الأحد، 11 مايو 2014

ميتةٌ برُوحٍ، وأحياءٌ بلَا أروَاح!

ربما كان علي أن أكتب قبل عامين حين وقع لي ما وقع، لكن فقد أمي الثانية أنساني كل شيء إلا الجنة، سأكتب عن أيام قضيتها بين أروقة العناية المركزة في المستشفى، لا أدري كيف أصف تلك الأيام التي كانت أقرب إلى الموت من الحياة، ربما لم تكن قريبة من الموت للمرضى، بل كنت أحس أن الموت أقرب إلي من الذين تنتزع أرواحهم أمام ناظريّ! 

لا أدري لمَ -تحديدًا- كانت عيناي تدمعان حين كنت أشاهد ذلك الرجل ينهار حالما كانوا يسعفون أخاه ويحاولون إنعاش قلبه، كانت أخواته وأمه منهارات لفجأة ما حصل وشدته! ربما كنت أموت في تلك اللحظات قبل موته! كنت أحتضر ألف مرة في داخلي وأنا يخيل إلي أنني المأخوذة روحي، أظنني لم أكن جاهزة حقًا في تلك اللحظة، لا أعرف ماذا سيكون حالي إن احتضنني ملك الموت، ربما لمت حينها تائهة لا معنى عظيم لي في الحياة، وقد تكون وفاتي نقطة تحولي من الدنيا إلى بئس المصير! نعود لذاك الرجل وأهله، كانت الممرضة قد منعتني لتوها الدخول عند أمي النائمة في غيبوبة لأمسك بيدها وأشم ريحها، وقفت خارجًا ما بين متأملة متيقنة بالله وبين من يلفه الأسى، كنت أعتب في تلك اللحظات على الأم التي كانت تبكي وتنهار بلا تفكير بمن حولها من الرجال هي وبناتها، لا أدري هل كان عتبي صحيحًا في تلك الثواني أم أنني لم أمر بما مرت به هي حتى أتحدث! كنت أفكر لثوان أن أكون إنسانًا طيبًا لأتقدم وأبعث فيهن روح التعلق بالله والتجلد والصبر سواءً أعاش رجلهن أم مات، ولكنني لم أكن حقًا ذاك الإنسان الطيب، أو ربما أستطيع التعلل بأن الأجواء هي التي لم تكن طيبة. تجاهلت عدم توفير المستشفى لمقاعد خارج الغرف وجلست على الأرضية من الإنهاك الذي يذوقه أهالي المشافي، وبت أراقب الموقف لفترة خلتها أنها سنين بينما كانت دقائق! تأخر الوقت إلى ما يقارب منتصف الليل ولم أر بعدها طيف أم وبنات يبكون، إذ لم تدعني قط أمي أن أبات في المستشفى رغم إصراري، كانت تقول أنها هي أحق بأختها وأن نوم المستشفى قاسٍ ولا يعد نومًا حقيقيًا بعد طول إرهاق أيام المستشفى. في اليوم التالي أخبرتني خالاتي فرحات بأن الله أحيا ذاك الرجل ونقل إلى غرفة خاصة، ولم أكد أصدق حين رأيت أهله مستبشرين فرحى؛ ولم أكد أصدق كيف كان الموت يحوم حوله ويداعبه حتى ظننت أنه هالك لا محالة والأطباء يخرجون واحدًا تلو الآخر من عنده وهم يائسون، لا عجب في عظمة الله وكيف يحيي الروح البعيدة عنه حين تتوب حياة كأنها خرجت من بين الأجداث وأصبحت تعيش في الجنة!
لم يكن ذاك موقفي الوحيد، فكلما تعرفنا على المرضى المجاورين لسرير خالتي -أمي الثانية رحمها الله- وأهاليهم، لم نلبث إلا أن نفتقدهم، ونبلغ حين نسأل أن مريضهم عادت روحه إلى ربها، لم ندرِ كيف كانت مشاعرنا في تلك اللحظة ونحن نعيش بين أناس على حافة الموت، جلست ليلةً بمفردي مع أمي ممسكة يدها وهي لا تشعر بي، لا أدري ما الذي أبكاني بشدة وأسرى القشعريرة في جسدي فجأة حين تذكرت أن المكان الذي أقبع فيه هو مسرى لمئات الأرواح التي ترحل إلى الجنة أو النار، كنت لا أزال قلبي معلقًا بالله وأقول لعل الله يحييها، بكيت حتى لم أستطع الوقوف بجانبها لشم رائحتها والمسح على يدها فجلست على أرضية العناية متكئة على الجدار، كان من رحمة الله بي أنني حين كنت -أنا بالذات- أمسك بيدها تشد عليها أكثر، وقبل أن يسوء حالها كانت تعرفني باسمي وتناديني ابنتي مزونتي الحبيبة بين معظم الأهل الذين لا تعرفهم! لا يزال صوتها يتغنى في أذني حين كانت في أول الغيبوبة ولا تفقه ولا تجيب على أي شيء، حين كنا نسألها عن حالها تجيب: الحمدلله، هكذا كان دأبها في كل ثانية وأخرى "الحمدلله"، رعت حق الله وأحبته، فأحبها وأظهر حبه بأن يجري لسانها بذكره وهي في موت أصغر!
لا زلت أذكر اليوم الذي كانت فيه الساعة تنجاوز التاسعة ليلًا، كنت عندها وإذ بهم يخرجون كل من في العناية فجأة لأن حالة طوارئ جاءت، وكنت قد اعتدت رؤية حالات الطوارئ وإنعاش القلوب وإعلان الوفيات، كانوا عادةً يسعفون المريض على خفية ما بين طيات الستائر والطاقم الطبي، ولكن هذه المرة لم يستره أي شيء فكان على مرآي، كانت أمي وابنة خالتي وخالتي يزجرنني ويأمرنني بالجلوس وعدم مشاهدة ذاك المشهد، ولكنني أبيت إلا أن ألتصق بالزجاجة لأرى كيف تصعد روح أحدهم إلى السماء أو كيف يردها الله، كان الطاقم على حال فوضى وهم يرون مريضهم تتناقص نبضاته ما بين أيديهم وهم يزيدون شدة صعقة التيار الكهربائي لإنعاشه، وبدلًا من أن تزيد النبضات على شدة ذاك التيار كانت تتناقص، لا زلت أذكر وجه الطبيب الحزين الذي خرج بحالة مزرية بعد أن قضى ما يقارب الساعة في الإنعاش ولم يفد كل ما عنده، ربما عرف في تلك اللحظة أن الموت إذا جاء فلا ينفع أمهر الأطباء ولا يشفع، لم ييأس رفقته من الطاقم بل كانوا لا يزالون يحاولون بكل ما أوتوا من قوات وعلم أن ينقذوا حياته، ولا زلت أذكر صوت الطبيبة التي تصرخ للممرضة بأن تزيد جرعة دواء تطلبه منها، فتحقنه ولا يفيد فتزيد وتزيد، وبين كل تفاصيل الزحام هذه كنت أعجب كيف لم يكن لذاك الرجل أهل يرافقونه ولا صاحب يبكي عليه ولا أم توسوس ولا أخت ترجو الطبيب أن يبذل كل ما بوسعه، تمنيت لو أحياه الله أن أسأله كثيرًا كيف عاش، ولم أكن لأكتفي بإجابة صماء، كنت لأود منه أن يحكي لي كل تفصيل ممل، أنا بحاجة إلى أحاديث الموت بشدة؛ لأن أحاديث الموت في الإسلام تعني بشرى سعيدة لا تستحق البكاء، بل تستحق كل السعادة -إن كان صالحًا وتقبله الله- لأنها انتقال من حزن الدنيا إلى نعيم الجنة! ومن الأحمق الذي قد يكره تذكرة سفر تنقله من جدب الصحاري إلى متعة غابات الاستواء؟! كنت أنظر لذاك الذي لم يكن بيديه إلا استقبال زيارة الموت المفاجئة، لم يكن ليسمح له عجزه أن يرده أبدًا، بعد ساعة أو يزيد من فوضى الإسعاف، مات الرجل، وعشت أنا حياةً أخرى!


*شكرًا لمن يعيدون فينا التفاصيل والذكريات لنكتبها، ذكريات مستعادة على إثر خاطرة ذهلاء: http://hope-plant.blogspot.com/2014/05/blog-post.html?m=1

الأحد، 4 مايو 2014

إِن أنتمُ بِعتُم بحورَ دِمَاهَا!

لم أتغدَّ اليوم، لم تكن نفسي ترغب بأكل أي شيء؛ ذلك لأنني كنت التي طبخت الغداء. تعودت أن أطبخ وأقطع الدجاج واللحم بنفسي وأطهوه ثم أتلذذ بأكله، لكن اليوم كان مختلفًا، كنت أصارع آلامًا كثيرة بينما كنت أقطع الدجاج، ربما أحد الآلام كان بسبب رؤيتي للدم الذي يقطر والصوت الذي يصدر حين كنت أنصف صدر الدجاج إلى نصفين، كنت أغرز السكين بقوة حتى يتقطع ويستسلم العظم للسكين فيودي بنفسه، أنا لا أتقزز من الدم أو غيره، أجد ولله الحمد كل الأريحية في التعامل مع الدماء وأعضاء الجسم الميتة أو الحية -بعكس أختي-، ولكن فكرة كانت في داخلي كانت تمزقني في تلك اللحظات! خيل لي أنني لا أجد أي بأس في تقطيع هذه الدجاجة لأنها دجاجة ميتة ونريد أكلها على الغداء! ولكن سألني ضميري سؤالًا بُهِتُّ أمامه وبدأت بالضياع بحثًا عن الإجابة، ألا يجد سفاحو العالم الذين يمزقون أجساد البشر إربًا بلا مبالاة ولا ضمير أي بأس في ذلك؟ ألا يخيل لهم كم أن جهنم تستعر شوقًا إليهم؟ وأن تجويع قطة لفترة بسيطة أحرق حابستها في لهيب ما له نهاية، فما بال أمم تباد بلا أدنى أسف أو أسى؟!
على إثر الفلم الذي شاهدته قبل البارحة (سارقة الكتاب)، لم يكن يتحدث أبدًا عن أي موضوع متعلق بهذا، فقط في نهاية القصة عرض مقطع بسيط من الحرب العالمية الثانية والدمار الذي حصل، حيث تكرر القصف على المدينة في ألمانيا عدة مرات، ولكن في كل مرة كانوا يجلون أهل المدينة لملجأ نفقي، إلا المرة الأخيرة التي قصفت فيها المنازل بلا سابق إنذار، فمات خلق كثير، ومنهم أبو وأم وصديق بطلة الفلم (ليزل) التي في ربيعها الثاني عشر، فكانت تبكي بمرارة لأنها الناجية الوحيدة من بين من احتضنوها وكانت تعيش في كنفهم، فكانت في تلك اللحظات تتذكر كل لحظاتها معهم وغصها ألم فقدهم فجأة بهتانًا وظلمًا! في تلك اللحظات تحرك شيء عظيم في داخلي! سببه لا البطلة ولا المشهد ولا الفلم؛ سببه تذكر الآلاف الذين يبادون يوميًا والأطفال الذين يتيتمون وينوحون ويودون لو يفتدون أهلهم بملء الأرض ذهبًا، ولكن الطغاة ينتشون بإبادة ذويهم ونشر الدماء كأنها رسالة سلام لا إعلان وحشية حيوانية بحماقة! وجدت بطلة الفلم زوجة العمدة لتأخذها وتحميها وتربيها، وعاشت إلى ما بعد عامها التسعين، ولكن المفجوعون المساكين ربما لا يعيشون لساعة قادمة لأن أسلحة حضرات المسؤولين تلعب معهم "الاستغماية"، أو كما نقول "مداسُّوه"! وليت جحافل المسؤولين تعي أنهم مسؤولون ومعذبون عذابًا لا يعذب به أحد من العالمين!
حقًا لا أدري ماذا أقول، ربما تقول عني هذه القصيدة بعض ما أقاسي!

قالوا : صباحُ الخيرِ قُلتُ : وقُدسُنا؟! 
قالوا : لعلّ الخيرِ في شكواها ! 
والشامُ ؟! قالوا ما لنا والشامَ يا 
دَعها فربُّ العالمين يَراها! 
وعِراقُنا؟! بورما وغزّةَ أينَ هُمْ 
والضفّة الثكلى ودمع ثَراها؟!
قالوا: صباحُ البؤسِ اشربْ قهوتكْ 
ثمّ "انقلعْ " يكفيكَ أن تتباهى 
أنْ كلَّ يومٍ أنتَ في أرجاءها 
تُرخي الحُروفَ لكيّ تُظلَّ فضاها .. 
دعْ عنكَ آهاتِ البلادِ فكُلّها 
اللهُ يرعى أهلَها، يرعاها .. 
فرميتُ فنجاني وقُلتُ عليكمُ 
منّي البصاقُ، أبعتِمُوهُ هَواها؟! 
كيفَ الصباحُ يجيءُ بالخيرِ الّذي 
تحكونَ عنهُ ودمعُها يغشاها؟!
كيفَ الهناءُ يعودُ في جنَباتِها 
إنْ أنتمُ بعتُمْ بحورَ دِماها؟! 
كيف السعادةُ خبّروني واللقا 
بالأرضِ إنْ هتكَ الطّغاةُ رباها؟!
منْ خانَ دمعَ الروحِ في أوطانِنا 
وبكاء أمِّ يقتلونَ ضناها 
يا ربّ سوّدْ عيْشَهُ وأذلّهُ 
واكتبْ لهُ في النارِ أن يحياها .. 
ومَضيتُ ألتحفُ الجِراحَ وعبرةً 
ومَضى الزّمانُ ولم تزلْ ذكراها
قالوا صباحُ الخيرِ ، قلتُ: إشارةً 
يا صحبُ عذرًا " أخرَسُوا الأفواها " 


لـ © #المرابط* / محمود عيّاد



ربما يتبع...!

الخميس، 24 أبريل 2014

نُحِبُّ لنُزهِر!


حين أرسلت هذه الصورة قبل أيام إلى رفيقاتي وقلت: "إذا ما دلعنا إخواننا من بيدلعهم؟!"
ردت علي إحداهن قائلة: زوجاتهم المستقبليات! غضبت بشدة وأبيت إلا أن أكتب.
على إجماع المفكرين أن مجتمعاتنا العربية هي أكثر المجتمعات التي ينتشر فيها الجفاف العاطفي، بعكس الغرب حيث تبقى الأم تحتضن ابنها إلى أن يشيب، وأيًا كان الذي يحادثونه في الهاتف من الأقرباء فإنهم لا يغلقون السماعة حتى يقولوا كلمة: (أحبك!).
ديننا الراقي السامي العلي أكثر أساليب الحياة مثاليةً وروعة، ولو بحثنا في أعماقه سنجد أنه كامل كمالًا لا مثيل له! أتظنونه يغفل عن أسمى العواطف؟ عن شيء لا نعيش بدونه! ألا وهو الحب.
الحب مكنون سامٍ لا يعيش أي إنسان أو يهنأ دونه، حتى أن هرمون الحب في الإنسان دفع الكفار إلى اختلاق آلهة للحب لضم هذا المكنون السامي واحتواءه احتواءً يظنون أنه أمثل، لكن الله وهبنا الاحتواء الحقيقي للحب في الإسلام! كما قال الدكتور طارق الحبيب عن حب السيدة زينب بنت محمد لزوجها واحتواء الحبيب صلى الله عليه وسلم لذلك الحب قائلًا: 
"فحاربت الحب بالحب، واجهت الحب بالحب، أرادت أن تنتصر لحبها من خلال حب محمد لخديجة، ... لأنه نبي يا سادة! لا تجعلوه جلادًا فقط يأتي إلى الجنة والنار ويوجهنا إليها، بل يوجهنا إلى الحياة الراقية النبيلة التي لا تنتهي إلا بالجنة! لا نعيش لؤماء لكي نصل إلى الجنة، فنعبد ونصلي لكننا لؤماء، نكون راقين فنصلي صلاة جميلة فنصل إلى الجنة! ...كان يعلمنا الرقي يا سادة، كان يعلمنا معاني الحب الجميلة، كان يعلم الإنسان، كيف؟ لم يكن مشغولًا بنا، كان مشغولًا أن يتلذذ بذلك في نفسه فيبثه بالطيبة في الآخرين!"
الحب في الإسلام مقدس، فليفهم شبابنا رجاءً أن الإسلام لم يقيد الحب أبدًا، بل جعله راقيًا بعيدًا عن معاني البؤس والعذاب للحب، لم يقيده بين "أقفاص الزنازين الزوجية" كما يظنون، أحب من شئت، ولكن لا تعصِ، لا تخادن ولا تفحَش، أكنّٓ في نفسك الحب ودعه يتنامى حتى تبديه بالخطبة! الحب فطرة، الله عليم بحبك، لكن لا تعصه وتقول: فطرة! {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} !
يقول الدكتور طارق الحبيب في مقاله مكملًا: "...لكن الحب! (هذا قسمي فيما أملك) قالها أبوها فهي تسير عليها! ...قدر ذلك النبي الأعظم احترامًا لحبها، وقدر ابنته، لماذا؟ لأنه يقدر شيئًا معناه الحب، لأن الله سبحانه وتعالى من إعداده الإنساني كنبي وضع له أفخم النساء في طريقه، فعاش الحب. ...ما كان ينتقد الحب، أسألك في أي لحظة من لحظات التاريخ، لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه انتقد الحب، لكنه كان يوجهه إلى الطريق الصحيح، بل في حياته: (هذا قسمي فيما أملك)، كان يعترف أن الحب لا سلطان له، لكن هناك توجيه له ولا يقع في الحرام، هذه اللمسة الأساسية!"
***
فلنفترض أن أباك يذهب إلى العمل ويرجع منهكًا متعبًا، ينام، يستيقظ ليذهب إلى الدكان بعد أن استلم مرتبه اليوم ليملأ بيت جارتكم طعامًا وأغراضًا يستخدمونها وأخرى لا يحتاجون إليها، ويخرجهم ليستمتعوا، ويذركم أنتم جوعى عطشى تتكففون الناس ليعطوكم لقمة عيش، هل يبدو ذلك عقلانيًا؟! وهل أبوك هنا فاعل خير وصواب؟ مأجور بإذن الله، لكن أليس أهل بيته أولى بإنفاقه من جاره؟!
هكذا نحن نقلب الموازين -إلا من رحم ربي-، نجد في مجتمعنا الفتاة تحب صديقتها حبًا جمًا وتكرر عليها كل يوم أنها تحبها، وفي أسوأ الأحوال نجدها تحب خليلها أو "حبيبها" بالحرام ولا تقدّر معنى الحب الحقيقي، بينما حب أمها لها كان في الكتاب مسطورًا، تقول: هي تعلم أني أحبها، لا داعٍ لأن أخبرها! أبوها لم يحتضنها منذ أن أكملت عامها الأول، إخوتها لا يطيقون فراقها ولكنهم "لأنهم إخوة" لا يتجرؤون أن يقولوا لها نحبك، ثقافة مجتمعنا فرضت علينا أن الإخوة لا حب بينهم إلا بالسوء، فقليل ما سمعت عن أخت تقول لأختها: أحبك وتحتضنها وتحتويها، وإن سمعت عن إنجاز ضحكت وقالت: هذه النتفة يطلع منها؟! وَيكأنّ ثقافتنا صارت: (إن أحببت شقيقك فاملأه شجارًا ولا تحنُ عليه ولا تبكِ لشأنه إلا إذا مات!)، من بالله فرض علينا هذا القانون البائس؟ كيف نرجو من فتاة تحتاج الحب أكثر من حاجتها للطعام والشراب، ثم نغلق عليها الأبواب ويوسعها إخوتها مزاحًا مجردًا ثم لا نرجو منها أن تحب صديقتها أكثر منهم وتميل إليها، من بربكم جعل الحب محصورًا للزوجين، فما إن تذكر فلانة كلمة (حبيبي) حتى يشتعل فكر الناس من ظن السوء، ألا يعقل أن يكون هذا الحبيب أبًا أو أخًا أو عمًا أو خالًا أو ابن أخ أو أخت؟! ألا ننظر إلى أسمى معاني الحب والرحمة في النبي الذي أرسل رحمة للعالمين، إذ يقبل أطفاله ويشم ريحهم ويلثمهم، فقال له أعرابي: أتقبلهما يا رسول الله؟ إن لي عشرة فما قبلت أحدًا منهم. فرد عليه ناصر الحب: "أوأملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة!"، أيا مجتمعي، أوأملك لكم أن نزع الله من قلوبكم الرحمة؟! إخفاء الحب وعدم إبدائه وتشجيعه كفر به وطمس لرقيه، {وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}!
قرأت قبل أيام مقالًا لا أعرف كاتبه كتبه بلهجة عامية، يحكي قصة صديقين عند شاطئ البحر، يرن هاتف أحدهما فيرد وإذ بالمتصل به أنثى، يقول لها: "أينك حرمتِنا طلتك طلة القمر، ننتظرك بفارغ الصبر لتنهي اختباراتك، صحوتِ من النوم حبيبتي؟" ويسألها عن بعض شؤونها، ثم يقول: "طيب الغالية، تعشيتِ حبيبتي؟"، فأجابت بالنفي، فقال لها: "سأحضر لك عشاءً من المطعم الذي تحبين، دقائق وأكون عندك"، فضحك صديقه وكان يسأله عن هذه الحبيبة وأين تسكن كي يوصل لها الطعام، ففاجأه بالرد أن غرفته تجاور غرفتها وأنها أخته، فصعق صديقه وقال: كيف ولماذا؟ قال أنه يجب عليه أن يحب ويحتوي أخته بدلًا من أن تلجأ للبحث عن هذا الحب خارجًا! إيه لو كان فكر مجتمعنا يصل لهذا الحب الحقيقي الذي نحتاجه بعمق! لو أن الأسرة تهب بعضها حبًا وتظهره واضحًا، لو أن الأم ترضع طفلها حبًا لا حليبًا! لو أنها تلثمه وتقبله حتى بعد أن يتزوج وينجب ويشيب، أعرف رجلًا كان يغار من ابنته حين تحتضنها وتقبلها أمه، فيأخذ ابنته من حضن أمه ويحتضن هو أمه، يقول أن ابنته لديها أم تحتضنها، أما هو فله كل الحق بحضن أمه! ولو أن الفتاة تتزوج وتنجب لكنها لا تزال لا تجد حضنًا كحضن أبيها. صديقتي فتاة ناضجة لا تزال تنتظر أباها حين يعود من عمله عند باب المنزل وحين يدخل تزاحم إخوتها الصغار على حضنه، ولا تجد بديلًا عن حضنه أبدًا!
أعود للقصة الأولى، حين أعددت الشاي الذي يعشقه أخي ورتبت له الكعك بشكل جميل وقدمته له، فردت علي صديقتي أن زوجته ستدلعه وتعد له ما يحب! أخي ليس متزوجًا الآن، أينتظر زوجته التي لا نعلم متى يقدر الله وصولها إليه ليشعر بالحب والاهتمام؟ أم أنه يحتاجه طيلة حياته مهما كان! ردت علي أخرى: اعملي لي مثلما عملتِ له، يبدو مثاليًا! قلت لها مازحة: لم يقدر الله أن تكوني أختي وإلا لدللتك مثلما أدلل إخوتي كل يوم! الحمدلله رب العالمين الذي وهب لي علاقة لا مثيل لها مع إخوتي الذكور والإناث، فكلما أشعر بفجوة أعد لهم ما يحبون وأصنع سعادتهم وأدللهم، وأنادي أمي وأخواتي بألفاظ عاطفية، حتى أن صديقاتي يتعجبن حين يسمعن حديثي وأختي بشدة لدرجة الاستنكار!
ومن العيوب التي يشيب لها الرأس وهي واقعة في مجتمعنا بشكل كبير جدًا حتى أن أمي تقع فيها أحيانًا لأنها لم تعد تتعلق برأي أو تعصب شخصي، بل بفكر مجتمع! حين ينادي أحد إنسانًا بلفظ عاطفي قريب إلى القلب فمعناه أنه يريد مصلحة لنفسه من ذلك الشخص! والمصيبة أن المنادى ليس وحده من يظن ظن السوء، بل أن المنادي نفسه يعرض نفسه لئلا يقول هذه الألفاظ إلا حين يحتاج شيئًا لمصلحة!!
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا و لا تؤمنوا حتى تحابوا ، أولا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم " (رواه مسلم) ، السلام ليس سلامًا بالحديث فقط، السلام بث السعادة والحب، السلام أن تسعى لتنمي الحب بينك وبين الناس، السلام هو الحياة في الدنيا في جنة الحب ثم الوصول لجنة الآخرة بالحب! عن أنس بن مالك قال : مر رجل بالنبي صلى الله عليه و سلم و عنده ناس، فقال رجل ممن عنده: إني لأحب هذا لله، فقال النبي صلى الله عليه و سلم "أعلمته؟" قال: لا، قال:" قم إليه فأعلمه" فقام إليه فأعلمه، فقال: أحبّك الذي أحببتني له ثم قال، ثم رجع فسأله النبي صلى الله عليه و سلم فأخبره بما قال فقال النبي صلى الله عليه و سلم:"أنت مع من أحببت، و لك ما احتسبت" (رواه أحمد و الحاكم و صححه الذهبي)، وعن المقدام بن معدى كرب عن النبي صلى الله عليه و سلم قال:" إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه" (رواه أحمد و غيره).
فلتبادر أنت أولًا ولا تخجل، أخبر كل من تحب أنك تحبهم، اصنع لإخوتك كل حين ما يحبون ودللهم باللفظ والفعل، لا تخف حين يبدو الأمر غريبًا في البداية ويستنكرون فعلتك، اضحك وقل لهم حقًا أحبكم! لكن صنع لإخوتك ما يحبون وتدليلهم لا يعني أن تضحي فوق طاقتك، الأمر أيسر مما تظن إن أخلصت لله وسعيت حقًا، تعال بعد فترة وأخبرني بما تشعر. وافصل رأسي عن جسدي إن لم تذق سعادة حقيقية بانتشار الحب فيكم!
عمومًا، الحب يحتاج أن يظهر فينا لنرقى ونعود للإسلام حقًا ونزدهر! و{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}، حتى أطيب الكلام إنفاق في سبيل الله يبث السعادة، وكما قيل: الأقربون أولى بالمعروف!






ملحوظة: مرفق مع التدوينة مقاطع مرئية، لمن قرأ التدوينة من الهاتف ولم تظهر معه المقاطع وأحب الاطلاع عليهما فليفتح التدوينة من الحاسوب ويشاهدها ^^

الاثنين، 14 أبريل 2014

عَقَبةٌ تَعليميّة أم عَيب نَفسيّ؟


قد قيل يومًا أن أهم ما تواجهه في دراستك أن تحب المعلم، فإذا أحببته أحببت مادته، وإذا بغضته بغضت مادته، لطالما آمنت بهذه المقولة. لم أكن ذات شغف بالرياضيات طيلة سنوات عمري، لأن معلمة الروضة وكل من علمني بعدها لم يجدوا جوابًا لسؤالي البسيط: (لمَ ندرس الرياضيات؟)، حتى أن موجه المادة الذي جاء يومًا إلى صفنا قبل سنوات وحاول إصلاح علاقتنا بالرياضيات وترميم الحب، حين سألته هذا السؤال ضحك محرجًا وقال: أنا حقًا لا أعرف! وحين كبرت علمني أستاذ فاضل كرهت ذكر الرياضيات بسببه وأصبحت عقدة حياتي! إذ أنني كنت مبتلاة بابتلاء عظيم وأحتاج إلى كلمة طيبة -على الأقل- فكان لا يبالي ويراني أكثر الناس إهمالًا وكسلًا وكان يستفزني بشتى الطرق ويكرر على أسماعنا دومًا بأننا كسالى فشلة لن نفهم الرياضيات يومًا،   وحين تقترب الاختبارات النهائية أستنجد بأختي -مدرسة الرياضيات التي بكيت مرة عندها وقلت لها ألا تدرسيني بدلًا من وحش الرياضيات- فتأتيني وتفجع بأن أختها الصغرى حقًا لا تفقه أبسط شيء مما تدرسه طول العام! بل ولديها عقدة كبرى ولا تستطيع التفاهم أو الاقتراب من الرياضيات! فكانت النتيجة مفزعة وكارثية أن كانت درجتي في المادة ٩٩ وفي السنة التي بعدها انحطت انحطاطًا إلى درجة تقارب درجة الرسوب!! عمومًا، أنا أعتقد أن المدرس المؤمن لا يترك طلابه بأسئلة حائرة ويعطيهم الهدف مما يفعلون عوضًا عن أن يستفزهم بحركات لا تليق ببشر! جُبِل الإنسان على ألا يحب ولا يتقن ولا يفهم إلا ما يعرف الطائل وراءه، لمَ لا يحتوي المعلمون هذه الفطرة الإنسانية ويجعلون طلابهم عباقرة بأبسط ما يكون؟! لمَ لا يكون التعليم عملية مشتركة يكون فيها الطالب هو الركيزة الأساسية! فوالله لا فائدة من حصة يهلك فيها الأستاذ نفسه شرحًا والطلاب كل واحد منهم في عالم، وفي الاختبار يندب الأستاذ جهوده وتعبه الذي يضيع سدى، أشركنا أستاذي وسنذهلك!
 شكرًا عميقًا لأستاذ الثانوية للرياضيات الذي يكرر لنا دائمًا أن الرياضيات إنما وجدت لتعلمنا كيف نفكر وكيف نتصرف بالطريقة الصحيحة، وأنها أبسط مما نتصور إذا أحببناها، فتحولت -بفضل الله- من طالبة كانت على وشك الرسوب في الرياضيات إلى عبقرية عجيبة -رغم أن المنهج صعب ولم يسهل-، "قل لي وسوف أنسى، أرني ولعلي أتذكر، أشركني وسوف أفهم!" *أحمد الشقيري عن الحكيم الصيني كونفوشيوس

معروفة أنا منذ دخولي رياض الأطفال أنني مولعة بمادة تسمى الفنون التشكيلية، فأتحمس للحصة قبلها بأسبوع وأحضر كل أدواتي، ومن ذا يغيث أمي إذا لم نشترِ ما أحتاج لحصة الفنون من بكائي وعويلي كأنني أم ثكلى، أو ربما الثكلى لا تبكي كبكائي على شيء بسيط للفنون! درسني لسنين طوال مدرس لم يكن مسلمًا بل من أهل الكتاب، كان اهتمامه وإتقانه وإيمانه وأسلوب حياته أفضل من كثير من المسلمين، حيث كنت أتشوق بحرقة لحصة الفنية للعمل بحب عميق مع أستاذ راق في تعامله يعاتبنا عتاب الحريص حين نخطئ ولو كان خطأً لا يمس أي أحد بضر سوى إسلامنا، صدق من قال أن الفنون في مدرستنا ماتت برحيله! الآن أجدني في مرحلة كنت أتحرق لها شوقًا طيلة حياتي وكنت أغبط أختي حين كانت في مكاني أنها تدرس ٤ حصص فنون في الأسبوع. الآن أجدني لا أبغض شيئًا كما أبغض الفنون! عشق الفنون في ذاتي متأصل، ولكن صرت أتباكى وأتهرب حين أسمع أن الحصة القادمة هي الفنون! استغربت إحدى صديقاتي من موقفي العدواني تجاه هذه المادة فجأة وأنا التي كنت أزجرهن وأقول لهن استمتعن فالفنون من أقرب المواد إلى قلبي! كرهتها بسبب أن مدرسها لا يمثل الإسلام والإسلام لا يمثله! فمثلًا، رغم قلة عددنا ينادي كل طالبة باسمها وقبلها (حبيبتي)! بميزانه أننا كبناته، نحن "مثل" بناتك ولسنا بناتك ومحارمك حقًا! ونرى مشروعًا أنيقًا لطالب بذل كل جهده فيه، فنجده يأخذه ويمزقه ليعطينا نحن الخامة المستخدمة لنستخدمها! وحين نصرح له بأنها فاجعة وحرام، يقول كلا دعوني، هذه لا تليق بمعرض الفنون! ونجد في خامة أعطانا لنعمل عليها اسم طالب أحضرها ووضع اسمه لكيلا تستباح، وحين ننبهه لاسم الطالب يقول: "لا بأس سيحضر غيرها!" أعترف أنني أصبحت أمقت الفنون مقتًا لا يضاهيني أحد فيه!
لا إيمان= لا حب= لا إتقان= لا إنجاز= خسران مبين في الدارين!
قد أتحمل أي نوع من الأساتذة إلا الذين يبرأ منهم الإسلام والإيمان، كأستاذ يدع لطلابه حرية الغش وهو سعيد! وفي المقابل مدرس مؤمن متمسك بالمبادئ أعشق مادته أيما عشق وأبجله وأضعه "على رأسي"!

لن أكتفي بالأمثلة السيئة، فلقب (عبقرية النحو) لا زلت أفخر به وأسعد كل السعادة حين يذكرونه، كان من مدرسة قبل سنين أرسلها الله لتهبني حب أشياء كثيرة لم أكن ألقي لها بالًا، وربما لولا كلماتها لما كتبت يومًا أو صرت إلى ما صرت إليه، ومنهم أستاذ الأحياء الذي يعطيني أروع الأمثلة للإيمان الحقيقي والتفاؤل وتوصيل المادة بأبسط ما يمكن للطلاب وتيسير كل صعب عليهم ووهبهم حب الشيء قبل فهمه وحفظه!

الخلاصة: شكرًا لكل مدرس مؤمن، شكرًا هنا تفيد دعوة بأعالي الفردوس لأنك تستحق!

*اقتباسة للكاتب علي الطنطاوي.

*أحببت أن أرفق تدوينتين تحمل معاني فكري 
*{مدرسة بلا فسحة (رسالة إلى المعلم)}!
{البدار البدار معلمتي}
http://hanaiaaleman2.blogspot.com/2014/04/blog-post.html

السبت، 12 أبريل 2014

قِنَاع مُبَهرَج علىٰ قَريةٍ خاويةٍ عَلىٰ عُرُوشِها!

علَى ذكر القضية التي حصلت قبل أيام ولم يعقد حلها بعد، وبين متاهات الغربة القاسية التي نشعر أنها هدية عظيمة من الله ليعلمنا كيف نرجو الجنة حقًا، ولأن أختي كتبت فأثارت فيّ أشياء كثيرة فأبيت إلا أن أكتب!
بصدق؛ أن تكون الأول بلا منازع وبجدارة ليست قضية، وأن تكون الأخير بجدارة أو لأنك لم تبذل ما يكفي ليس أمرًا محزنًا، ولكن العجيب بحق بأن تكون الأخير والأول لم ينل ما نال إلا بقناع أخضر ولماع على جسده، ووالله لو سألته كم عدد الحروف العربية لقال انتظرني حتى أسأل أو أرى ممن حولي ثم أخبرك! كيف بالله تفخر بأنك الأول يا صاح؟ ألا يوجد شيء في داخلك يجعلك تشعر بالعار ولو قليلًا لأن كل تلك البهرجات والهتافات والفرح لم يكن لأجلك حقًا؟ بل لأجل شيطان كان يلعب معك إذ قال لمَ تتعب يا صاح وأنت تحتاج للراحة وبإمكانك أخذ كل ما تحتاج جاهزًا بلا قراءته حتى، فبات الناس يهتفون لأجل شيطان مارد!
إيه يا صديقي، كل يوم يزداد يقيني أن الأمور هنا ليست على وجهها الصحيح وكل الموازين هنا مقلوبة -إلا ما رحم ربك-، فأن تكون الأول بقناع ضاحك، كان حقيقة حين كنت طفلًا لكن كبرت وانحططت وصغرت في داخلك فاضطررت إلى لبس القناع الضاحك لترضي الجميع أنك بجمالك ذاته -ولو لم تكن-، أمر لا يسر حقًا! وأن تدع الأول الحق ينكوي بأساه في زاوية منسية وتضحك ملء فيك يدل على انعدام حس الضمير المؤمن أو الإنساني -بمعنى أصح- فيك! ولكن الله عدل حكم عليم، في كل يوم أتخيل المحكمة الإلهية ومدى عدلها اللانهائي، وأتخيل -إن كانت نيتي خالصة وفعلًا أستحق- تكريمي والعالمين كلهم من آدم إلى آخر مخلوق قد يدخل الجنة أو جهنم يهتفون لي ويعطونني كمًا هائلًا من الهدايا، وأنظر إلى أقنعة المراكز الأولى وأضحك باستهزاء، أقول لنفسي ستتذكرون غدًا يوم التكريم الحقيقي حين ستسقط الأقنعة، وسيعلمون غدًا من الكذاب الأشر!



السبت، 5 أبريل 2014

كَفىٰ بِالمَوت وَاعظًا!

"كفى بالموت واعظًا"
استيقظت صباح اليوم على صوت أمي تقول: أحسن الله عزاءكم، أرنبتكم الثانية في ذمة الله"
لا أعلم ما مر في بالي تلك اللحظة، لربما ربطته ببعض أحلامي هذه الليلة، لكن الموت يأبى إلا أن يغرس فيّ عظة عظمى! عدد الموتى من أهلنا وصل إلى 10 في غضون 5 أيام!
قالوا لي أن أدفنها أنا، فرحت لأنها ستكون أكبر موعظة لي خاصةً وأنني لم أجرب في حياتي الدخول إلى مقبرة للتذكير عوضًا عن دفن إنسان! حملتها، أخذت المعول وتوجهت لأدفنها، تذكرت الكائنات التي اعتدت الاعتناء بها في صغري ولم يطل عمرها حتى ماتت من فرط إهمالي وشدة معاملتي -لكوني طفلة-؛ فبكيت عليها بعد أن ماتت بكاء الثكلى، تذكرت أننا قبل شهرين كنا نحتفل بزواج أختي فوق قبور المساكين ولم نتذكر حتى أي شيء يخصهم، لا أحد يستطيع أن يثبت لي  حين يموت الإنسان أن الناس لا ينسونه ويبقى وحيدًا، لا أنكر أن ذوي الأثر يطول حزننا عليهم، ولكن لا يلازمنا حقًا، هذه سنة الله!


لفقتها بفوطتها البيضاء التي كنا نجففها بها بالأمس بعد مرحها تحت المطر، كانت رجلها ممدودة مشدودة، حاولت ثنيها كي أدفنها بشكل لائق فلم أستطع، كانت صلبة وهي في شدها لا تنحني، تساءلت كيف كان ألم سكرات الموت الذي عانته أرنبتي الصغيرة؟ لم أخف عليها ولا على ألمها، هي سترتاح وتكون أجمل بإذن الله بعد موتها، خفت وبكيت على نفسي المسكينة التي تذنب كل يوم بلا أدنى تفكير وتنسى سكرات الموت التي ربما تمحو كل أثر جميل في حياتها! كنت أصور كل لحظة في مراسم الدفن، كنت أكبر الله وأصفع نفسي داخليًا مرارًا وتكرارًا وأقول لها أرجوكِ اصحي واتعظي! تذكرت البارحة حين كان أبناء أخي سعيدين بالأرنبة يتسابقون لإطعامها وتتعالى ضحكاتهم حين تتحرك وتجري، ومر على ذهني أيضًا حين أمرتني أختي برقيتها فنسيت ونمت، ففارقت الحياة. تمر علينا أشرطة الذكريات بعد رحيلهم تترى ونرجو الله أن يعوضنا بأطنان فرح تنسينا كل أفراح الدنيا في الجنة!


الخميس، 3 أبريل 2014

خَوَاطِر مِن زَحمَة الحَيَاة

*شيء ما دفعني غداء الأمس لمقاومة تلك النزعة المزنية التي كنت بسببها -حين كنت طفلة- أتذمر إن اختيرت لي قطعة لحم تختلط بعظم، فكان أبي وأمي -أيدهما ربي وجزاهما خير الجزاء وأطال في عمريهما- يوزعان اللحم الصافي لي ولأخواتي، ويأخذان القطع الي تختلط بالعظم لكي لا نتأذى منها! اعتقدت أنه ربما حان الوقت لنعيد بعض ما كانا يسعداننا به.
{رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا}


*بعد ثلاث وفيات من أهلنا قبل البارحة في الحين نفسه، وفي النفسية المنحطة في فترة الاختبارات*، يرسل الله لنا أشياء تقول لنا {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ، مشيت مرافقة ابنة أختي التي تصغرني بسنين ثلاث، فيأتيني أذاهم الذي لا يجوز لمسلم التفوه به، ولا يليق بي! لا أتأذى من حديثهم بقدر ما أتألم وأخشى أن يكفروا بسببه! رغم أن الحديث كان مبهمًا ولم تفهم ابنة أختي إلا أنها حين رأت وجهي صرخت في وجه التي قالت ما قالت تقول لها: لا أرضى على خالتي، وكيف تتجرئين أن تقولي هذا عنها؟
ابتسمت عميقًا وعلمت أننا حين نتعب إخبارهم بأن يكفوا هذا الأذى بالذات لأنه وإن حسبوه هينًا فهو عند الله عظيم فنسكت، يظهر الحق ويزهق الباطل ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون!


*أن يترافق أخوان شقيقان كل صباح في الحافلة فيدخل أحدهما فيمر صامتًا ويدخل الآخر فيقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيء مبهج، قد يكون فتى لا يمت لي بأي صلة ولكنه يهديني سعادة الدنيا بسلامه الصباحي بلا أن يشعر، يبعثني للتفكر كل صباح في عظمة هذا الشيء الذي يجمع البشر من عرب وعجم على قلب واحد، واستشعار "سلام عليكم" تبعث شيئًا عميقًا في داخلي، وكأن المليار مسلم يدعون لي بالسعادة والسلام، إلى أمة الإسلام: أرجوكم لا تكفوا عن هذه الكلمات البسيطة التي يأمرنا بها ديننا وهي تنشر السعادة والسلام!


*بغض النظر عن الاستشعار العميق للموت في هذه الأيام بعد أن كثر موت الفجأة، وبغض النظر عن غنية رحمة الله عليها التي رحلت إلى ربها قبل أسبوع، رحل ثلاثة من أهلنا قبل البارحة، ورحل اثنان اليوم، ورحلت أيضًا أرنبة أختي الصغرى، 6 عزاءات في 3 أيام شيء كثير لا ينبغي أن يمر بلا أثر عميق لا يمحوه غبار الحياة، سأدعني عن البشر وأتحدث عن تلك الأرنبة التي جاءت بيتنا يوم الأحد، ففرحت كأن أمي ولدت طفلة وديعة، ولم يُقَدَّر لها إلا أن تعيش يومًا في بيتنا فاختارها ربها، بقدر ما كنت أعشقها وبقدر ما أحبها ابنا أخويّ اللذان زاراني فجأة فوجداني أحفظ إحدى القصائد في حديقة منزلنا وأراقب لعب الأرانب، ربما بقدر حبي لتلك الكائنة الفاتنة اختارها الله؛ لأن الله يريد أن يعلمني أن لا أتعلق بدنيا وأن في الجنة سيكون لي أرانب أجمل من هذه بقدر ما رفض أبواي أن أمتلك واحدًا، ولربما يريد تذكيري أن قبركِ على حافة رجليك، فعيشي تفاصيل يومك للختام!









_____________
*انحطاط النفسية في الاختبارات لا للاختبارات لذاتها، فأنا أجد في أيام الاختبارات محمسًا حقيقيًا لبذل الأفضل ولا يشتتني ولا يوترني أي اختبار، ولكن انحطاطها لصعوبة أن لا تغش في مجتمع منغمس في وحل الغش سعيد، وحين تظهر النتائج تظهر نتائجهم المثالية ونتيجتك لخير من الله أقل منهم، وأصعب شيء أن ترى كل أحد يهوي بتصرفه ذاك في قعور لا يعلمها وهو يضحك! يسعدني أحد الأساتذة بعد أن أيدني وأكد لي أنني حقًا متفوقة عليهم بكل المقاييس وحياني حين فوجئ بدرجتي وأنهم تفوقوا علي، فقلت له أنها كانت سهوات مني لا أكثر، وأنني سعيدة حقًا بدرجتي ولا يهمني تفوقهم علي ما دامت درجتي حلالًا طيبًا ودرجتهم تحاج ضدهم عند الله!