السبت، 17 سبتمبر 2016

قطرة المطر ١٩.

زفرات أمي المتكررة لتسعة أشهر في أصعب حمل مر عليها في حياتها، وخز الولادة الأول إلى الطلق الأخير، السعادة بمجهولة الاسم التي احتير فيها كثيرًا ثم شاء الله لها أن تكون مزنة -أملًا في اسم على مسمى-، أذان سيدي والدي الأول في أذني، ودغدغة اسم الله لفطرتي، ضحكتي الأولى التي أضحكنيها الله، خطواتي الأولى التي خطوتها بعيدة عن والدتي قريبة إلى أمي الثانية، سناي الأوليين، مزاجي المتقلب وتعلقي بأمي الثانية، بكائي الذي يذكره الحابل والنابل، دلع طفولة آخر العنقود المرتبط بالغياب والفقد، كل التفاصيل التي أقف أمامها، "ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك". 

من ضعف الطفولة الأول، وحاجتي إلى من يحميني ويؤويني، أكبر فتقل حاجتي المادية إلى إرضاع وإطعام وتنظيف، وتبقى الحاجة العاطفية أزلية أبدية، يقوي الله عودي فأتخبط وأسقط ألف مرة قبل أن يأخذ الله بيدي فأنهض مرة ثانية، أنتبه انتباهة المغشي عليه، أدرك وضعي ومآلي، أحسّن طريقي، أرقَع من هنا، وأخيط المثقوب، وأخصف التالف من نعل حياتي، أتنفس الصعداء، أتشبث بالله مجددًا وأمضي. 

أدرك يا الله بعد ١٩ عامًا في حياتي أنني لم أكن لأضيع أوقاتي ولا لأعيش سبهللة، أدرك أن أحاديثي وفكري إن لم تقدم ولم تؤخر وزادت عن الحد اللازم انقلبتُ ضد هدف حياتي، أدرك يا الله أنني أعيش لك، لذا فعليّ أن أحيا بأعلى همة وسعادة وأن أنجز وأنفع وأكظم أذاي أو حتى أكف "لا-فائدتي". أدرك يا الله أنك خلقتني وأنت تعلم أنني على قدر المسؤولية الثقيلة التي ألقيتها علي لأجعل الأرض للإنسان أحسن، وأنك لم تقدّر لي أقداري إلا لتصنعني على عينك فأكبر قبل أن أكبر. يا رب، أنا أجاهد وأسعى لأكون ذات نفع وإزهار وإمطار ينعش العالم، وأنا أعلم أنك تساعدني دومًا، خذ بيدي. 

شكرًا لأنك بعد التسعة عشر عامًا لا تنفك تحنو عليّ دومًا، تطبطب علي إذا حزنت، ترعاني بكل اللطف لأرجع إلى صراطك مهما أصررت على غيره واستكبرت، ترسل لي أسوأ المواقف لتصنعني على عينك، ثم تصطفي لي خيرة عبادك يحيطون بي من كل مكان فتغدو حياتي نعيمًا. شكرًا لأنك اخترت لي أبي العظيم، وأمي المجاهدة، وإخوتي السند الأبدي وأهلي الكرام، شكرًا لأنك في عامي الأخير اصطفيت لي من الناس سليمان؛ إضافة حياتي الأجمل، وممتنة أنا للأبد -يا رب- على صديقاتي اللاتي إن جار العالم علي جرن عليه عني، وإن هفوت أعززنني وقومنني وفهمن كل شيء دون حديث مني ولا إشارة. شكرًا لأنك الله ربي الذي كلما حاولت أن أفكر أن أدعو غيرك جُنِنت لأنك الحق ولا شك. 

أمطِرني أبدًا إلهي؛ حية وميتة. 

الخميس، 28 يوليو 2016

بين ثنايا #مذكرات_صعيدية_منتزقة

ما كنت أعرف كيف تُكتَب المشاعر، كيف تمسك بإحساسك من عنقه وتثبته بقسوة على جدار الكتابة حتى ينزف. ما عرفت أبدًا كيف أكتب جزءًا من حياتي الجامعية النعيم، ذاك الجزء المتعلق بالأخوة التي أتقلب فيها يمين شمال تقلب النائم الآنس بعد طول إجهاد من الحياة. 

كان من المحال أن أنهي مذكرات الصعيدية المنتزقة حتى أنهي هذا الفصل، طالت الأيام وكان كل شيء ضدي لئلا أخرج من اختناق اللابوح، فجرت أختي كل شيء فأقسمت ألا ألبث حتى أنفجر حبًا.

لا شيء في الحياة يساوي تلك اللحظات التي تمشي فيها بجانب إنسان تعده أخًا في مكان تعشقه، لا شيء يساوي رؤية وجهه بعد يوم منهك فيموت كل التعب فيك، لا شيء يساوي لقمة تشطرانها وأنت تحبها لكن تشاركها حبًا، كرسيًا لا يكاد يحويكما يسعكما بحب، لقاء صباحيًا يوميًا، لا شيء في الدنيا كلها يساوي آية تتدبرانها، أو تلك اللقاءات في الحلقات القرآنية، مذاكرة تجويد القرآن معًا. لا شيء يساوي صوتًا يحييك بعد موتك، ومشاركة لكل شيء. لا شيء أبدًا يساوي تلك الليالي التي نضحك فيها على أعيننا المنتفخة في وقت السحر، أو على مواقفنا السخيفة. يستحيل في واقع الحياة خروج مفاجئ من الشقاء البحت إلى النعيم الغامر، لكن أنا الله أخرجني من مُرّ الحياة إلى نعيمها الحق حين أحاطني بأخوات يقسمن على الحياة ألا تشقيني ما حييت. 

للمشروع القرآني عمق امتنان، لله الامتنان الأعمق على الإطلاق، لأختي التي تأبى أن أشقى في الحياة كل السلام والنعيم في الآخرة. لعجزي عن التعبير وقلبي الذي ما هدأ مذ بدأت الكتابة غفران من الله أبدًا. 

قال لقمان الحكيم: (يا بني، ليكن أول شيء تكسبه بعد الإيمان بالله أخا صادقا..
فإنما مثله كمثل شجرة، إن جلست في ظلها أظلتك.. وإن أخذت منها أطعمتك.. وإن لم تنفعك لم تضرك.)

الأحد، 26 يونيو 2016

إلى صاحب العهد، رمضان القيام. ٢

إلى صاحب العهد، 
لعلك انطلقت بقوة أو لعلك تقاعست، لعلك صليت في الصف الأخير ولم تدع المارة يمرون والصفوف فارغة أو لعلك لم تتأخر عن الصف الأول في التراويح قط، لعلك نمت نهارك إلا قليلًا أو هجرت النوم، أكتب لك على أي حال. 

سأخبرك عني قليلًا عوضًا عن أن أملي عليك وصاياي كل مرة، اليوم أنا شعرت وكأنني مزيف وأنا أتنقل من صديق إلى آخر لأتأكد أنهم جميعًا قيام وقت السحر وأعمل كمسحراتي؛ أتجلى لي منافقًا لأنني بالأمس نمت عن القيام وعن الفجر وعن البكرة لأصلي والنور ملأ أركان الدنيا إلا قلبي، وأما اليوم فأظهر أمامهم الرجل الصالح القائم، هل يستويان مثلًا؟ لا تُسكِت ضميري بتذكيري أنني قضيت اليوم أحاول السعي في الخير للتكفير عن خطيئاتي، لا يجدي ذلك دائمًا ما دام قلبي منكوتًا عليه. 

أتعلم ماذا؟ أشعر أنني بدأت أحبك أكثر الليلة، حين قضينا ليلنا معًا نذكر بعضنا بآيات الله ونتلمسها في قلوبنا عمقًا، ذلك يشعرني بالحب أكثر من أي شعور آخر، أكثر حتى من سكرات الليل وضحكنا المجنون، نشوتي بك يا صديقي تتعدى أوقاتنا السعيدة وأحاديثنا الضاحكة الراقصة؛ لأننا نشاء لنشوتنا أن تتصل بالأبدية فلا ترضى لها مقامًا أدنى من الجنة. 

كم مرة قلت لنفسك على انفراد أنك تعبت وأن رمضان طال أكثر مما ينبغي؟ وكم مرة شهقت بقوة وأنت تسمع أحدهم يذكر تاريخ الليلة لتستبصر أنها {أيامًا معدودات}؟ أكان لك عجبًا أن أوحى إليك الله أن تعمل خيرًا حتى تشعر به وكأنك حزت الدنيا وما فيها؟ قلبك قلبك يا صديقي، هو العدو فاحذره! لا تدري كيف يتلصص بين جنباتك ليوقظ فيك إعجابًا وتزكية ما كانت لك بعملك المتتأتئ الذي ما إن وقف وخطا حتى وقع على وجهه. 

أسكنتني أمنيتك الصغيرة تلك حين قلت أنك تتمنى لو يقف الزمن في لحظات التراويح لئلا تنقضي ويبقى عمرك كله بتلك السكينة والأمان المكنوزين فيها. ما كان عمرك يا صديقي إلا امتدادًا لذاك الأمان الذي تجده فيها لتسعى في الأرض طالبًا السكينة فيها بتعميرها ونشر العدل في كل تفاصيلها، ولعلك تفهم جيدًا أن صلاتك تطمئنك وحدك، وعملك المنطلق منها يطمئن العالم معك. ما كانت التراويح لك إلا تلك التنهيدة التي تقف بعدها قويًا مواجهًا كل صعب بإقدام، وما كان الصيام إلا التجربة التي تعيشها كل يوم لتثبت لنفسك أنك فوق مستوى الشهوات البحتة، وأنك تعيش أسمى منها وبين عينيك كل زهرة تنبت، وكل نملة تعمر دارها، وكل طفل يبتسم، وكل شيء يصير أفضل.

رمضان يا صديقي هدنة لاستمداد القوى لعام قد يثقلك ويرهقك ويغشيك ويضعفك، رمضان انتصار منك عليك وعلى أمارتك بالسوء وعلى شيطانك ليقول عنك: "إنساني قوي كاسح!"، رمضان إيمان يشعلك عطاء لا ينطفئ، ورمضان -بعيدًا عن تنميق الكلمات المستهلكة- وقود حياتك، فأحسن في خير عشر بقين منه!




بُكرة ٢٠ رمضان ١٤٣٧ 
بعد الرسالةِ الأولى بلحظات -ربما يكن طوال نوعًا ما-.

الاثنين، 6 يونيو 2016

إلى صاحب العهد، رمضان القيام.

إلى صاحب العهد،
أتذكر رمضان الفائت حين احتضنتني عشية رمضان فابتهجنا لأننا التقينا ولأننا سنبدأ رمضاننا معًا؟ لم يكن لقاؤنا خبط عشواء، بل كان خير تدبير من الحكيم لنصير أحسن مما كان، ولينير رمضاننا! 

الآيات التي نتنادى بها، الانتظار للتفرغ من الجهاد في خدمة الناس لرشف آية، الأرق الذي لا يفارقنا لأننا لم نرتوِ من القرآن اليوم، كل ذلك جعلك أحسن صديق؛ لأنك زاحمت وقتك بالقرآن فخافت كل المشاغل أن تطغى فتؤذيها، لم تعتزل الحياة والناس لتنزوي في ركن تبدو أنك ترتل، بل أنت في وسط الناس تسعى وتعيش بالقرآن؛ لأنك فهمت أن القرآن إنما أُنزل ليقوم بالناس لا ليركنَهم في رفٍ بالٍ أو زاويةٍ منسية، فهمت أن الله إنما جعله لنتحرك به بين الناس والحياة، وفهمت أنك تحتاج أن تمص الآية مصًا لتذوق شهدها، لا أن تجعل لك جدولًا لختم القرآن مرات ومرات وأنت لا تعي منه إلا الحروف والصوت، وتحسب كمّ الأجر الذي تجنيه مع كل حرف ولا تعلم أنك بإهمالك العيش في ظلاله قد تقصم ظهرك بالوِزر. صديقي، لا تزاحم على الصف الأول في صلاةِ التراويح ما دمت الآخر في إنجازك.

دعني أكون شديدًا معك وأقول لك: إياك أن تحذر من بطلان صيامك أو من التعب بالجلوس تحت المكيف تعد وجبة الإفطار وتهتم بها، إياك أن تقوم الليل وتؤثره على عملك وتَضعف على المسؤوليات الملقاة على كاهلك نهارًا، إياك أن تلغي فكرة العمل من رأسك -لأنك صائم- وتؤجل كل شيء إلى الليل لتسهر تقضي أعمالك -إن لم تكن تضيع وقتك ليلًا-، لا أريدك أن تكون صاحبًا يقضي يومه يفكر في لحظة الإفطار ويعد عدًا تنازليًا لساعتها، ولا يقضي ليله يأكل أضعاف ما لم يأكله نهارًا، ولا صاحبًا ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، آمل أن يكون صيامك ركيزة تعيد التوازن إلى حياتك، تذكرك أنك تأكل لتعيش لا تعيش لتأكل، وتذكرك أنك مكرم فوق الاستهلاك وفوق كل الغرائز وأنك تحكمها لا تحكمك، وأن يجعلك الصيام حرًا طليقًا!

أفخر بك مستغلًا لرمضانك نائلًا العلم، قارئًا الكتب، عاملًا بملء عرق جبينك، متحركًا بالقرآن تاليًا وحافظًا ومرتلًا، تثلج صدري نافعًا للناس متعاملًا معهم بالحسنى، وترضيني وأنت خير الناس لأهلك، أحبك خليفة لله في أرضه. 



_________
قبيل إقامة صلاة التراويح الأولى. 
ليلة ١ رمضان ١٤٣٧.

الخميس، 26 مايو 2016

#مذكرات_صعيدية_منتزقة ١٢

أصل إلى البيت عند غروب الشمس، أتخفف، أُطلقُ نفسي للرّيح، وأتنفّس الصّعداءَ بكلّ ما أوتيت من قوّة؛  شعور لا تفهمه إلا المكتسيات بالسواد طول النهار تحت لظى شمس مايو في مدار السرطان، أكاد لا أصدق، آخر يوم جامعي لأطول فصل في الحياة! 

آخر محاضرة أحياء، آخر محاضرة في اللغة الإيطالية، آخر محاضرة في الرياضيات -المحاضرة التي "طنشتها"-، آخر وقوف في طابور الاستهلاكية، آخر جلوس في استراحة التربية، آخر مختبر، آخر مرور على حديقة العلوم التي سكنت فيها، آخر طلة في هذه السنة على كل شيء، مرت بما لذ وساء فيها لما ظننت أنها لن تمر!
٤-٥-٢٠١٦. 


المرض الذي صارعته لأذاكر فهزم جسدي ولم يهزم روحي، اعتزالي أهلي واعتكافي في الجامعة وصوت أمي يتردد فيّ: "لا تذهبي! ذاكري بالقرب."، اعتذاري ألف مرة منها وأنا أكرر لها أنني لا أستطيع مذاكرة كل ذاك إن كنت في البيت، محاضرات الأحياء الألف الباقية واستدراكي في الوقت بدل الضائع، استشعار كم الحمل الملقى علي وأنا مطالَبة بتحسين درجاتي إلى أقصى حد، سهره معي وتشجيعي إلى آخر ثانية، الإرهاق وحل الأسئلة إلى الفجر، صباح الاختبار والجوع يأكلني بعد أن اكتشفت أن مطعم السكن لم يفتح بعد، الدعاء والصلوات المتبادلة، لذة الاختبار واستمتاعي بحله، خروجي بعده خفيفة الروح أطير، الحلوى والصديقات، الاختبار الباقي -الأخير والوحيد في المرحلة التأسيسية- واقتناعي بسهولته وأنه لن يأخذ مني جهدًا عظيمًا، تعبي النفسي لأجله ليلته، انتهائي وانتشائي بعده -بلا طعم؛ لوحدتي-، المشي أميال في شمس عمان اللافحة، إعادة الكتب الدراسية الثقيلة، التنهيدة الأخيرة، انتهت سنتي الأولى في الجامعة. 

مر الفصل الذي ظننته أن لن يمر، مر وهو الذي فاجأني بوحشته ووحدتي فيه وسط صحراء المحاضرات وقحط النفس فيه بلا أنيس بعد الفصل الذي أحطت فيه بصديقاتي، مر الفصل الأول لتعليمي مجموعة طالبات في نادي إتقان التلاوة؛ الحلقة التي انتشلتني أسبوعيًا من جحيم تعب الجامعة إلى نعيم القرآن والعطاء، مر الذي تحملت فيه مسؤوليات عظام، أحبطت ألف مرة، وقفت بقوة الأمل واليقين بالله ألفي مرة، مر الذي أفتش فيه مائة مرة بين التخطيطات الفاشلة للقاء صديقة قديمة، مر وآسيا وغرفتها ملاذي حين التعب، وأفنان فرح الأربعاء بعد الإنهاك، وميعاد وعهود إجابات استغاثاتي، وألفة رفيقة حديقة العلوم، مر وفي نهايته حلم تحقق ما ظننته يكون، لكنه كان فأضحت حياتي نعيمًا. 

للدعاءات التي استجيبت وأنا كنت دعوتها في حاجة إليها ثم نسيتها، لرقصي تحت المطر مع مروى، للنقاشات الفكرية، للقاءات المصادفة، لجميع من عرفتهم في الجامعة فغدت حياتي أجمل، لكل ما قتلت نفسي لأجله قبل عام من الآن لأصل إليه، لأمي التي تتحمل غيابي الطويل وأخواتي عن المنزل لنكون بخير نبني أنفسنا، لهبة التي ولدت في هذا العام فكانت كفيلة بإصلاح النفسية التي تفسدها الجامعة، ثم وفي البداية للطف الله الذي غسّلني في الجامعة بعد جحيم المدرسة، امتنان لا يسع السماوات والأراضين. 

بعد التدوينة الأخيرة التي حسبني العالم فيها شقية في الجامعة لا أجد إلا العناء، أقول أن الجامعة خير نعيم أعيشه رغم التعب والإجهاد، للجهاد فيها ومقاومة التعب لذة انتعاشية وانتصار محارب، وما النصر إلا من عند الله!

إلى الله الذي رباني في الجامعة، شكرًا لأنك ما تركتني ولا نسيت تعبي، وجزيتني في اليوم الأول من إجازتي الصيفية رخصة قيادة أستعين بها على تعب الحياة، ممتنة لك أبدًا. ❤️

ظهر ٢٤-٥-٢٠١٦م. 


____
الحلقة الأخيرة -مع غصة-، لم أعد صعيدية. 

الأربعاء، 27 أبريل 2016

#مذكرات_صعيدية_منتزقة ١١



أستيقظ فجرًا بعد نوم لا يكفي لإشباع جسد بشري، أعود إلى النوم ثقيلة بعد الصلاة فأنام نومًا اضطراريًا لا يستحق أن يسمى نومًا، برغم النوم اللا-نومي، أنتقز متأخرة، أهرع إلى الاستعداد للجامعة، أعد حقيبتي بكتاب يشغل وقتي وشاحن ومذكرة المختبر، معطفي في الجامعة، لم أنسَ شيئًا، نخرج، أصل في تمام الثامنة، تبدأ الحياة بالتباطؤ، اليوم الأربعاء الذي استغرقت أحد عشر أسبوعًا من أسابيع الفصل السبعة عشر للتعايش معه (اليوم الذي ليس لدي فيه سوى مختبر واحد ظهرًا وأضطر إلى الدوام من الصباح الباكر لتعذر النقل ظهرًا)، أدخل إلى سكن الطالبات، أعمل كـ"مصبحاتي" كما تقول آسيا اقتباسًا من المسحراتي الذي يصحي النُيّم للسحور، أوقظهن، نفطر "فطورًا ملكيًا" من مطعم السكن، أعتني بوجبة الفطور لأنني أعلم أنها -قد تكون- هي الوحيدة التي تبقيني حية، أستلذ بكل ثانية مع صديقاتي، أزور المرشدة الدينية، تأخذنا السوالف فوق الوقت المخطط له، أجر خطاي وآسيا قافلتين، نذاكر -بلا روح مذاكرة لأن روحها انتهت-، آه علي أن أمسك حلقة رقية التابعة لنادي إتقان التلاوة، تجري الساعة إلى ما قرب الثانية عشر ظهرًا، أقول لآسيا أن ثقل العالم فيّ وأنا أستعد للخروج ذاك الحين، أقول يا رب الصبر والأجور، أصل في الموعد المحدد، أختبر الفتيات، أذاكر في الوقت نفسه، انتهى الاختبار، أصلي، آخذ علبة زبادي بحجم ربع كفي غداءً، تترجاني عاملة المطعم أن أتغدى ولو بقطيعة سمك -المفضل عندي- بمعطفي الأبيض، أقول لها عندي مختبر الآن وعلي الذهاب، أصل مبكرًا، أقرر زيارة المُدرّسة في مكتبها لمراجعة ورقة الاختبار الأخير الذي هدمت فيه شرف درجاتي في الأحياء إلى أدنى مستوى، ما بين الأخطاء السخيفة وتغيير الإجابات وما لم أفهمه أصلًا دهشت، تخبرني أنها توقعتني أفضل، أقسم لها برب المجاهدين أنني استنفذت جهودي وعملت بكل وصاياها، أتنهد، أقرر أنني سأرمم معدلي بالاختبار النهائي وأنني سأذاكر من الآن، تعجلني الأستاذة لأن موعد المختبر حان، أركض فتدلك جلدي الشمس بلفحها، مختبر الثانية ظهرًا الذي يحتاج جهاد الأرض، أصبر نفسي أنني سأعود قبل الخامسة، أتلافى جوعي بأنني سآكل مع أفنان، أحل اختبار المختبر الأسبوعي الأخير، أتلافى أذى تكاسل زميلاتي بشغف التجربة، أواجه كسلهن بقوة رفض أن يشاركنني تجربتي لأنهن أهملن تجربتهن ولم يقمن بالخطوات المطلوبة تكاسلًا، أنتهي أول واحدة، تبهر الأستاذة ومساعدة المختبر نتائجي، تلتقط صورًا، أنظف أدوات المختبر، أخرج، أفنان عادت إلى البيت، يا رب الصبر ساعدني على الجلوس، لا أجد من يرجعني إلى البيت، أقرر تجاهل جوعي وتعبي كله وشراء ما لا يسمن ولا يغني من جوع لإصمات بطني، أتجاهل ألم الحقيبة الثقيلة والكتب في يدي، أصلي صلاة الخاشعين المحتاجين المتعبين من الحياة، أجر خطاي جرّي لجراب الأرز القريب من وزني، أقرر أن أكون قوية، أدخل إلى السكن ثم أغير وجهتي إلى المكتبة، أجلس وآسيا، لن يهزمني تعبي والله مهما هدمني، أتذكر أعمالي المتراكمة التي تنتظرني كلها ومتعلقاتها في البيت، تذاكر، لا أستطيع التفكير عوضًا عن القراءة أو المذاكرة، أتصل بالأخرى ألف مرة لأعلمها برغبتي في العودة إلى البيت معها، ترد بعد أمد أنها في البيت، أتنهد بقوة، تذهب آسيا، أبقى شحن هاتفي ينفد، أشحنني بأذكاري، أشحن هاتفي، أصلي، أتصل بأمي لأؤكد لها ألا تتأخر عن التاسعة ليلًا لأن يومي أكلني وشربني، أغص فما أجدني إلا أبكي، كيف أبكاني تعبي وأنا التي لا يبكيها أسد يأكلها ولا برق ولا جبار؟ يبدو أن هذه كانت نقطة نهاية تحملي التي إن مُست دَمّرَت، أهدأ بالصبر والدعاء، أنتظر حافلة لساعة أو يزيد ولا أجد، أمني نفسي بأمسية لا أدري لمَ أحضرها، أصل بعد انتهاء نصفها، ألقى صديقة قديمة، أدخل أثقل من جبل، أحاول الاستمتاع، أنال بعض الإلهام، تنتهي، أستلذ بحديث الصديقات القدامى، أصل إلى البيت قرب العاشرة ليلًا، أشرب رشفتَي حليب أعرف أنها ليست زادًا حقيقيًا، أصلي صلاة العتيم صلاة المنهكين المعصورين الذين لم يجدوا سبيلًا للارتياح بالصلاة قبل ذلك، أستلقي على سريري، لا أبكي ولا أنام، أكتب. أكتب سيرة يومية لفتاة في سنتها الجامعية الأولى لا تستحق سكنًا داخليًا في الجامعة لأن بيتها قريب منها، أكتب سيرة فتاة لم تسعفها كل الأيام التي عاشتها برخصة قيادة تسكن بها نفسها وتستطيع الهناء بنقل متوفر من وإلى الجامعة حسب أوقات محاضراتها، أكتب لا لأنني فارغة، أنشر لا لعرض حياتي على العالم، أكتب لعل مستشعر نعمة يستقصد، أو واقع في بلاء يُستشفى. إله الصبر والجهاد، أعطني صبر المؤمنين، صبرًا بحجم سوء الكلمات المتراصة في فقرة واحدة. 


#طالبة_سكن_خارجي_ما_تسوق

الجمعة، 22 أبريل 2016

#مذكرات_صعيدية_منتزقة ١٠ ؛ طالبة جامعية إلى النور.

آه بدأت أتخفف أخيرًا، حضرت الدرس الأخير من دورة  هذا الفصل، ما إن أنهيته حتى طلبت صديقتي الأخت مساعدتي، هرعت إليها إلى الاستراحة، ساعدتها، بدت متعبة، استرخت على حجري، قالت: لم أذاكر لأنني تعبت وبكت كثيرًا. أوقعني الله هنالك لأتذكر أنني لم أتخفف حقًا بل كنت أهدئني عبثًا وأمثل علي، قمت أهدئها بالأشياء التي كنت أهدئني بها، هدأت بعد وهلة وقامت أقوى. 

ماذا قلت لها لكي تتخفف ولم يخففني؟ أكثر ما أتذكره أنني قلت لها: "والذين جاهدوا فينا..." وطلبت منها أن تكمل فقالت بصوت متقطع "لنهدينهم سبلنا."، ثم أردفت أنك تجاهدين فيه وحده قبل أن تجاهدي لدراستك أو لنفسك أو لأهلك أو تخصصك، إذا حضر الله فيك لذ كل مر وطاب، وإن أحسنّا العمل والظن أدهشنا.  

ذبولي الذي يسأل عنه كل من يقابلني فأتعلل بالإرهاق لم يكن إرهاق نوم عابر، بل هو ثقل جاثم على صدري لا يرضى النزوح. هاجس الأحلام والأهداف والضباب في الطريق، الكوابيس التي تطاردني يقظة ونائمة، كله أتغلب عليه بإذن الله لأن الله لا يكلفني ما لا أطيق، ولأن العبرة بالخواتيم، فلا منطق في أن أعتصر طول الفصل ثم أجف وقت الحصاد فيسكب زيتي هباء.

قيل لي مرارًا أن مواد الجامعة غير المدرسة، وأنها برغم تشابه الدروس وتكرارها إلا أنها أكثر رتابة في الجامعة نظرًا لتغير اللغة عن العربية، واختبارات المدرسة قمة في اللطف والحنان مقارنة باختبارات الجامعة، وأن الذي ينحط بدرجاته في أول فصل طالب طبيعي والأمر صحي تمامًا ولا داعٍ للجزع، فقط هي صدمة الفصل الأول في الجامعة ومواد الجامعة. كذبت وصدقت بين الشك واليقين، وما إن خضت في الأحياء التي أعشقها حتى ذبت رغم أن استمتاعي بها قل عنه في المدرسة بالعربية، لكنه ظل قائمًا هو والولاء الأحيائي فيّ. بعد اختبار الأحياء الأول صعقت رغم سهولة الاختبار وتجاوزت وبذلت روحي وجسدي واستنزفتني كلي للاستعداد للاختبار الثاني متجاوزة كل ما قصرت فيه في الأول السهل الذي صعقتني درجته، وإذ بالثاني رغم قوة العدة له واليقين بالله يكتسحني كما فعل مع كل الطلاب غيري، تبلد، إحباط، عدم رغبة في المذاكرة أو شم رائحة المادة، رغبة في الاستسلام والانسحاب من الحياة لفترة غير وجيزة، كل ذلك حاربته بصمت وقوة وأنا أرى الطريق يتناثر عهنًا منفوشًا، لا بأس علي سأكون أقوى. 

علمني الله بانكساراتي التي تزداد كلما بذلت أنه يريد أن يصنعني بظروف أسوأ حتى يزيد فرحي بالفتح بعد انسداد الأبواب جميعًا على وجهي، علمني الله أن الجامعة لم تكن سفرًا قاصدًا أركب فيه خيلًا فاتنًا يوصلني على نسيم بارد إلى مبتغاي، علمني أنها أيام قد أذوق فيها القحط والعطش والجوع في لفح صحراء وحدي، علمني أنه يسد علي بالظروف ألف باب أستاء لانسدادهم ثم يفاجئني بانفتاح ملايين غيرهم، علمني أنه أعطاني من كل ما سألته وما لم أسأله من التسخيرات والقوى لأجاهد وأتجاوز كل عقباتي، لكنني بعجزي أغمض عينيّ عنها وأتعلل بكرف الجامعة وسوء الظروف، علمني أنه اصطفاني وطهرني حين وضعني في موضع جهاد ورغبة في العلم نفسه لا رغبة في تسجيل الحضور المادي فقط وعدم الاهتمام بالفهم أو المذاكرة، علمني الله أنني وحدي قادرة على سبك أحلامي ذهبًا أو نحاسًا أو طينًا أو روثًا وأنني الوحيدة التي أرسم لي ما أريد ولا أحد سواي بإذنه. علمني أن أتيقن به وأحارب ثم أكتفي بالاندهاش من معجزاته. 


{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 41 ) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ( 42 ) }