ترى فيها سوى النمطية والسطحية الحمقاء؟ ألا إن الحياة لها معنى حين تتعمق نظرتك من السطح إلى القلب، ومن الماديات البحتة إلى الروح والغيب، ألا فلتحيَ الحياةَ الحقّة!

الثلاثاء، 12 فبراير 2019

مذكرات طالبة جامعية 11

هبني شيئًا واحدًا يبث فيّ هذه القوة الهائلة للاستمرار كل يوم بقوة لولا دعاء أمي؛ ذاك الذي تتلوه علي صباح مساء "الله يحفظك ويوفقك وييسر لك أمرك ويعينك ويقويك على دراستك..." ، ما الطمأنينة إن لم تكن هذه هي؟

على مدى ثلاثة فصول أكون سعيدة لأنني لا أصل إلى مرحلة الإنهاك النفسي من الدراسة إلا بعد مرور 7 أسابيع على الأقل وأستمر بقوة حتى بعد بلوغها، لكن أعترف أن هذا الفصل لم تنطبق هذه القاعدة عليّ، جيدٌ أن مرحلة القوة استمرت أسبوعًا. كنت أرسل إليها بالأمس وأقول: "لماذا أصبح لقاؤنا بهذا الحد من الصعوبة؟". ما الحياة دون أصدقاء يخففون عنا ثقلها؟ ما الحياة دون صحبة صالحة تخفف عن كواهلنا الحياة؟ 

حياة الضغط الشديد تصنعني، تخرج مني عصارة خالصة لكل ما أستطيع تقديمه أملًا في نفع الناس. من تدقيق وترجمة وإقراء ومذاكرة وشرح ومنح أوراق والقائمة تطول. مخيفة فكرة أن أتخرج دون شيء يذكر، فلأستغل ما بقي في العطاء. 

تلك المرحلة من التعب التي لا قوى لنا بعدها على شيء أبدًا، التي يرسل الله لنا عندها صديقًا ينتشلنا من الألم والإنهاك الجسدي إلى قوة وعافية. ذاك الجوع الذي تعودنا عليه، وأصبح نظامي الغذائي يحتوي وجبتين؛ إفطار وعشاء فقط. سليمان وأنا أعلق على رغبته في إطعامي عديدًا حين أعود وأقول: "مشروع تسمين؟" ، فيقول: "بل مشروع إنقاذ حياة!" ، كل هذا عند الله. 

آلات المختبر التي كلما استخدمنا واحدة تعطلت وجلسنا نبحث عن حلول وننتقل إلى أخرى وتستمر السلسلة إلى أن ينتهي الوقت وننتظر يومًا ويومين حتى نحصل على آلة مناسبة ونركص في غير أوقات المادة هنا وهناك، كل هذا سيثمر بإذن الله. 

لا يخفف هذا كله إلا حلقات القرآن وصحبة القرآن، هذا الذي أنزله الله هدى وبشرى للمؤمنين، كلما اجتمعنا لتلاوته حدثت معجزات بداخلي. يا رب أدمها من نعمة.

هل لي أن أقول أنني لا أحب أن يسمى حفل تكريم المتفوقين "تتويج جهود"؟ هل يعلمون كم من أناس يجاهدون بلا وصول؟ وقد يصل من لا يجاهد كثيرًا؟ الله وحده أعلم بالجهد وهو يجزي به.

تهربي من المذاكرة الدسمة لن يستمر طويلًا، ستبدأ الاختبارات التي تؤدبني. أنا والله أحاول من أسبوع دون جدوى، أجبر نفسي؛ أنجح أحيانًا، ولا أنجح أحيانًا. أجبرت نفسي وأنهيت مذاكرة مادة كاملة غير المادة المخطط لها، هل أحسنت؟ ربما أحسنت دون أن أحسن. المهم أنني لا ولن أتوقف عن المحاولة. اليأس موت. 

اللهم قوة نفسية تبث فينا الحياة التي تجعلنا نستمر بقوة إلى النهايات، اللهم الصبر الجميل؛ أنت قلت "واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين"، أحاول الإحسان بكل ما عندي يا رب، آتني الصبر والقوة. 

الثلاثاء، 22 يناير 2019

أيام خفيفة ثقيلة.

في ذروة الألم والتعب والإرهاق منتصف الليل ألقي بجسدي غير قادرة على التنفس حتى. يقول لي سليمان: ارأفي بنفسك وارتاحي، أقول له: بقي علي من المهام كذا وكذا وكذا ثم أنام. يقول: ارحمي نفسك وارتاحي، أنت لا تقدرين حتى على النهوض! أقول: لا راحة الآن. راحتي حين أرى بناتي بنات الإقراء مجازات متقنات سعيدات. هل يتحقق الحلم؟

مكتظة أيامي بركض هنا وهناك، أتحمل مسؤوليات كثيرة في البيت والجامعة، لكن على قمتها وأثقلها وأكثرها استهلاكًا لي؛ بنات الإقراء. أحاول إعطاءهن كل ما لدي، أكسر قناعة أنني معلمة سيئة بمحاولة الأداء أفضل كل يوم في الحلقة. أزجرهن كثيرًا، أشير إليهن أحيانًا أن عدم معرفتهن تلك الإجابة خيّب ظني، وألجأ إلى العقاب أحيانًا، أقصّر في بعض المعلومات لأن أسئلتهن دقيقة جدًا وأقول: سأتأكد من المعلومة وأوفيكن غدًا. رغم كل هذه القرائن الدالة على أنني معلمة سيئة، لا تزال الحلقة الملاذ الدافئ الأول الذي يشعرني بالرضا والسلام الداخلي رغم كل التعب. 

ينكسر قلبي ألف مرة حين أشعر أنني تركت طفلتي في البيت ولم أعد إليها ظهرًا لزحمة المتطلبات في الدورة ولم أتحمل مسؤوليتها اليوم. يتفتت حقًا حين يتصلون بي أنها تبكي بشدة تريد رجوعي؛ أهدئها بكل ما يمكن، أعدها أن أحضر لها فستانها المفضل وقطعة حلوى حين أعود، أقسم لها أن لم يبق عليّ إلا حلقة واحدة بعدها أعود مباشرة إليها لاحتضانها، لا تقتنع ولا تسكت؛ لكن أهلي يلهونها بما يجعلها تهدأ قليلًا. أنا أعلم أنني مقصرة إلى أقصى حد، ينتثر كل شيء داخلي انتثار عقد لؤلؤ حين أرى اتصالًا من أهلي وأنا في الحلقة لأنني أعرف موضوع الاتصال. أتماسك، أبلع غصتي؛ أكمل الحلقة بصمود. أعرف أنني إن رددت على الهاتف لن أعطي البنات حقهن، أردد علي: بنات الإقراء يا مزنة رسالتك التي يجب أن تصل. تماسكي لأجل الرسالة. 

أبدأ الحلقة بكلام أسميه أنا خطبة الجمعة، أقول فيها أن الموضوع أكبر من مجرد ورقة إجازة وحفظ لاختبار يتبخر كل شيء بعده، أقول أن الموضوع رسالة يجب أن تصل، وأن المجتمع في أمس الحاجة إلينا، وأسرنا الصغيرة التي ستكون قريبًا أكثر حاجة إلينا، والأمة تحتاج إلى جيل صالح قويّ عزيز نخرجه نحن بإذن الله. آن الأوان الذي نتحرك فيه بالقرآن ونرضع أولادنا القرآن قبل الحليب، ونعلمهم كلما بكوا أن هذا هو الحل قبل الحليب. لم يعد العالم يتحمل مزيدًا من السوء ليجتاحه، لديه ما يكفي منه. فلنكن نحن الخير. 

تأتي نهاية الأسبوع، أسعد فيها باستشعار دفء البيت أكثر من أي وقت، أحتضن سريري كما لم أحتضنه من قبل، أقول: من الآن إلى ليل السبت سألقي كاهل الإقراء عني لأتنفس قليلًا. قلت الكلام نفسه الأسبوع الماضي حين كان عرس أختي وكنت أتجهز له وأقول: سألقي كل شيء خلفي، ثم ما لبثت أن رحت أسأل بنات الإقراء لأنسق للاختبار التجريبي والاختبار النهائي. ما لي؟ لا أعرف. ما أعرفه أن همّ الإقراء وبنات الإقراء كلما أردت تناسيه يلاحقني؛ إن لم يكن في يقظة ففي نومي أحلمهن ونحن نعدهن للجان الاختبار وهن يخرجن وأحتضنهن ويسألنني عن بعض الأسئلة التي سئلنها. أحقًا لن أرتاح إلا بعد إجازتهن؟

إن لم يكن تعريف للذة والنشوة النابع من التعب؛ فهأنذي وجدت تعريفًا له. يا رب، قونا وقوهن على أخذ الكتاب بقوة، أعنّا على إيصال الرسالة، تقبل منا واجعلنا خالصين وأعمالنا لك. واجعل القرآن حجة لنا لا علينا يا رب العالمين. 

كتبت بتاريخ 18-1-2019