الأحد، 2 سبتمبر 2018

ترميم.

أكتب اليوم بعد انقطاع طويل، أكتب لا لشيء غير ذات الكتابة.أكتب ربما لأتخفف، ولأعود إلى نفسي أكثر. ماذا تعني العودة إلى المدارس؟ الأمر لا يعنيني بأي طريقة لأنني لست طالبة مدرسية ولا مسؤولة عن طلاب مدرسيين، ولكنها استعادة الصباح إليّ يا سادة!

تمر علينا الحياة ونحن نتوهم أننا أصحاء وأقوياء، تمر أدنى وعكة فنتبين أننا ضعاف إلى الحد الذي لا نستطيع معه المقاومة. بين هذا وذا يكمن الإنسان فينا، ولا يستقيم هذا التضاد إلا باللجوء إلى مدبّر حكيم فوق كل هذا الضعف والقوة. في لحظة انكسار النفس والجسد، نرمم الكسور لنغدو أثبت وأصلب في أسرع وقت ممكن. نقصد كل ما من شأنه أن يجعلنا أخف وأقوى. أنا بدلت فراشي إلى بياض ناعم بعيدًا عن الصورة النمطية التي يجب أن يكون الفراش عليها لأرتاح؛ أقرأ كتبًا، رتبت شقتي، واشتريت كتابًا جديدًا رغم وجود كثر قبله لم يُقرَؤوا، وأحسبني أستعيد نفسي شيئًا فشيئًا

بدء الفصل الدراسي الجديد يقترب، لست متأكدة ما إن كنت مستعدة أم لا، المهم أنني أعيد خياطة أزرار عباءاتي استعدادًا، وآمل أن يُبنى ألف أمل ويخاط في روحي خياطة الزر في العباءة. سعدت البارحة بخبر اجتيازي دورة الصيف بامتياز مع مرتبة الشرف في كل المواد، الحمدلله أبدًا، العقبى للجامعة!


أعلم أنني أحتاج إلى ترميم جذريّ يا إلهي؛ ولكنني أسعى وأحاول أن أكون أنقى وأقرب. أنا أعلم أنك تعين المجاهدين دومًا وتحبهم؛ اجعلني من المجاهدين وأحبني وأعنّي وقرّبني.

دفء.

مر عام. لم يغب الدفء يومًا. كان الحب مع كل ضحكة ودمعة حاضرًا. حتى في أحلك الظروف والمصاعب، وحين ضربنا الأخماس في الأسداس، وحين كظمت غيظي ألف مرة، وحين بدوت الغضبى التي لا يرضيها شيء؛ كان الحب السيد دائمًا. 

لم يكن قرارًا سهلًا  أبدًا؛ خصوصًا مع فكرة الارتباط التقليدي الذي يجعل العبء بحمل إنسان يأكل ويشرب ويخرج وينام طاغيًا على الحب والدفء. لم يكن من السهل على فتاة في الثامنة عشر قرار الارتباط الذي لن ينفك إلا بالموت. كانت فكرة احتواء الإنسان حتى يخرج قويًا يواجه قومه بالحق لا يهزه أي أذى كمحمد صلى الله عليه وسلم هي الدافع؛ ولم تزل إلى الأبد. فكرة الاتحاد مع شاب يعينني على مواجهة الحياة وعلى الطاعة، ويشاركني جنوني كله؛ تبقى فكرة جيدة، على بركة الله. 

عمري عشرون، لكنني أنصح الفتيات اللاتي يكبرنني حين يقبلن على الزواج، وأصد ألف فكرة وكلمة عني وعنه من المجتمع ضدنا. لا أظن أن السابقين كانوا في أتم السعادة في زواجهم الذي يملون تبعًا له النصائح علينا؛ لذا سنصنع نحن الحياة الأسعد بإذن الله. ولّى عهد الرابطة القائمة على التكاثر ورعاية الأطفال، جاء عهد التفاهم والحب والسلام.

يندهش كثر من علاقتنا المتفتحة جدًا، كيف أتركه يسافر عني شهرًا وأسافر عنه مع أهلي، أعترف أن البعد كان صعبًا، لكنه زكّى الحب. التفاهم رأس كل شيء الذي لا تقوم حياة الزوجين دونه. لم يكن الحب يومًا قائمًا على علاقة سيد وخادم، أو مسيطِر ومسيطَر عليه، بل هو التفاهم والود الذي يظل الذكر والأنثى قبل أن يظلهما سقف واحد. 

تقول إستبرق: ما من أناس يعيشون تحت سقف واحد إلا حدثت بينهم خلافات؛ إخوة كانوا أو أصدقاء أو أزواجًا. الرحمة التي تهيمن على هذه الخلافات هي القضية؛ أن تتنازل مهما توجعت، أن تسامح مهما تأذيت، أن تعيش التوازن بألا تتنازل عن حقوقك ولا تطغى. هي معجزة المودة والرحمة التي تصيّر كل أذى إلى سكينة.

قوة الحب تدفع للعطاء، مع كثرة التنازلات باشتغالي بألف تكليف واختبار، كان هو يقوم بكل شيء؛ يعتني بي، وبنفسه. كنت مع كل الضغط أشعر بالحاجة الماسة إلى السكن والدفء، مهما ساءت نفسيتي؛ كان هناك مهدئ دومًا. أما لحظات المرض والحمى؛ صارت نعيمًا وهو يحنو عليّ ويهتم بي ويحضّر لي الدواء بنفسه. 

في خلال هذه السنة؛ اكتشفت أنني أملك أطباعًا سيئة جدًا، وأن كثيرًا من الصفات التي أستنكرها في أمي ملكتها تمامًا كما هي عند أمي. كنت في أحيان كثيرة حارّة الأعصاب ويضايقني الشيء واللاشيء بصورة مستفزة جدًا؛ لكن صدره كان أوسع، وكانت الرحمة تطغى دائمًا. هذه العلاقة المقدسة التي يتحمل فيها الطرفان من المشاق ويغضان الطرف عن المنغصات ويعالجان ما لا يُعالج الأمر الذي لا يكون في أي علاقة أخرى.

يبقى الحب هو الشفاء، وهو الدافع لكل عظيم اليوم وغدًا وأبدًا. غشّى  الله بيوت المسلمين جميعًا بالمودة والسكينة والرحمة والحُبّ، وجعلنا سندًا لبعضنا أبدًا، ورزقنا تكملة الحب وجزءه الحقيقي في الخلد الذي يبدو كل ما قبله سرابًا.


_________
*بتاريخ 20 أغسطس 2018. يفترض أن تكون بتاريخ 5 أغسطس ولكن تأخرت. 

الثلاثاء، 5 يونيو 2018

رسالة إلى الله

إلى الله الخبير بخلجات نفسي ووساوس الشيطان، إلى الله الذي يعلم أكثر من أي شيء أنني أحارب الشيطان في كل وقت لأكون أفضل وكثيرًا ما يغلبني، إلى الله الذي أتخذ تعظيمه والالتجاء إليه من شرور الشيطان وطلب المغفرة منه وكل ما عداها منه شرعة ومنهاجًا، إليك يا الله وأنت تعلم أنني كلما مررت على قصة نبي لك يحبك أصغيت السمع وأذعنت إذعان طالب العلم الضعيف النجيب؛ لعلي أقتبس شيئًا من نوره وهديه.

يا الله، قضيت سنين من عمري أفكر كيف يذكرك الذاكرون ذكرًا كثيرًا، هل بالمسبحة التي لا تفارق أيديهم وهي تسجل عددًا كبيرًا؟ أم بالصمت بين الناس لاشتغال اللسان بالتسبيح والتهليل والتعظيم؟ يا رب، أعترف أنني وجدت الموضوع شاقًا، وأنه درجة عليا من القرب المضني المجهد، ولكن خوفي أن أكون من المنافقين الذين لا يذكرونك إلا قليلًا بقي ملازمًا لي أبدًا، كنت أقول: كيف لك يا رب أن تكلف العبد الضعيف المنغمس في مشاغل يومه ما لا يطيق بألا يفارق المسبحة معتزلًا  الناس؟ ولكنك أخذت بيدي كما عودتني. 

دللتني يا الله أن ذكرك الكثير ليس أرقامًا كبرى تسجلها المسبحة ولا اعتزال الناس ذكرًا، بينت لي في كتابك أن ذكرك الكثير يعني أن تكون حاضرًا دائمًا في البال، مرافقًا لكل الخواطر صغيرها وكبيرها، ذكرك الكثير يعني أن تكون أول من يخطر على البال إن أصاب حادث، أو طرأ سار، أو حتى دون أسباب واضحة، أن يحظى إنسان بتعظيمك حاضرًا دائمًا، وبالاستجارة بك من الشيطان وكل شر، وباستغفارك خشية ألا تتقبل ما يعمله لأجلك (لنقص فيه)، وبأن يستعين بك إذا استعان، ويطلب منك إذا طلب، ويفتقر إليك كل الافتقار لا إلى غيرك. 

أتساءل دائمًا؛ كيف كنت حاضرًا في أذهان أنبيائك وعبادك الصالحين إلى هذه الدرجة العظيمة؟ كيف تذكر يوسف عليه السلام وهو المسجون ظلمًا وبهتانًا أن ينشغل بتعريف الناس بك بدلًا  من أن يقدح فيمن ظلمه ويثأر؟ كيف تذكر موسى عليه السلام المشرد المنفي المنكوب الجائع المتعب المرعوب أنك أنت مالك الملك ولا تقدّر شيئًا إلا رحمة بعبدك؟ أي قوة هائلة جبارة أودعتها في مريم لتنجح بكل رضا وقوة في الاختبار الذي وضعتها فيه وهي تتهم في شرفها بدلًا من أن تقول: أبَعدَ ما عبدتك ولم أفارق محرابي تفعل بي هذا؟ كيف ألهمت أولي الألباب أن يتفكروا في السماوات والأرض ولو كانوا في غمرة انشغالاتهم ليصلوا إليك ويذكروك كثيرًا، وليستمدوا يقين وقوة الذكر من التفكر في ملكوتك، وكيف أوصلتهم إلى درجة أنهم لم يستطيعوا حين رأوا عظمتك في خلقك ألا يذكروك؟ كيف أودعت كل هؤلاء سر الحياة الذي لا يطيقونها دونه؛ كيف ألهمتهم ذكرك؟

كيف سخرت لكل من يريدك بشرًا من جنسه يخالطونه ويعيشون معه لئلا يضعف أو يستكين؟ كيف سقتهم إلى الصلاة بقرب عبدك الضعيف هذا جماعة، أو أذنت لهم أن يتلوا آيتين لتُسمع العبد الذي يقصدك كيف يقصدك، كيف جعلتهم صورة مجسدة لرحمتك بأن يرحموه ويأخذوا بيده مهما كان ضعيفًا، كيف يا رب تفعل كل هذا ثم يشكو عبدك الوحشة أو التعب؟ 

يا ربي وإلهي، لا زلتُ أحارب في الصلاة لئلا أنشغل بشيء عنك، لا زلت أجر نفسي جرًّا إلى ما تكره هي وتحب أنت، لا زلت أتخبط في ظلمات الحياة التي لا يكشفها إلا نورك، أيقنت أنك لا تكلف نفسًا إلا ما آتيتها، وأن التاجر والصانع والعالم والزارع كلهم يستطيعون بهدايتك أن يذكروك ذكرًا كثيرًا وهم في غمرة أعمالهم؛ إذ ليست القضية في اللسان أو الجوارح مثلما هي قضية قلب، أعلم يقينًا أن لا حياة إلا بقربك، لا أنس إلا بذكرك، ساعد من يرجو قربك ويلتمسه مرارًا يا رب العالمين. 

الأحد، 13 مايو 2018

مذكرات طالبة جامعية 5

أفكر وأنا مستلقية، ما الجدوى من مذاكرتي لمادة أنا أعلم يقينًا أنني سأتجرع تقدير (C) علقمًا فيها؟ ثم سرعان ما أجد الإجابة في رد صديقاتي: "لكي لا تتجرعي (D) أو ترسبي لا سمح الله!" بما أننا في الجامعة؛ إجابتهن مقنعة كفاية. 

تتزحزح الأيام الثقيلة يومًا بعد يوم، وتأبى الجامعة إلا أن تملي علينا موادًا إجبارية للدراسة وهي قد لا تزرع فينا ما تهدف الجامعة إليه؛ لا لأننا لا نؤقلم أنفسنا على حب ما ندرس، بل ربما لأن ما ندرس أقسم ألا يبقي فينا أي مدد لحبه، فكلما أشهرنا السيوف وعلت صرخات الجهاد، كان جهاده علينا أقوى رغم عدتنا وعتادنا، لا أقول لأن الله معه علينا، بل أقول لأن الله لا يعطينا دائمًا ما نحب ولا يعطينا حتى ما نكره بسهولة. رغم كل هذا، نعلن للمرة الألف أننا سنجاهد، وأننا لن نصغي لمادة تكرهنا بل نجاهد لنجعلها تكرهنا أكثر! 

كل ما قلت عن الكراهية أظنه دليلًا كافيًا على أنني أحمل بين جنبيّ نفسًا تختبر وتذاكر طول وقتها، فنفسية الاختبارات واضحة للعيان، لكن لا بأس علينا، فليكن ما يكون، بقيت عشرة أيام وينتهي كل شيء. حين أقول هذا أنبّه نفسي وأقول: ليست القضية أن تنتهي العشرة سريعًا، هي سريعة على كل حال، لكن القضية هو ما تُحدثينه أنتِ فيها. 

تمزقنا المذاكرة كما نمزقها، نعتزل العالم طويلًا في صوامعنا لنخرج بعلم ينفع، وحين تضيق بي صومعتي وأسأم، أنتقل إلى الصومعة الضخمة للمذاكرين (المكتبة الرئيسية في الجامعة) لأجد مئات من الطلاب الذين لا يفعلون شيئًا يذكر سوى المذاكرة، أجد نفسي محاطة بصديقاتي اللاتي يذاكرن ويتفوقن، وإن كنت لا أنجز هناك كثيرًا إلا أنني أستمد طاقة تكفيني لمواصلة ما بقي في صومعتي، لأهتم لا بأنني أقرأ فقط، بل لأعتني بجودة مذاكرتي ليتقبلها الرب خالصة فيصب علي علمًا غزيرًا، وقل رب زدني علمًا.

نقرأ القرآن فيقرأنا، نجد فيه ذكرنا في كل زاوية منه، نجد فيه كلامًا كثيرًا للمتعبين وللأقوياء، مثلما يقول: ﴿وَالَّذينَ جاهَدوا فينا لَنَهدِيَنَّهُم سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحسِنينَ﴾، نغبط الناس حين يستعدون لرمضان ويتعطرون ويتزينون قبل مجيئه، ونغبط أكثر الذين يتفرغون للقرآن ويغوصون فيه، ثم نتذكر أن طلبنا للعلم غاية عظمى توصلنا إلى الله، وأن جهادنا فيه يُسلِك لنا سبلًا إلى الجنة. وأننا سنتفرغ باقي رمضان للقرآن. 

يا رب الدروب الطويلة والآمال العِظام، آتنا ما نرجو وأكثر، وافتح لنا أبواب العلم الغزير والنهضة بالأمة بالعلم.

ما جدواك علميًا؟

نستهزئ بالمؤسسات التعليمية مليًا التي تَقبل عددًا كبيرًا من الطلبة ثم تشخلهم إلى أن يتخرج قلة قليلة منهم، ولا ندرك أن الشخل هو أساس التعليم الناجح، والفرق يكمن في شخلهم إلى ما ينفعهم أو شخلهم إلى القمامة دون مبالاة. كان يحدثني أبي عن دراسته في الأزهر في أوائل الثمانينات؛ فقال أن في شعبة واحدة كان يدرس أكثر من 400 طالب في قاعة لا تكفي ربما لنصفهم والشيخ يتحدث دون مكبر صوت ونصف الطلاب محظوظون إن سمعوا ما يقول الشيخ بوضوح، فمنهم من يحضر المحاضرة جالسًا على النوافذ ومنهم من على الأبواب، ولكن من حسن حظهم أن كثيرًا منهم لم يكن يحضر المحاضرة أصلًا، فكانت القاعة تتفرغ لطلاب العلم الطلب الجاد الحقيقي. يقول أبي الملهم: لاحقًا؛ تخرج من هؤلاء الأربعمائة ستة عشر طالبًا فقط، كان هو الأول عليهم.

يتخرج سنويًا آلاف الطلاب بل ملايين، يتخرج أغلبهم بأدنى حد من المعرفة التي تعطيهم تلك الورقة التي تقول أنهم درسوا في هذه الجامعة المرموقة ليحصلوا على تفضّل من أرباب العمل لينالوا لقمة العيش التي تبقيهم وأبناءهم أحياء، وتمضي الحياة إلى أن يكبروا ويشيخوا ويتقاعدوا ولقمة عيشهم مضمونة. كم طالبًا تخرج وهو ينوي -ولا ينوي فقط، بل يعمل- ليحدث فرقًا في هذه الأرض التي ضجت بالعبثيين الذين يريدون البقاء أحياء دون أدنى إضافة؟ يقول د. رائد حين أخذنا لمختبر ليرينا أحدث الاختراعات في مجاله: لو استيقظ العالم في يوم من الأيام، وكان العرب كلهم قد اختفوا من وجه الأرض، ماذا سيحدث في العالم؟ كانت الإجابة أن لا شيء سيحدث لأن وجودهم وعدمهم واحد. إن اختفت ألمانيا سنفتقد كمًا هائلًا  من السيارات والآلات والأجهزة، وإن اختفينا نحن؛ لا شيء سيحدث. وحين سأل: ماذا قدمنا نحن للعالم؟ ماذا شغلنا؟ قلت له: "عيوش."* فضج المختبر بالضحك من صدق ما قلت.  

أقضي عمري أحاول أن أحصل على أكبر قدر من المعرفة التي تجعلني إنسانًا أفضل، أخطط ألا أتخرج إلا محيطة بكل ما يثريني في تخصصي، لا أريد أن أتخرج حتى أعرف أنني عرفت كل ما يجب وما لا يجب علي أن أعرفه لأحدث فرقًا بأن أعمل بما أعلم وأنمي نفسي حتى أدفع عجلة البحوث العلمية في تخصصي قدمًا لئلا أكون أضعت سنين من عمري بدراسة أشياء سأنساها كلها حالما أتوظف، فأصبح على الوظيفة وألبس نفس اللبس وأقف في نفس الموقف وأدخل من نفس المدخل وأقابل نفس الأشخاص وأفعل نفس الفعل وأتقاضى نفس الأجر وأعود في نفس الوقت وتمضي حياتي. ما الجدوى من أن أضيع عمري في الجامعة ثم لا أتمه في دهشة الاستكشافات الجديدة يومًا بعد يوم؟ 

ما الذي جنيناه ونحن نتعلم للاختبار وننسى؟ ما الذي جنته النسبة الضخمة (حسب دراسة أجريت) الذين يتخرجون ثم لا يقرؤون كتابًا واحدًا بعد التخرج؟ ما الجدوى من أن تدرك أنك متخلف وتقوم الليل وتدعو الله أن ينصر الإسلام والمسلمين وأنت تعمل -وظيفيًا- دون أدنى إنتاج أو إنجاز يدل على أنك موجود وتفكر؟

(وَلكِن مَتَّعتَهُم وَآباءَهُم حَتّى نَسُوا الذِّكرَ وَكانوا قَومًا بورًا﴾، هذا ما سيقوله المجرمون يوم القيامة لله حين يسألهم عن إضلالهم لعباد الله وتعديهم كونهم أصفارًا إلى كونهم مفسدين، فيقولوا أنهم من المتع نسوا الذكر فكانوا فاسدين لا خير فيهم. ما الخير الذي يكمن فينا ونقدمه للعالم الآن؟ هل قدمنا شيئًا يقول للعالم أننا أقوياء بديننا وأننا بشر نفكر؟

من الطريف أن بعد هذا الخطاب المؤثر في المختبر أننا يجب أن نتحسن لنتعلم بنية العمل والتجديد وتقديم خير للعالم، خرجنا فقالت موظفة متهكمة كانت معنا: زرناهم ولم يقدموا لنا حتى أي طعام!

___________
*عيوش: كلمة عمانية، جمع كلمة عيش وهو الأرز في عُمان، يستخدمها العمانيون لتعظيم العيش. 
*كتبت بتاريخ 9 أبريل 2018. 

الثلاثاء، 20 فبراير 2018

مذكرات طالبة جامعية 4

هاقد بدأ فصل دراسي جديد ومضى ربعه وأنا لم أزل في وضعية البين بين، لا أنا في إجازة وهناء ولا أنا في دراسة وجد في المذاكرة، لست إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. أدرك أنني أحتاج إلى كثير من الجهد لأذاكر وأتفوق، لكن المشكلة هو أنني لا أتخذ خطوات عملية، والمشكلة في الخطوات العملية أنني غير مستعدة نفسيًا لهذه الخطوات العملية. آخ كم أن النفس البشرية معقدة لدرجة أنها لا تستطيع إدراك ذاتها!

المهم، الحياة تريني كل يوم أنها مجموعة من المتناقضات. إذ من بعد الفصل المريح الذي لا يقل جهدًا عن هذا، لكن قضيته أن مواده جميلة ومدرسيه أجمل واختباراته متفرقة لطيفة؛ يأتي هذا الفصل الثقيل الذي لم أستطع أن أتقبل نصف مدرسيه ونصف مواده، لأعيش أجاهد لأتكيف وأفهم أكثر مما أجاهد لأذاكر جديًا. 

هذا كله ليس مهمًا، المهم أنني أؤمن يقينًا أن لا شيء سهل وأن علي الجهاد، تكيفت مع انعدام مصادر الطعام أو انعدام الوقت لتناوله إما بمقاومة الجوع أو بإحضار طعام في حقيبتي، وتكيفت مع إجهاد الدراسة المتواصلة من الثامنة صباحًا إلى الخامسة عصرًا دون استراحة أقضيها في الجلوس على كرسي والاستماع إلى أناس يتحدثون دون أن يعرفوا أو يبالوا بحالة الكائن الجالس على الكرسي وهو يشبه الكرسي الجالس عليه. لم أستطع التكيف على شيء واحد مع كل هذا؛ أن أكون في مجموعة في المختبر مع طالبات لا يبالين إلا أن ينهين عملهن سريعًا ليخرجن. لا تهم صحة النتيجة، ولا دقتها، ولا يهم أن نفهم شيئًا، المهم أن ننتهي مبكرًا ونخرج لتناول الشاي. علمتني الحياة تحمل كل ما لا أطيقه، لكن لم تعلمني التعايش مع هؤلاء. كيف لا يريد إنسان أن يفهم ما يعمل؟ وكيف يعدون من يريد أن يفهم خارقًا لقوانين الطبيعة؟ كيف تكبرني طالبات بسنتين ويوشكن أن يتخرجن وهن لا يردن سوى الخروج دون التعلم؟ 

أدرك كل يوم أنني لا أفهم الحياة أكثر من اليوم الذي سبقه، أدرك أنني أحتاج إلى التعلم إلى أن أموت، أدرك أنني أحتاج إلى مزيد من التحسين والتحسين والجهاد والجهاد والجهاد إلى أن أموت دون التعلم. أدرك أنني أريد أن أحدث فرقًا في هذا العالم، وإحداث الفرق لا يُدرَك بالنوم الكثير والكسل. أوقن أن الله لا يعطي الأحسن إلا للمجاهدين؛ ولهذا سأجاهد. 

الأحد، 17 سبتمبر 2017

ميلاد.

تضيق الدنيا بي وأنا أتخيلها تضيق بأمي قبل عشرين سنة بالضبط وتصرخ "يا ليتني مت قبل هذا" في أروقة المستشفى السلطاني. لا يفيدها تمنيها. تظن أنها ترى الفرج بعد أن زفرت الزفرة الأخيرة لأولد في تمام الواحدة صباحًا، لكن تلك لم تكن إلا نقطة البداءة في مسيرة الشقاء الذي لم يغادرها لثانية طيلة عشرين سنة، كان كل هذا حين قدر الله لها دون اختيارها أن تكون أمي. 

بعد أن ولدتني بإحدى عشر شهرًا، اضطرت اضطرارًا قسريًا أن تتركني عند أختها لتسافر، خلعت روحها وغادرتها. بدت كالمجنونة وهي تبحث عن طفلة تضمها إلى صدرها بدلًا عن روحها التي خلعتها ولم تجد. لم تعد إليها روحها وهي تعود بعد أكثر من سنتين لتجد روحها التي غادرتها تنفر منها بكاءً لأنها لا تعرف أنها أمها. وكأن قسوة الحياة تجمّعت في قدر أمي في تلك اللحظة. أدعو الله لها ألا تكون خلعت روحها مرة ثانية وهي تزفني. 

بلغت العشرين وأنا متزوجة، وكلما اتسعت الحياة في عيني اتسعت أمي في قلبي، وكلما شقيت أتذكر أن أمي تشقى معي أضعاف هذا الشقاء. كان الميلاد في عينيّ هو أنا وماذا فعلت في جياتي، أما اليوم فالميلاد هو أمي، وكيف ولدتني وأرضعتني ونخلت روحها وجسدها وقلبها وقدمت لي خلاصته. 

البارحة كنت أعيش في قلق لأنني سأبلغ العشرين (عكس صديقاتي اللاتي يفتخرن بالعشرين)، لا لأنني سأبلغ من الكبر عتيا، بل لأنني وصلت إلى العمر هذا دون أن أفعل ما يذكر. 

لأمي كل حب موجود في الدنيا أجمّعه وأهديه، لأبي كل حنان ألمه من قلبي الصغير، وللرجل النائم بجانبي كل تقدير لكل ما يبذله لي، لعائلتي كل انتماء ووفاء، لصديقاتي كل الامتنان لوجودهن في حياتي. لي كل المحاسبة على بخلي بكل ما عندي للعالم.