مضى زمن بعيد مذ سِلتُ في نص، اشتقت فيه إلى نفسي أكثر من شوق أحدكم إلى نصي. لم أستطع الكتابة تارة، وأردت الفيضان ولم أجد وقتًا له حتى جفّ ما وراء السدّ، لكن الله الباقي باقٍ، وإبقاؤه الأشياء رغم قحط الأرض من بقائه، فالحمد لله.
الاثنين، 1 أغسطس 2022
ماء بارد على الظمأ.
السبت، 20 نوفمبر 2021
لا يشقى بهم جليسهم.
لا تجد ظلًا يؤويك من شدة رمضاء الحياة، ولا دفئًا يكفيك بردها، إلا قرب أهل القرآن. أولئك الذين رؤيتهم تشرح الصدر وتمسح على القلب، أولئك الذين تلاواتهم معانيها أبلغ في قلبك من أجود القراء، وتدبر معهم يحييك دهرين. أولئك الذين لن تعدو عيناك عنهم وإلا زاغ بصرك وضعفت همتك وسرت إلى الله أعرج مكسورًا، أولئك الذين يجبرون الكسر ويشدون الأزر ويأخذون بيدك وقلبك إلى البرّ طوعًا أو حتى كرهًا، أولئك هم أهل الله، هل تفرط في أهل الله وأنت ترجو قرب الله؟
في صحبتك للقرآن، رحلة النعيم التي تشعر فيها جيدًا بهالات النور من حولك، وتكاد تلمس بيديك اللذة التي لم تجدها في أي شيء آخر. في رحلة تجويد القرآن وإتقانه، في رحلة التدبر التي لا تنتهي إلى آخر نفَس منك، في رحلة حفظ القرآن -المشقة الألذ-، كنت تشعر وأنت تحقق كل نجاح في هؤلاء أنك تعلو على كل انتصارات الحياة الدنيا التي حققتها من قبل، تفوقك في علوم القرآن يسمو على تفوقك في تخصصك، وفرحة عرسك القرآني يوم ختمك تتخلل كل خلية في جسدك، لم تكن كفرحة عرس زواجك. ستدرك في قلبك معنى "هو خير مما يجمعون" حين تتحسس قلبك فتجده سعيدًا في قرب القرآن وأهله أكثر من أي سعادة أخرى في الدنيا. لا يدرك هذا إلا مجرب، فهل تجرب وتذوق؟ ومن ذاق عرف، ومن عرف غرف واغترف واستسقى واستنهل ولم يكتفِ ولم يشبع حتى آخر رمق منه، لا من القرآن ولا من أهله.
رحلة القرآن لا تخلو من التعب والنصب، ولكن.. ما قيمة التعب مقابل النور الذي تقتبسه؟ ما قيمة كل الأشغال والملاهي التي تركتها لتشتغل بالقرآن وهي لحظية فانية ما تلبث إلا أن تنتهي دون أثر يُذكَر؟ بينما الوقت الذي قضيته مع القرآن خالد إلى يوم القيامة، والقرآن سبقك إلى قبرك ليكون مؤنسًا ورفيقًا حانيًا يوم تفقد الرفقة وتتعود الوحدة -تعوّد الذي لا حيلة له إلا التعوّد (إلا مع القرآن)-. ما قيمة الفناء أمام البقاء؟ ما قيمة الأصحاب الذين سيقولون لك يومًا ما: "انظرونا نقتبس من نوركم" لتقول لهم: "ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا"؟ تلك اللحظة التي يظلم فيها الكون وتنيره أنت بالقرآن الذي بين جنبيك، وأنت فرِح أن حسبتك كانت صحيحة هذه المرة ولم تفرط في حياتك ولم تقل "يا ليتني قدمت لحياتي" لأنك قد قدمت من زاد النور ما يكفيك لتنجو اليوم -إن أخلصت وتقبلك الله-. ما شعورك الآن وأنت تمسك مصحفك بمنأى عن العالم لينجيك يوم لا ينجيك إلا نورك؟
يوم تضيق بك الأرض بما رحبت، تأتي آية لتتردد في داخلك دون سابق طلب أو إنذار لتجدها تمسح على قلبك جبرًا، وتجدها ترشدك وتهديك إلى ما احترت طويلًا دونه، وتجدها تبني شيئًا تجهله في داخلك. في رحلتك مع القرآن، كلما مررت بآية وجدتها تحدث خدشًا في كل مساوئك وأخطائك، ثم مع كثرة الخدوش ومع إطالة احتكاكك بالقرآن، تجد أطباعك السيئة تتصدع وتتحطم واحدًا تلو الآخر، لا تجد في داخلك مكانًا لود ولا سواع ولا يغوث ويعوق ونسر، كل الأوثان -التي ظننت أن النبي صلى الله عليه وسلم هو آخر من هدمها- لكن رأسك مملوء بها، تلك التي تنصاع إليها أكثر مما تنصاع لأي شيء آخر، سيهدمها القرآن إن أطلت صحبته. هو الذي يعلمك ويزكيك ويطهرك ويجعلك إنسانًا أفضل في كل مرة تقرر ألا تفلته من يديك وأن يكون هو النور الذي يدلك على الحياة، يربّيك ويهذّبك في كل مرة تسيء فيها التصرف فلا يردعك أم ولا أب، ينمّيك ويطهرك، ويجعلك ترى وتبصر كل شيء بنظرة واقعية عميقة ذات بُعدين (دنيوي وأخروي)، ويكفّ عنك السطحية المقيتة حين ترى الأشياء بظاهر من الحياة الدنيا وأنت عن العمق غافل!
في الرحلة التي لن تنتهي ما ثبت قلبك ونبت في هذا النور، أنت بخير عظيم، وفرقان مبين، ونور على نور، أنت عميق النظر بعيده، أنت قويّ عزيز بعزة كتاب الله، أنت رحيم برحمة القرآن للعالمين، أنت إنسان صالح يصير أصلح كل يوم، وأنت مُفلح!
الثلاثاء، 1 يونيو 2021
ابنتي القرآنية، حظي العظيم.
الاثنين، 17 مايو 2021
روحٌ مبتورة.
السبت، 27 مارس 2021
روح من أمر الله 2
{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5)}
الثلاثاء، 2 فبراير 2021
إلى الحافظة القويّة (الضعيفة).
إليك،
أخذك الكتاب بقوة، اصطفاء الله لك من بين العالمين بأن تهتمي بحفظ كتابه وإتقان تلاوته في غرّة شبابك، استغلال فراغك قبل شغلك وصحتك قبل سقمك، هذه كلها كانت اصطفاءً محضًا من الله، ولم تكن هيّنة عنده، ولن تكون. أعلم جيدًا أن الطريق اللذيذ متعب ومرهق، وأن تعثر التسميع بعد طول التكرار داعٍ للانهيار، تلك اللحظة التي تشعرين أنك تتهاوين، وأنك بودك لو تحفرين حفرةً فترمين نفسك فيها ثم تحثين التراب عليك حتى يغطيك كاملًا، فتبقين وحيدة دون ضوء ولا نفَس، إلى أن تجدي النور والسعة في صدرك، وقلّما تجدين!
أعرف الرغبة العارمة في إيقاف التسميع، في نصح المُسمِّع أن يستغل وقته في شيء أكثر جدوى من تسميعي الخَرِب، أعرف شعور الخزي وشيء ما في داخلك يصرخ: هذا ليس حفظي ولا مراجعتي، هذه لست أنا، هذا شيء غريب لا يشبهني، هذا مؤلم لي ولمن يستمع، وأنا لا أريد إيلام أحد. فلأراجع وحدي إذن لئلا أؤذي ولا أؤذى.
أجيبيني، هل يتركنا الله نقاسي ونحن نقبل على كتابه؟ هل يدع الله نفوسنا خاوية على عروشها في مواقف كهذه؟ هل يتخلى عنا حين نسمّع ولا يهدينا سبلنا بعد طول جهاد؟ كلا والله، ثم كلا والله.
كأيِّ شيء في الحياة، بل وأكثر منها، يحتاج القرآن منّا قوة جبارة في أخذه، تلك القوة التي تجعلني أفضّل الانكباب عليه والمراجعة والتسميع على متاع الدنيا كله، وعلى الألعاب والضحك، وعلى كل ما هو زائل ليبقى هذا النور الخالد في قلبي وينفعني يوم يظلم كل شيء إلا النور الذي يسعى بين يديك وبيمينك. تلك القوة التي تجعلني أتعثر ألف مرة وأصاب مصابًا لا أظنني أُشفى بعده، لكنني أقاوم جراحي المثخنة لأكمل بقوة، وأمسك نفسي المتناثرة وألم شظاياها لمًا يجعلني أصل إلى آخر آية في مقرر اليوم دون أخطاء تتوالى لأن نفسي متشظيّة. أعرف أن الكلام سهل والواقع ليس، لكنّه القرآن يا أختي، ذاك الذي يستحق الجهد أكثر من أي حلم في الدنيا، ذاك الذي تقرئينه فيمسح عليك، وترددينه فيوقد النور في قلبك، وتكررينه فتتزكى نفسك، وتسمّعينه فتكتسبين القوة والثقة بطريقة لا يمنحك إياها أي شيء في العالم. اسأليني عن القوة التي وهبني إياها القرآن، سأسهب حتى لا أنتهي!
يا قوية،
ما كان حبل القوة الذي ترجينه بعيدًا، لكنك تنسجينه بمئات الخيوط الرهيفة من الضعف والتعثر. ستعثرين اليوم لتكتشفي طريق قوة جديد، وتنهارين مرة بعد مرة لتجدي القوة في قلبك وتعرفي قيمتها بعد طول ضعف، ستشعرين بالضياع وأنتِ تتعثرين دون أن تجدي إجابة من تسمّع لك، ستجدين في اللحظة نفسها في صدرك: "ما ودعك ربك وما قلى"، ستستائين، لتجدي آية تتردد فجأة في قلبك مما حفظتِه تمسح عليك. صدقيني، ستجدين ولو بعد طول أمد في قلبك تلك القوة المزعومة -التي ترينها سرابًا الآن-، سترتوين بعد طول ظمأ، ثقي بالله، ثم بي.
ثم ما قيمة الدرب دون أصحاب فيه؟ دون مَن لا أشعر بأي حرج أن أبدي انهياري أمامهم، فيطبطبون علي، أو حتى ينهارون معي إن استدعى الأمر حتى ننهض معًا بقوة؟ قيمته تقول لي دائمًا: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا"، كيف تتهدم المساجد بيوت الله العظيم؟ ستنهدم إن لم يتدافع الناس، ثم ماذا؟ "ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز". أعلم أنك لا تشكّين مثقال ذرة في هذا.
إليك في هذا الدرب الطويل، أنا أوشك على الوصول، لا أدّعي القوة التامة، لا زلت أتعثر، لكنني أقوى من قبل بكثير. لم أصبح قوية إلا بتعثري الكثير، في أمثال الحزب الذي أعدته أربع مرات حتى يخرج سلسًا بأقل قدر من الأخطاء، والسورة التي مكثت عليها سنة كاملة أعيد فيها وأزيد وتكسّرتُ مرارًا حتى صارت أكثرهن رسوخًا. لم يكن الدرب سهلًا وورديًا، ولن يكون، لكن الله اصطفاك ومنحك القوة الكافية في داخلك لتتجاوزي كل هذا، بثقل أو بخفة، ستتجاوزينه بإذن الله.
يا مجاهدة، يؤلمني ألمك لأنني كنت في مكانك، ويؤلم من تسمّع لك. ولكن، ما ضرّ أن نتشارك شعور الألم إذا كنا سنتشارك شعور اللذة وشعور القوة بعد الضعف؟ لا تهدمي صلواتك بضعفك، دفع الله لك قد يكون بمن تتكئين عليهم حين تنهارين لئلا يتهدم صرح القرآن في قلبك! سيري في هذا الدرب دون أن تكلي ولا تملي، سيري إليه عرجاء ومكسورة، سيجبرك دائمًا، سيمسح عليك ويرسل لك ألطافه من حيث لا تحتسبين. قولي له أنك تعبتِ، وقولي: "اللهم حفّظني القرآن وثبته في قلبي ثبات الجبال الرواسي وأجرِه على لساني سلسًا عذبًا، ونوّرني بنوره في عملي وحياتي". هو سييسر قرآنه لأنك ادّكَرتِ، ويهديك كل سبُله لأنك جاهدتِ، وسيجريه على لسانك وقلبك لذيذًا لأنك رجوتِه أن يعلّمك ما لم تكوني تعلمين، وكان فضل الله عليك عظيمًا.
لا بأس عليك حبيبتي، غدًا تكونين أقوى وأكثر إتقانًا وثقة وتلذذًا، أنزل الله السكينة على قلبك وأحاطك بالأمان والسلام أبدًا.
أختك التي تحبك لأنك تمشين في هذا الدرب: مُزنة.
الثلاثاء، 5 يناير 2021
2020 عام النعم.
مرّ عام لم يكن في بال أحد ما سيكون فيه، تغيرت سنن كونية وانقلبت آيات عِظام، وكان ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، كان عامًا عجيبًا، وكان عامًا أعجفَ كما يقول الناس عنه، مرّت فيه لحظات كثيرة -أكثر من المتوقع- أقول فيها لنفسي وصوتي يتحشرج: "سيمرّ هذا الوقت مهما اشتدّ باس". مرّ وفيه عبرات مكتنزة كنا نحتاج سنين طوال لنتعلمها فتعلمناها فيه. شكرًا 2020 على حُلوِك ومرّك.
لست ممن يكتب في ختام الأعوام الميلادية ولا افتتاحها، لست ممن يكترث بشيء كهذا، لكن لا بدّ للذكرى أن تخلّد. هذا العام الأعجف على قسوته الغالبة، أذكّر نفسي كل يوم أنه عام النعم. لم أكن لأتخيل أن ينقلب بلدي الآمن بحمد الله إلى رعب من كل شيء خارج بيتي، لم أكن لأحلم ألا أرى أمي وأختيّ شهرًا وأكثر لأنني أخاف عليهنّ مني. في هذه الأيام العصيبة، أحسست بعمق نعمة قربهنّ، وأن حياتي مهما كانت مرفّهة بكل ما تشتهيه نفسي لا تساوي شيئًا دونهنّ، أدركت أن شجار ابنَي أختيّ كان حياة قلبي التي انطفأت ببعدنا. في المدة نفسها، انعزلت عن العالم، كانت فرصة جيدة لإنجاز مهامي المؤجلة التي تجعلني سعيدة، بعد أسبوعين، خفتت سعادتي، لم يعد أي شيء أفعله يسعدني، ولم يعد إنجازي مهمًا، أدركت نعمة عافيتي النفسية، تلك التي تهبني الاندفاعية والشغف والتوقد لإنجاز كل ما أحب وأنا أشعر بقيمة ما أفعل وأنجز، أما حين أنطفئ، فلا شيء في العالم قادرٌ على انتشالِ نفسي من قعر بئر كآبتها التي لا قعر لها. صارت لكل نعمة معتادة (لا قيمة لها) قيمة حقيقية، صارت مصادر الإزعاج والتشتيت في يومي مصادر قوة لا أستغني عنها. انقلبت قيم الأشياء لأدرك قيمتها الحقيقية. اللقاءات والخروج من المنزل التي كنت أضيق بها حين تتراكم أعمالي فلا أعرف الأوليَّ منه والثانويّ، أدركت أنها هي حياتي وسط ركض الأعمال المسعور، أدركت أن قوتي المزعومة لإنجاز كل شيء هباء منثور أمام نعمي المعتادة.
كان للنعم تعريف آخر، عافية لا تضطرك إلى زيارة مركز الحيّ الصحي الذي غدا كوكبًا مهجورًا إلا من رائدي الفضاء المتسلحين ضد كائن لا يرى حتى بالمجهر الضوئي (وعافية لا تضطرك إلى إعادة فحص كورونا المؤلم كذلك!)، طيبات من رزق الله -يشكرها عليه من كان يعبده- لا تنقطع ليل نهار، بل زادت الوجبات والحلويات والإبداعات بجلوس الناس في البيت، عائلة تلمّك وتضمّك؛ تضيق بعدم رؤية غيرهم لمدة طويلة ولا تفكر أن ماذا لو كنت محجورًا دون رؤيتهم، بيت دافئ شتاءً بارد صيفًا، سقف يسترك، متاع الدنيا كله داخل بيتك، ووسائل تواصل لا تنقطع أبدًا حتى تصل إلى جارك الأدنى وأخيك المسافر بالطريقة والجودة نفسها. كنا غرقى في النعم دون أن يلج شيء منها إلى جوفنا لنحمد الله عليها، كنا محاطين ونغرق بلا بلاءات حقيقية تضطرنا إلى استجلاب الشهيق بقوة حتى ندرك حجم النعيم وأثره. شكرًا كورونا، أنقذتَنا من الغفلة!
كان 2020 هو العام الأول الذي أصافح فيه كف الموت -وأنا حيّة-. كدت أموت عدة مرات في حياتي فنجّاني الله. في هذه السنة لم أمت بالتأكيد، وربما لم أكد أمت كذلك، لكن مرّ علي أسبوع فيه 8 وفيّات، وهذا أكثر من أن يمر على عاقل مرور الكرام دون أن يصفعه على وجهه قائلًا أن الموت أقرب إليك من شراك نعلك. في 2020، مضت المرّات التي لا تُعدّ التي كنت فيها أخاف من أن تموت جدتي، مضت بموتها. لم يكن في حسباني في المرات كلها تلك أن أكون شريكة في تغسيلها وتكفينها، لكنني فعلت. لا أعرف مصدر القوة التي ينزلها الله عليّ كثيرًا في حياتي، ولكن الله يفعل دائمًا. لمست كف الموت بيدي وأنا أخلل أصابعي بأصابعها الباردة المنتفخة الميتة، ولمست معنى الموت في شعرها الأبيض الذي كانت تهتم بتصفيفه وتعقيصه. لمست معنى الحياة في ذريتها الباقية وفي آثارها التي لا تُحصى المتروكة في دواخلنا. ولمست معنى أن أستيقظ ومسائي غير مضمون، وأن أسعى ونهايتي غَبِشة، وأن كل ممتلكاتي الثمينة ليست ملكي وقد يتنازع عليها مَن أحب حالما ترحل روحي دون أن ينفعني شيء أو أحد إلا عملي، فإما من أصحاب اليمين أو الضالين. كان معنى الموت يتمثل في خالتي كوثر وهي تروح وتجيء في يوم تغسيل جدتي وهي لا تعرف أنها التالية وأنها لن تحضر حتى العزاء ولن تخرج من دوامات الأمراض المتلاحقة حتى تموت وهي التي كانت يوم الدفن بخير وعافية تسعى.
في 2020، سنة الصعوبات، تحققت أهداف فتح الله بها عليّ لم يكن في تخيّلي أن تتحقق، كنت أسأل الله في بداية العام أن يعطيني حتى يرضيني ويكفيني ويعينني على حمده، أعطاني من العطايا والفتوحات فوق ما سألت، وسخّر لي من الألطاف والتمكين ما لم أتصور. أعطاني رفقة قرآن أثيرة في قلبي تمنحني من الحب ما يفوق عطائي، ودورة في بدايته كانت قطعة من نعيم الجنة الخالد في قلبي، أعطاني بنتًا يقرّ فؤادي بإجازتها وبمتابعة حفظها إلى أن تتقن القرآن، وهبني درب الحفظ ميسرًا محفوفًا بمَن يأخذ بيدي فيه بقوة لأقطع أغلبه في عقر أزماتي، هيأ لي السبل لأعدّ ابنتيّ القرآنيتين للإجازة، سخّرني لخدمة الخلق في مختلف الثغور، ومنحني فضلًا منه برعمات ثلاث أعتني بهن -ويعتنين بي- ليكبرن في درب القرآن بقوة. أعطاني الله فيه القوة التي تجاوزت بها كل ضعفي ومخاوفي ووحدتي وضغطي حتى أتخرج، ثم هيّأ الله لي مكانًا أحبه لأعمل فيه -بغير حول مني ولا قوة-، لا بمعدّلي الذي كانت تؤرقني أهليتي للعمل -في ظل التنافس الشديد والبطالة- أو عدمها بسببه، بل بشغفي وإجادتي لأحظى بثقة معلمي المفضل وأعمل معه. فتح الله لي فتوحات غيرها ستبديها الأيام القادمة بإذن الله. توالت عليّ ألطاف الله أكثر مما أستحق بكثير، وأكثر مما دعوت بالتأكيد.
في هذا العام الغريب، أحسست بقيمة التقارب الاجتماعي ورؤية ابتسامات الأحباب على ثغورهم لا رؤيتها في أعينهم فقط من وراء حجاب الكمامة، وأحسست بقيمة التلامس دون شاشات. فوق كل هذه الأشياء، فقدت روح المسجد، هذا الفقد الذي لا عزاء بعده، المسجد الذي لم أكن أزوره إلا مرة في الشهر على الأكثر، وكان دائمًا الحضن الآمن الذي تندثر كل متاعبي خلفي حال أن يضمني. لطف الله المحيط يضمني حيثما وجهت وجهي وأويت، لكنّ رحابه المتمثلة في بيته على الأرض ما لها من مثيل يشبهها، شعور أن يؤويني بيت الله أعظم ما يُفقَد في أزمة كهذه. اللهم رحابك الواسعة، اقبلنا فيها بحب وسعة.
كان عام النعم مُدرّسًا عظيمًا، ذاك الذي يقسو ليحسن، ثم ما إن يرى انكسارًا في أعيننا، يدنو ويحنو ويلطف. كان عامًا حنونًا رويًّا مغلفًا بالشدة واليبس. اللهم ربِّنا بلطفك، وبصّرنا بلطفك في الشدائد، واجعلنا ممن تصقلهم الفتن ولا تطغيهم. اللهم أحِبَّنا وقربنا بقدر ما نلتمس حبك وقربك وأكثر.


