الاثنين، 19 يناير 2015

شجَرة الليمُون.



بالأمس كنت أقول: يا رب ارحمها إذا كان الماء خيرًا
لها، واليوم السماء تهطل غيثًا لأن الله رحمها. أتعرفون من هو الله؟
ضجر أبي من إثمار أشجار الليمون إلا تلك الشجرة التي لم تثمر مهما اعتنى بها، شكى لأخي فقال له يا أبي اكتفِ بتعطيشها لكي تثمر. قطع أبي الماء عنها لأيام، أراها تصفر وأوراقها تذبل وتتساقط، لكن أبي على رأيه. قلت سأكتفي بالمشاهدة والدعاء لها، ربما في تلك الأيام كانت الشجرة تتضرع إلى الله أكثر، كانت بتسبيحها تقول أنا لك يا إلهي فأنقذني من ظمئي.
اليوم أمطر الله السماء لئلا تظمأ شجرة الليمون، وفي كل لحظة تتغير ثوابت عظيمة فقط لئلا تذبل مهجة دعته ووكلته أمرها.
يا رب الظمأ والرواء، يا رب المرض والشفاء، يا رب القوي والضعفاء، أثق أنك دومًا هنا لا تهجع عن أسى آنّ ولا إحباط مجتهد، أنت دومًا تريني أنني حين أجتهد وأتعب ثم أثق بك ولا أبالي مهما خذلتني الأسباب، أنت دومًا تريني أنك تغير وتكسر كل الأسباب لأنني جاهدت نفسي وتعبت محاولةً أن أخلص لك وحدك وأثق بك، أريتني أنني إن أخذت بالأسباب نزل علي عطاؤك سيلًا سيلًا.
يا راوي شجرة الليمون؛ اسقِنا من لطفك.

الأربعاء، 14 يناير 2015

الحق مَسفُوه. أيبزغ؟

على مر السنين، تضايقت لأن الغش كان يسري فينا كالدماء في الشرايين بسلام، مهما اعترضت أو تضايقت صبّروني بقولهم: ستأخذين حقك في الثانوية العامة. أما اليوم وقد وصلت للثانوية العامة التي يأخذ فيها كل ذي حق حقه وأجدهم قد تجاوزوا حدودهم؟ عذرًا لن أصمد؛ سأغضب وربما أبكي.
سبق لي أن جربت إعطاء شيء لأحد أولاد إخوتي ليجتهد فيه؛ ثم ما إن أنهاه وفرح به حتى أخذته منه وأعطيته لقرينه، بكى بكاءً مرًا ولم يهدئه أي شيء إلا إعادة ما اجتهد فيه إليه رغم أنها لعبة أو حتى حفنة تراب لا تقاس! هنا الفطرة تتجلى أن لكل مجتهد نصيب الفرح فيما اجتهد فيه وكل متعب ستسمع ضحكاته بعد رؤية النتائج وأن الله يعين الذي يجتهد حتى يصل لأقصى مراتب الفرح ولو كان كافرًا، إذن.. هل أطلب أكثر من حقي؟
لا أستطيع التماس أي عذر لمسؤولة مراقبة أو مشرفة تأخذ إجابات طالبة لم تنم الليل للمذاكرة وتأتي أخرى تأخذها على طبق من ذهب! صبرنا سنين على هذا الحال لأن لا أحد سمعنا ووقف بصفنا وصبرونا على فرح الثانوية العامة وأن الغاشين سيفشلون تمامًا في الثانوية العامة وسيظهر الحق ويزهق الباطل، أما اليوم حين وصلت لمرحلة الفرح أحبط بحماقاتهم؟ نعم أنا متيقنة جدًا أن الباطل كان زهوقًا، ومؤمنة جتى النخاع أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا وأنه عليم بي ولا يتركني وسيحاسب كل ظالم في الآخرة، ولكنني أظل إنسانًا كأي إنسان يرفض الظلم، هل أنا مذنبة لأنني أرفض التخلي عن إنسانيتي؟ 
لا تستمعوا إلى كلامي لأنني قاصرة طفلة، ولا تهتموا لأنني في لحظة غضب، وحاذروا أن تستجيبوا إلى "تعصبي" الديني وتمسكي بالمبادئ الإسلامية، فقط طلبي الوحيد هو أن نستعيد شيئًا من الإنسانية أو الفطرة. وإن لم تفعلوا؟ سأتقدمكم لأرفع أعلام الحداد على نفسي.

السبت، 3 يناير 2015

أما الآن؛ فلأغضب ولأستعِد وطني. -٢

قبل أيام؛ قال لي أحدهم أنه لا يخاف من شيء بقدر ما يخاف أن يحدثني حين أغضب فأجلس لوحدي وأكتفي بالتحديق في كل شيء بلا حديث، لا أدري ما الذي أسعدني في كلامه! أنا دائمًا ألقن نفسي وأربيها ألا تغضب لشيء في غير محارم الله، أريدها أن تبقى هادئة ساكنة مسالمة في كل شيء؛ إلا محارم الله! 
أعترف أنني أحيانًا حين أغضب -لمحارم الله- أتهور، لا أقصد أنني أتحول إلى وحش أو ما شابه ولكنني أحيانًا لفرط غيرتي وغضبي أقول ما كان ينبغي أن يقال بأسلوب أقرب للقلب أو بهدوء وروية أكثر، أعرف أن هذا مما يعيبني، ولكن صدقًا؛ أمتي دفعتني إلى ذلك. إن كان رجالها لا يغارون ونساؤها لا يغضبن ولا يهز قلوبهن غير صوت أم كلثوم أو عبدالحليم حافظ؟ سأغضب. 
أنا حين أذاكر الآن لاختبارات الثانوية العامة، أسكت كل شتاتي بإقناع نفسي أنني بإذن الله بعلمي ودراستي هذه سألم شتات الأمة ونستعيد بلا خوف فلسطين، وأنا بإذن الله أعد عقلي كما أمرني الله "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة". في أثناء مذاكرتي؛ أتوقف فجأة حين أراني سرحت بعيدًا لأستمع إلى واحدة من القصائد الفلسطينية تعيد لي القوة لكي أكمل مذاكرتي، تقول القصيدة: 
"أنا امرأة عربية
ونأتي بظلال من الغضب
أمي ولدت تحت شجرة زيتون
على أرض يزعمون أنها ليست لي!
لكنني سأعبر حواجزهم
نقاط تفتيشهم
جدرانهم المعزولة
وأعود إلى وطني. 
سنرجع إلى فلسطين.
تقولون لي:
أرسل أولادي للموت!
ولكن هذه طائراتكم
في سمائنا!
أقول لكم:
إن رحمي لن تلد لكم
إلا الثوار
ستمسك بيدها حجرًا
وفي الأخرى علم فلسطين.
أنا امرأة عربية 
ونأتي بظلال من الغضب
حذارِ حذارِ من غضبي!" *رفيف زيادة
سأغضب، لأن العالم حاول إيهامنا أننا العرب لا شغل لنا سوى الأكل والشرب والنوم واللعب بالأموال، لن أغضب لأنه حاول إيهامنا بل سأغضب لأننا صدقنا. بل لن أغضب لأن العالم يحاول إيهامنا مثلما سأغضب لأن من العرب من يوهمنا بذلك حتى يقضي على أموالنا ويدعنا بسبات، بتنا نرى أن العالم كله يرتقي إلا العرب إذن نحن لا نصلح لشيء ونستحق ضياع فلسطين؛ أعني أن الفلسطينيين يستحقون ضياع أرضهم -كما يزعمون-! ألا نرى أننا نطيع سادتنا وكبراءنا فيضلوننا السبيل؟ اليوم تثبت لكم غزة أن العرب إن عملوا فسيحطمون العالم؛ فقط إن استقلوا بفكرهم وعملوا.
وحتى إن ثار العرب وحاولوا أن يتحرروا، سيحاول أولئك الحمقى مجددًا إقناعنا أن الثورات والرغبة في التحرير لا تجلب لنا سوى الويل والموت، وأن الرغبة في الاستقلال واستعادة الأرض والوطن تجلب الموت، هيهات هيهات لما تزعمون.
لأن "وحدها الشعوب قادرة على ولادة أوطان حرة وإن اشتد المخاض"، سأعود لمذاكرتي الآن وأدرس، لكنني لن أنسى غضبي.

الجمعة، 2 يناير 2015

أمّا الآن؛ فلأغضب ولأستعِد وطني.

اندلع حرب في رمضان في غزة أحرق آلاف الأطفال والضحايا، ولكن الضرر الأكبر لم يكن هناك، ربما أكبر إصابات الحرب كانت في فؤادي.
كنت أهدئ الباكيات وأقول أن كل روح تموت لا تموت، بل هي تحيا. لا تقوم أمة على مر التاريخ إلا ضحت بقسم من كبدها، قد يصفر وجهها ويبدو لهم أنها تموت، لكن الله يعلم أن ذاك الاصفرار -رغم الألم- هو الذي سيدخلها الجنة.
بالأمس كنت أهدئ الباكيات لأن اليقين قد تغلغل في روحي أن الله لا يميت إلا ليحيي، ولكن اليوم؛ أعترف أنني خجلى من الله، فلتنسوا أن من طبيعة الإناث الخجل ولتعدوا خجلي خجل رجل. أنا والله أخجل من قومي الذين حين سمعوا الحرب أبدوا عونهم وفزهم؛ وحين خمدت -ولم تمت- لم نحس منهم من أحد أو نسمع لهم ركزًا.
فلتنسوا ما قلت عن الخجل، نعم أنا امرأة ولكن صوتي أبلغ من أن يكون مجرد عورة، أنا امرأة عربية دمي دم حر يرى المذلة كفرًا، حاصروا غزة وقطعوا عنها الحياة وأنتم لا تسمعون إلا وقع صواريخ الحرب فإن ماتت متُّم؟ لسبكم الدهر. إن أراحكم سكوتكم فسأغضب أنا عنكم وسأعلمكم كيف تكون الحياة وسألقن صغاركم الحياة لئلا يكونوا عجولًا أجسادًا لها خوار تطلقها وقت الحرب. حذارِ حذارِ من غضبي.

الأربعاء، 31 ديسمبر 2014

فلأسأل نفسي، لماذا أدرس؟

يا الله؛ ما أبعد السماء وأقربك!
في وسط صخب الحياة وتعب الثانوية، وحياتنا التي أصبحت الآن تشبه الدوران المجنون في خلاط كهربائي يعكس تقلبات الأحداث والحياة؛ وبعدما أحسسنا أننا فعلًا أصبحنا أقوى؛ أقوى بكثير لأن الحياة قد أوسعتنا ضربًا حتى أقسمنا أننا سنصبح أقوى وسنقاوم كل شيء حتى نصل للجنة، ومع كمية الصبر التي زرعها الله فينا منذ ولادتنا ثم رأيناها الآن قد أزهرت وبلغت أشدها، "نحن هنا وللحلم بقية".
كلما جئت لأتنهد أو أعلن تعبي؛ أتذكر ذاك الرجل القرآني حين رفض تعليم النبي "قَالَ إنَّكَ لَنْ تَستَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا"، أقول لنفسي: هل ترغبين بنيل العلم وتحقيق آمالك؟ مالك لا تستطيعين صبرًا!
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة بالجهالة ينعمُ . 
ومع كل هذا النصب والجهاد؛ أقف لحظة لأغضب، في الحقيقة لا أدري أهو غضب أم حزن؛ حين أرى الطلاب معظمهم يصبرون، ولكن لماذا يصبرون؟ لا أحد يعلم، ربما للورقة التي تشهد أنهم أنهوا الثانوية أو الجامعة -وقد لا يستحقونها-؛ ليس لذاتها بل لأنها تستجلب الوظيفة أي المال -بمفهومهم-، وهناك سيعيشون سعداء. أضحك ضحكة ساخر حزين؛ أهذه حياتكم؟ 
درسنا قبل فترة عن المواد المؤثرة على العقل وتأثيرها عليه؛ كالخمور والمخدرات والسجائر وغيرها؛ حتى وصلنا إلى أحد أنواع المخدرات فناقشنا أضرارها؛ ردت إحداهن قائلة:ً أحب هذه المادة! لولا أنها ممنوعة في بلدنا لتعاطيتها؛ إنها تجلب السعادة! قلت لها: أنى تجلب السعادة وإثمها أكبر من نفعها؟ وهي أصلًا مذهبة للعقل كالخمر! فما الفرق بينهما؟ قالت: إنها لا تذهب العقل تمامًا بل تجعلك تضحكين وتسعدين، وإن أذهبته فأين تكمن المشكلة؟ قلت لها: وتعيشين تأكلين وتشربين وتنامين؟ إذن ما الفرق بينك وبين البهيمة! ألا تفكرين وتعملين؟ قالت وهي تضحك: بربك! وكأنني أفعل شيئًا الآن غير الأكل والنوم والضحك! ابتسمت ابتسامةً صفراء وأدرت ظهري لأن النقاش احتد فأسكتونا.
أنا حقًا أستخسر تعب المسلمين الذين يتعبون ليأكلوا ويناموا ويحصلون على المال. الحمدلله الذي وهبنا آمالًا تنفع أمتنا نصبر ونعيش لأجلها.
من حديقتنا التي آثرت المذاكرة فيها لأن الطبيعة تبهج النفس؛ وبعد أن كدت أن أعلن تعبي في وسط كتبي وهمّي وصبري، وحين ينطلق كل أذان، سأصبر وأحتسب لله لأن الله لا يضيع أجر المحسنين.
"إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِيْنَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِيْنَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنّٓارُ مَثْوًىٰ لَهُم".

(كتبتها قبل أيام، آخر تدوينة تُنشَر في ٢٠١٤ لحاجة في نفس يعقوب.)

السبت، 8 نوفمبر 2014

ربُّ الرحمة.

الله لكل محتاج.
يزيد إيماني كل يوم بهذه العبارة أكثر؛ فحين أجاهد لأقصى حد وأتحمل كل شيء لأجلك؛ يأتون هم ويستهزئون أو ينهرون، أرحل عنهم وأبتسم لأنك تعلم ما يسكنني وتفهمني وتحبني وتؤجرني.
يا الله، حين هطل المطر اليوم، كان غزيرًا جدًا، ذكرني بالإعصار الذي أصاب بلدنا قبل سنين فأهلك الحرث والنسل، كنت أضحك ملء فيّ وأركض تحت المطر الذي يكاد يقتلعني من مكاني ويطير بي، لكنني كنت خائفة. نحن يا رب حين يهطل المطر نفرح ونعتقد أنها رحمة منك ونلهج بالدعاء والشكر، ولكننا ننسى يا الله أنه قد يكون تأديبًا وتعذيبًا حتى نتهذب، نحن ننسى أن حبيبنا كان يفزع حين يرى مزنة مطر ويهرع إلى الاستغفار والبكاء والدعاء ألا تكون نقمة؛ صعقني كلام أختي لي فضحكت لأنني لم أستطع أن أبكي، حين بدأ السحاب الأسود بالتجمع والبلاد المجاورة كلها أصابها المطر والريح حتى تضرروا؛ كنت أنا في المطبخ أعد الفطور لي ولها وأترنم على ألحان أغنية فلسطينية، فقالت لي وهي تضحك: "مُزنة الناس يدعوا ويستغفروا ويصيحوا على السحاب والضرر الي أصابهم وأنتِ تغني وتطربينا!".
يا رب، في ظل تلك العاصفة العميقة، كنت أركض تحت المطر وأنا شبه متأكدة أنني سأمرض بعدها لكن لم أكترث. رميت هاتفي لأراك تحت المطر وأحبك أكثر. كنت أراك في كل زاوية وكل ملجأ أو مهب ريح، كنت في كل مكان تتمثل لي كعظمة ما بعدها عظمة، وحب ليس كأي حب.
يا رب، حين كان المطر يهطل بغزارة، كانت قطة صغيرة تموء وتبكي لا تدري بماذا تلتجئ وإلامَ تسكن! كنت أحاول الاقتراب منها لمساعدتها بإيوائها وتجفيفها وتدفئتها، لكنها يا الله كانت تفزع مني، كانت تموء أكثر عندما أقترب؛ ابتعدت ورحت وجئت فسمعت مواءها قد قل وخوفها بدأ يسكن، أنا متأكدة أنك يا الله كنت تحميها على عينك، كنت تحتضنها وتؤويها، كنت تقول لها أن لا تخافي ولا تحزني، أنا معك وسأهديك وسأحميك وأؤويك، أنا متيقنة أن همساتك المتشكلة بشكل إلهامات وطمأنات تبثها في قلب كل محتاج هي أساس بقائه على قيد الحياة، وهي أساس سكونه ووقف دمعه.
يا رب؛ نحن حين كنا صغارًا نلعب في الخارج فيهطل المطر؛ كانت أمهاتنا يخرجن ليصرخن علينا أن ادخلوا لا يصيبنكم المطر فتمرضوا، يا رب، حين يهطل المطر أو تأتي عاصفة؛ ماذا تقول القطة لصغارها؟ وبمَ تحمي الشجرة ثمارها؟ وكيف لا تذبل الزهرة من الخوف؟ وأنى تنقذ النملة نفسها وقريتها حين يجتاح الماء كل شيء؟ وإلى أين تلوذ الفراشة الجميلة كي لا تتبلل فتموت أو يموت جمالها؟ يا الله؛ حين تظلم السماء وتشتعل عاصفة؛ من يطبطب على أم اليتامى العراة الذين لا يمتلكون مأوى؟ من يربت على كتف المطرود من وطنه المفجوع بأهله أجمعين؟ يا رب؛ من يحميني أنا من نفسي حين أتمزق أنني أكتسي وأحتمي وأسكن وأدفن نفسي في حضن أمي بينما هم تصفعهم الحياة؟ من يقول لي أنني علي أن أعمل أكثر لأساعدهم لا أن أتذكر فقط أن لبسي وطعامي وراحتي علي حرام إن لم يملكوها هم؟ من للمحتاجين؟ أنت لهم يا الله.
يا رب، حين خافت مريم، حين كان إبراهيم يقاوم كل شيء في نفسه حتى ينصاع لأمرك ويترك زوجته وابنه في وسط لامكان، حين كان موسى محتاجًا لمأوى أو مأمن بعدما سقى لامرأتين لا يعرفهما، حين كان لوط يحاول أن يتشبث بأحد ويصرخ فيهم جميعًا فيضحكون ولا يفهمه أحد، حين كان يونس في وحشة وخرج بعيدًا عن كل أحد لأنه تعب وضاق ذرعًا، حين كان محمد يرتجف من هول ما سمع، حين كان صالح مستاءً لأن قومه خذلوه في شيء كان يجدر بهم أن يكونوا عند حسن ظنه، حين كان يبني نوح سفينته لوحده وهم يضحكون جميعًا، حين كانت امرأة فرعون تقاوم ظلم زوجها وتكتم إيمانها في نفسها، حين كان هارون يحاول أن يستعيد رشد أخيه الذي لم يفهمه رغم أمس حاجته لفهم أخيه ومواساته، حين كان هود ينظر إلى الأرض والسماء فلا يجد من يملك كعقيدته، حين كان شعيب يقاوم ضعفه ليوصل رسالته فوجدهم يريدون قتله لكن لأنه ضعيف فهم يشفقون عليه، حين وجد آدم نفسه وحيدًا في قفار موحشة بعد أن سكن الجنة، حين سكن الإيمان سحرة فرعون، وحين احتاجك أي إنسان، أنت دومًا رحمن بكل مخلوق.
يا رب، أنا أعرف أن حق البكاء لأنني وحدي أو لأنهم لا يفهمونني لا أستحقه وأنت دومًا معي تعلم ما بي وتجزيني أضعاف ما أعاني وتمنحني لطفًا وحماية ورحمة ورعاية. أنت ألطف من كل شيء.
يا رب المطر والحب والرحمة، أحبك.

الثلاثاء، 4 نوفمبر 2014

عجَزَة وحَدِيثُو ولادَة ٢

عجبت لقوم يتحسفون ويرجون لو أنهم ولدوا لأبوين غير مسلمين ثم هداهم الله إلى الإسلام بعقلهم؛ يريدون أن يستشعروا شعور النقلة من الظلمات إلى النور، نعم هو شعور رائع يختلف عما نشعر به نحن، ولكن في الحقيقة أنت تملكه كل يوم لكنك لا تشعر به.

وصف حديثي الإسلام للحظة إسلامهم مبكٍ؛ ربما بكاء فرح! أعلم أنك تود تجربته وتعتقد أنك ستكون أكثر إيمانًا وتمسكًا بدينك إن فعلت؛ ولكن هب أن هذا الشعور يمر عليك كل يوم ويلقي سلامه عليك وأنت لا تلقي له بالًا! بالله هل سمعت الشهقة التي خنقت صوت حديث إسلام حين تحدث عن أهله؟ حين قال أنك أنت في نعمة عظيمة لا تستشعرها، حين تملك أذانًا يدعوك للصلاة وأم تعد لك الفطور في رمضان وأب يوقظك لصلاة الفجر وأخ يرافقك لصلة رحم أو حضور حلقة علم؟ هل أحسست بالعبرات التي تزاحم أنفاسه في صدره وتدفعها بعنف؟ لا أظنك سمعت أو أحسست.
أنت حتمًا تمتلك تلك اللحظات التي لا تعرف فيها من أنت، أو الثواني الطويلة التي يتزاحم فيها كل شيء فتفقد نفسك وتبدأ بالمقاومة أو الانهيار، وأجزم أنك تمتلك أحيانًا تهرب فيها من كل شيء لتبكي فقط؛ لا لشيء إلا لأنك قد تعبت من كل شيء! وأقسم أنك تملك الأوقات التي يجتاحك فيها المرض ويرميك جثة هامدة لا تستطيع أن تكلم الناس إلا رمزًا، وأحلف أنك كثيرًا ما تمر بمواقف صعبة وحالات تكون فيها متعبًا ولا تستطيع التصرف بأي شيء؛ حينها تنطلق منك "يا رب" لا إراديًا -تلقائيًا- ولو كنت كافرًا. أتتذكر أنك تمر بذي المواقف أم لا زلت لا تعترف أنك لا تمتلك اللحظات التي -إن كنت فيها حكيمًا- تكون كيوم ولدتك أمك؟
إن الضعف الإنساني الذي يسكنك ويشرق كشمس الظهر أحيانًا هو لطف رباني؛ لعلك تشعر أو تستعيد نفسك، إن مررت بأزمة لم تجد منها مخرجًا فاستشعرتها واستغللتها وحققت غايتها الفعلية، هناك ركز على شعورك، أظن أنه سيتعدى شعور المسلم الجديد، ربما لأنك ازددت نورًا على نور بينما هو لم يخض في النور بعد؛ بل خطا أول خطواته حالًا.
سأقول عن تجربتي -ولا أزكي نفسي-، قبل عام أُصِبت بمرض الحصبة بغتةً بلا عدوى للمرة الثانية في حياتي. كانت أروع تجربةً في حياتي -بالمعنيين لكلمة روعة، الفزع والجمال-؛ ربما لأنني خرجت منها إنسانًا آخر بعد أن كنت حطامًا. في موسم اختباراتي الفترية كانت المصيبة فلم أكمل اختباراتي بل جلست في المنزل، كثيرًا ما مر طيف الموت حولي وعانقني آنذاك، كان يعانقني ويذهب بلا مبرر! استشعرت مدى ضعف النفس البشرية ومدى لطف الله وعظمته ورحمته، كنت أئن وأبكي في الليالي لشدة ما ألاقي ولا أحد يسمعني أو يجفف دمعي سوى الله، عادتي في التحمل الجسدي جدًا كتومة وربما أمرض ولا تعلم عني أمي التي تكون معي دائمًا، أما آنذاك لهول ما كنت ألاقي كنت أبكي وأصرخ وأشهق فجأة وكأنني أرى الموت، وأمي وأختي مفجوعتان لا تملكان لي نفعًا ولا ضرًا. كانت حرارتي تسخن كل ما حولي حتى ظننت أن ما حولي سيذوب، ولم يكن ثمة دواء! الماء يضر الحصبة، وشتى الأبواب مغلقة، مالي سوى رحمة الله. أظن أصدق صلاة صليتها في حياتي الصلاة في ذاك الليل الذي أظنه كان مخاضي لأستعيد نفسي وأستمتع بعدها بالحياة، كنت أبكي طوال الليل وحدي بلا صوت لأنني لا أستطيع الحراك لأن طفح جلدي قد بلغ أشده، وحرارتي كان بإمكانها أن تذيب الحائط الذي يجاور سريري، ولشدة حرارتي لم أكن أستطيع التنفس أبدًا! كل ما أذكره أن الموت كان يشد وثاقي ويحتضنني في كل لحظة أقوى ويتشبث بي، لم أستطع فعل أي شيء سوى شعور قطرات تبلل شعري ومخدتي، لم أستطع أن أئن أو أصرخ أو أستنجد. ربما كانت أطول ليلة في حياتي. استيقظ الناس فجرًا ليروني أحتضر، حاولوا مساعدتي فلم أستطع، كنت أشرح لهم ما حصل بكتابة على جهاز إلكتروني لا أدري كيف كانت تخرج، لم أستطع تلقي مساعداتهم، كنت أموت بصمت. صليت الفجر وأنا مستلقية لا أحرك سوى عينيّ وإصبعي. وبعدها في طوارئ المستشفى بدأت قصة موت أخرى. عمومًا، كان مرضي طحنًا لقوتي مما جعلها تتلاشى أمام قوة الله كي يظهر ضعفي البشري. خرجت أسعد وأقوى إنسان، خرجت مولودةً جديدةً تعانق الحياة.
في الحقيقة؛ نحن حين نتعامل مع الأزمات والمصائب نتعامل مع لطف خفي من الله يمسح علينا بلطف أن تقربوا إلي أكثر، الحاذق من يجعل أزمته حبًا لله، والأحمق من يدعو الله حينها ثم ينساه حين تُفرَج. {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ () الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ () 
أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} ، مصيبتهم جعلتهم ينغمسون في حب الله فقالوا إنا لك وإنا إليك راجعون؛ نحن منك وإليك؛ وكأنهم يقولون: (فافعل بنا ما شئت فنحن لك!) -كما حارب المسلمون الجدد كل شيء لأنهم لله وإليه يرجعون- فجُزوا الخير كل الخير، أتصور الصلوات الربانية والرحمة والهداية أعظم بدرجات من شعور مسلم جديد، ولكن هل تعقل؟
عمومًا؛ عش الأزمات كأضعف إنسان بطريقة مثالية وستكون أطهر وأسعد من مسلم جديد؛ فقط لو عشتها ولم تمتها! -كما يفعل معظم البشر حين يقولون "لماذا أنا يا رب؟!"-