الجمعة، 9 أغسطس 2019

مذكرات حاجّة (صغيرة) 3

بكل القلب والروح والجوارح لبّيك. الحب والتسليم والإذعان والشوق والتهافت كله لك. الروح والجسد، القلب واللسان، النية والعمل، ليست إلا لك. لبيك رجلًا برجل ويدًا بيد، لبيك وإن وهن الجسم، لبيك وإن فاض التعب، لبيك وإن غصت الأرض، لبيك وإن ضاق النفس وضاق الصدر، لبيك حبًا وتسليمًا، والخير كله بيديك!

أفتح الخريطة وأترقب، فأجدنا قد تجاوزنا الحدود الحمراء في الخريطة، دخلنا مكة! رهبة مع دهشة، نمر في الطريق فأنظر إلى الجبال، أعرف هذا الجبل، هذا يشبه الذي أعرفه، وهذا أتذكره جيدًا! منغمسة في لقاء الجبال جبلًا جبلًا بعد طول فراق، كنت أراقب النفق المكتوب أعلاه بخط عريض "واذكر ربك إذا نسيت" وبيننا ألفة المغترب لا الغريب، أراهم قد تجمعوا على جهة وأخذوا يصورون وأنا لا أدري ما الحاصل؛ إذا به الحرم على يميننا وأنا على اليسار. هل عدت بعد سنين إلى دياري؟ أم هو الحرم المشمول بـ"وضع للناس" -أي أن البيت وضع خاصًا للناس جميعًا-؟ هذا المكان يشبهني جدًا ولو لم أولد فيه، كل جبل هنا تربطني به صلة قرابة من قريب أو بعيد، كل حمامة هديلها يناشدني عن أخباري ويخبرني عن أشواقه. هاقد عدت يا مكة، هل تشتاقين إلي كما أشتاق إليك؟

نضع رحلنا بعد طول شدّ، وأي وضع للرحال أحسن من هذا؟ نأكل سريعًا، لنهفو إلى البقعة الأطهر. نخرج، نجتاز شارعًا شارعًا نفقًا نفقًا ونحن نرجو العناق الأعمق. نصل إلى حيث تقف الحافلات، يجب أن نعبر النفق مشيًا لنصل إلى المسجد الحرام، ذاك النفق الذي يطول ويقصر بنا معًا ونحن نعبره بلهفة، مشت كلٌ مع محرمها، ومشيت مع سليمان ممسكة بيده مشيًا وددت لو لا ينفد أبدًا، ولو أن كل سعينا في الحياة يكون كذاك، من الطهر إلى الأطهر، من الجدب إلى الحياة، من المحك إلى النجاة، من الحضيض إلى السمو. الناس يسعون من كل فج عميق في ذاك النفق، يضج بهم مشاة محرمين ومحلين، آيبين جميعًا إليه. ينتهي النفق، أقف وعبراتي تسابق، كم من السنين كان يجب عليّ أن أقطع حتى أصل إلى هذه اللحظة الخالدة؟ وقفت لا أطيق المشي أكثر؛ لا لتعب بل لرهبة المكان. كل قطعة رخام هناك تحتويك، طول المآذن يربت عليك ويحميك من فوقك، والبياض يغشّيك ظاهرًا، فأنى لا يغشّيك باطنًا؟

ندخل واللهفة تسابق خطواتي، وبي ارتباك عاشق لم يلق عشيقه زمنًا، كيف سأكون حين أراها؟ هل سأتصرف جيدًا؟ هل سأعبر بلباقة عن شوقي؟ هل سأتشكى لها كل ما فعلت بي الأيام دونها؟ مضيت وكان اللقاء الذي يجاوز وصفه الحروف. ننزل إلى صحن الحرم؛ المكان الذي كان آخر عهدي به ليلة -قبل ست سنين- بتُّها وحدي بين صلاة وتأمل، وكانت من أكثر الليالي رسوخًا في حياتي. بالطبع لم أكن لبقة ولم أعبر عن شوقي كما ينبغي. نشرع في الطواف -الأصعب في حياتي-، كان شعور التمسك بالبيت الذي أنتمي إليه أعمق من أي شيء؛ لا تمسكًا بحجر وكسوة، بل تمسكًا بثوابت وأسس وضعها الله لنعيش نحن أحسن. مهما نبتعد عن البيت، كنت أتشبث به بروحي تشبث الغريق، لأستطيع من بعده الحياة والعطاء والنفع للعالم بأسره. الأمان تمثل في سليمان وهو يطوف من خلفي ويحميني بيديه ليدافع عني التصاق الرجال بي. لم يكن التدافع المهلك، ولا الروائح المزعجة، ولا ضيق النفس، ولا الإرهاق والدوار، ولا إزعاج الطائفين بارتفاع أصواتهم بغير الذكر ولا مزاحمة الطائفين غير المحرمين ولا تصوير بعض الطائفين ومكالمات الفيديو أثناء الطواف؛ لم يكن هذا كله لينزع غرسي العميق في صحن الحرم ونحن نطوف، لم يكن ذلك كله ليحجبني عن الاستشعار الأرسخ، والدعاء الأدنى إلى القلب. في الشوطين الأخيرين، كنت ألقط أنفاسي وأنظر إلى السماء للإغاثة بشيء من هواء أو برودة تعيد روحي إلى جسدي. كان الهواء ينقطع عند الحجر الأسود لشدة الزحام، ثم يعود فجأة هواء بارد عند الركن العراقي الذي أستنشق عنده هواء يكفيني للشوط القادم. كان الجسد يهوي بين الزحام، والروح تصعد وتنتشل من بين الزحام. الجموع غفيرة، لكن الله يأخذ بيدي ويبعث في روحي نشوة كأن لا أحد سواي هناك.

ننتهي من الطواف، نستغرق أمدًا لنخرج من أمواج الطائفين المتلاطمة وكلٌ يدافع أكثر من غيره، نريد صلاة ركعتي الطواف فلا نجد لنا موضع جبهة، بعد أن وجدنا بقعة بالكاد تكفينا للسجود، لم أجد قوة للقيام والصلاة إذ أمسى جسدي خرقة بالية بعد الطواف، أرتاح لدقائق، ثم أقوم لصلاة رغم كل الإرهاق كانت استثنائية. "قل يا أيها الكافرون" في الركعة الأولى هذه المرة إعلان للحدود الواضحة بيني ومن لا يؤمن بما أؤمن به، وأن الله كلمته هي العليا وما دون ذلك فلا مجال للتنازل فيه. لبيك ولو كره الكافرون، لبيك ولو كره المجرمون، لبيك وكل ما سواك هباء. سورة الإخلاص في الركعة الثانية دعوة للإخلاص، لأن تتيقن أن الله وحده هو الصمد، وهو الذي لم يلد ولم يولد، وهو الذي تعالى وتقدس عن كل شيء، وهو الذي يستحق الإذعان والتسليم وحده. الخضوع مذلة إلا هاهنا، إذ بخضوعك تتجاوز كل الاعتبارات وكل الحدود، وصولًا إلى الحي القيوم، الصمد.

بعد راحة بسيطة لا أجد فيها سبيلًا إلى زمزم، السعي الدؤوب يبدأ الآن. السعي الذي أزداد فيه تعبًا مع كل خطوة هو الذي يجعلني أشعر بهاجر عليها السلام وهي تموت مع كل خطوة كانت تسعى فيها لتجد ما يحيي ذلك الرضيع الذي يتقطع بكاءً. كم تمزق قلبها من بكائه وهي لا حيلة لها ولا قوة؟ كيف استطاعت أن تترك زوجها يدعهما في وسط لامكان دون أدنى مقومات للحياة وهما بذاك الضعف؟ كيف دعته يرحل وهي أضعف من رضيعها وهو أضعف منها، وإن بكى بكت هي ألف مرة قبله؟ كيف امتلكت ذاك اليقين الراسخ والإيمان المتجذر الذي ما كان ليذرها وحدها منكسرة، بل هو نبع القوة التي جعلتها تدك الأرض بين الصفا والمروة حتى جاء الفرج. مع كل خطوة وأنا متعبة كنت أفكر، أنى لي بإيمان كهذا؟ أتضعفني الحياة عن السعي والله أمرني به حثيثًا؟ لا إله إلا الله صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده. الحق كل الحق، والقوة كل القوة، بك ولك يا شكور. 

بعد العودة والتحلل عند الفجر، شعري بات أقصر، وآمل أن مساوئي قصرت معه. شعور بالطهارة غامر، وشعور أغمر بالعجز والفقر. إن لم تعننّي فمن؟ إن لم تسخر لي ألطافك فمن أين؟ إن لم تغفر لي وترحمني لأكونن من الخاسرين. كيف تغمرني بكل هذا اللطف والروحانية وخطاياي تخلدني إلى الأرض؟ كيف تنتشلني من لجّ غرقي برحماتك؟ 

بعد ذا الجهد، نومي يتخبط تخبط عشواء، ولم أعد أستغل الثواني كما يجب. مع تأنيبي لنفسي، كانت استجابة الله لدعاء الصحبة الصالحة في الحج بعد خبر القبول، جاءت ميمونة التي عرفتها منذ أيام لتزجرني على تقصيري وتبدي استعدادها للأخذ بيدي إن عقدت المعاهدة على الجهاد. حتى حين أكون سيئة، يرسل الله لي من يقسم ألا يدعني حتى أؤوب، من عمان الصحبة الخيّرة، وفي عقر مكة. لم أترك أهلي وداري إلا لأولد من جديد، يا مزنة، هلّا استخدمتِ النعمة هذه وعملتِ لتولدي نقية، دون أي أوزار، وعلى الفطرة التي تجانب الكسل والركون؟ هلّا كنتِ مصدر سعادة وفخر وأنتِ تكبرين بعد الحج رضيعة ففطيمة فطفلة ففتية فشابة؟


مكة تلفني بالطهر والدعاء، مكة تحثني لأستغل كل ثانية وأن أجهد نفسي لأتطهر. مكة يؤذيها بعض سلوك أهلها كالتصاق الرجال بالنساء دون أي مراعاة أو كتوسيخ طرقاتها بلامبالاة. مكة درب رسمه الله لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا. هل تريد الأمة؟

الأحد، 4 أغسطس 2019

مذكرات حاجّة (صغيرة) 2


 شعور بالغربة يجتاحني -للوهلة الأولى-، كلهن هنا من السويق، وكلهن معارف وأصحاب، وكلهن يتحدثن بحماس وشوق منذ انطلاقنا، وأنا ابنة الجيران التي تبحث عن فرصة تسنح لتتقدم إلى الكراسي الأمامية، إذ شعوري بالغربة يكفيني ولا أحتاج مزيدًا. تعرفت إلى التي بجانبي؛ اسمها فريدة. ما وجدت فرصة إلا وتقدمت إلى مقعد ثنائي خالٍ، هذا ما كنت آمله تمامًا، الحمدلله اللطيف!

ما إن انتقلت حتى جاءت فريدة تسألني عن سبب انتقالي وما إذا كنت انزعجت منهن، فنفيت وقلت أن الأفضل لنا أن نتوسع ما دامت هناك سعة في المكان! وفي داخلي أضيف: والقلب كذلك يحتاج مساحة. منذ تلك اللحظة والنساء جميعًا يحببني ويعرفن اسمي وينادينني به، وما إن أختفي ثوانٍ عن أنظارهن حتى يشرعن في مناداتي والبحث عني، يعاملنني كأخت صغرى أو كابنة لطيفة. يسعدني هذا جدًا؛ ولكن ما زلت إذا رنا ناظراي إلى حملة أخرى لباس نسائها لباس شرقي، يهف فؤادي وأشعر أن هناك انتمائي. جيد أن تخرج أحيانًا مما تنتمي إليه لتتسع، خصوصًا في رحلة التجرد هذه!

قالت لي أختي أن الطريق سيكون شاقًا ومهلكًا للجسد، وأن قدميّ ستتورمان بشدة من طول الجلوس، قلت لها: لا تقلقي الأمور طيبة! ثم في ثاني يوم من الطريق قالت لي: هل فهمتِ ما كنت أعني؟ نعم والله فهمت. كانت المشقة تطؤني ألف مرة في كل لحظة من لحظات الطريق الطويل، ذاك الذي استغرق 42 ساعة. مع توقفاتنا الطويلة المتتابعة، لا زال الوضع شاقًا، لا زلت أنام فأنتقز من نومي إما لحر أو لألم عظام، فأجد قدميّ قطعتَي كعك منتفختين. عند الشروق الأول خرجت من البيت، صورت الغروب الأول في الإمارات، فالشروق التالي في السعودية، فالغروب التالي في السعودية. كانت الساعات تمر كأنها الدهر، والإرهاق يلف كل شيء حتى غدت القراءة -التي بدأتها بقوة وحماس- مستحيلة مع الجوع والألم والإرهاق. كلما توقفت الحافلة نزل الحجاج لدورات المياه، ونزلت مزنة كأنها شاة مسرّحة ترعى لئلا تتحجر عظامي وبطني. كنت أشتكي كثيرًا التعب فتزجرني أمي أن لا تضيعي أجرك، لكنني لا زلت أشتكي.. لم يهوّن عليّ من هذا كله إلا ﴿وَأَذِّن فِي النّاسِ بِالحَجِّ يَأتوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأتينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميقٍ﴾. كيف كانوا يسعون حبًا حتى لو على ضامرٍ هالك تحت شمس محرقة وزاد قليل؟ كيف أعمى عن الخير وأنا في رحلة يود آلاف لو يموتون فيها من المشقة ليصلوا؟ إذا صح منك الود فالكل هيّنٌ يا رب.

وصلنا بعد 42 ساعة إلى المدينة، توقفت كل المشاهد لحظة ونحن نعبر الأضواء الخضراء التي تعبر عن حدود المدينة المنورة. كنت أنود قبلها، لكن ما إن وصلنا طار كل شيء. كنت أراقب كل إنسان وكل شارع وكل عمود إنارة. كان هناك شعور أن كل شيء منير أكثر من العادة. وصلنا إلى الفندق والمشاعر تتخبط، العمران آسر، فيه شيء من روح المكان الذي أنا منغمسة فيه حالًا. وصلنا منهدّين، فلم يكن خيار سوى النوم رغم أنني أعلمت سليمان بأننا سنخرج لنتمشى قبل النوم حتى أستعيد شيئًا مني وأرتب نفسي. كنت أدعو بالرفقة الطيبة الصالحة، وأن يسخر الله لي خير الرفقة في السكن في المدينة، وقد كان. زميلاتي في الغرفة مريحات جدًا ولطيفات، اندمجنا سريعًا ولم تعد بيننا حواجز، والحمدلله!

إليك،
أنا خجلى منك، وآسفة. آسفة لأنني وصلت عند الباب المغلق للروضة ووقفت عنده ساعة ونصف في ازدحام شديد حتى ضاق نفَسي وعاد إلي ألم الجيوب الأنفية الذي احتجت إلى أسبوعين لعلاجه ثم قررت بكل جُبن أن أنسحب. لم أكن أريد ذلك فعلًا لكنني اضطررت مراعاة للنساء الكبار معنا اللاتي تعبن وتنتظرنا رحلة شاقة من الفجر. كانت نساء يقلن ونحن وقوف: قليل في حقك يا رسول الله وقوفنا. والله قليل. لا يعدل هذا ولو ذرة مما فعلته من أجلنا. كنّ صادقات، وكنت مؤمنة بذلك، لكنني انسحبت، مضطرةً والله! :") أعلم أنني وقحة وأنا أقرر ألا أنتظر ساعة أكثر وأنت الذي شقيت 23 سنة ثقيلات عليك، قريبات إلى قلبك.
انظر إلى الأفواج التي تتزاحم تنتظر فتح البوابة، انظر إلى الشعوب الشتى التي أتت من كل بقاع الأرض 
لأجلك. أعلم أننا جميعًا لا نساوي شيئًا أمامك؛ أنت الذي كنا نحن نؤرقك، وكنت تقلق علينا أكثر من قلق أم على ابنها. كنت تدعو لنا ليل نهار وتأمل أن نكون شيئًا جيدًا، ألا نكون عالة على الأقل. هل غدونا كذلك؟
حين دخلت لأول مرة، كنت أتخيل أن أدخل المسجد فأجدك هناك؛ جالسًا وحولك أصحابك، تفيض نورًا وحنانًا عليهم. كنت أتخيل أن أدخل فتستبشر بي، وتقرّبني في مجلسك، كنت أتخيل أن أسمع صوتك، أو أن أكحّل عينيّ بلمحة منك، أو أن أشم رائحة طيبك قبل أن أدخل حتى، طيبك الآسر الذي لا يشبه عطور الرجال اليوم. كنت أتخيل، وكان يبكيني خيالي، وأنت دومًا حاضر ولو لم تكن..
وأنا أمشي إليك وإلى مسجدك، أتلفت حولي؛ هل هنا بركت القصواء؟ هل هنا كنّ بنات بني النجار يلعبن فتمر عليهن وتداعبهن؟ هل في تلك الزاوية كنت تمشي وأنت جائع؟ وددت لو تجيبني الأرض لألثمها وأحتضنها إن كنت قد وطأتها.

كنت أتلو "محمد رسول الله..." وأنا أتخيلك قربي. أتخيلكم وأنتم رحماء بينكم، ركعًا سجدًا تبتغون فضلًا من الله ورضوانًا. كنت أتلوها مرارًا وأصور مقطعًا والبشر يمشون في ساحة حرمك. لا أستطيع وصف الشعور.
حبيبي، أكاد أذوب وأنا أتصورك عزيزًا عليك ما عنتنا حريصًا علينا. لو كنت هنا، هل كنت ستعد لي زيت الزيتون والعسل لأشربه قبل النوم لأتقوى للحج؟ هل كنت ستشحنني إيمانيًا وتهيئني للحج؟ هل كنت ستطوي عني مشقة السفر ما استطعت لأنني أعز عليك؟ أعلم أنك الرحمة كلها، فمهما تصورت لا أوفي.
لا زلت أشتاق إليك، أريد لقاءك. هل لو لقيتني ستقول أنك فخور بي؟ هل تعلم عني الآن وعما أفعله؟ هل أنت راضٍ عني؟ هل ستخبرني أنني فرد نافع رافع لهذه الأمة أم مع غثاء السيل؟ أنا سأخبرك أنني أشتاق إليك، وأنني أحبك جدًا، وأنني أحاول بكل ما أملك ألا أكون عالة، وأن أكون فاعلة نافعة مستنهضة لأمتك. هل سيسعدك هذا؟ أظنك كنت تسمعني اليوم بين العشاءين قريبًا من روضتك ونحن نتلو القرآن تضرعًا، كنت في الجنة وأنا أستشعر قربك وهن يتلين ورائي تلقينًا. آمل أنك كنت قريبًا، بل أنا قريبة منك.
 هل تعلم؟ حين أعلّم القرآن فيثقلني هم المتعلمات أو أعاني ما لا أملك إصلاحه في نفوسهن، أتذكرك دومًا وأنت تحمل هم أمة كاملة ويثقلك الهم ويمرضك ويقعدك ويكاد يودي بك وأنت لا تبالي. أتذكر وجعك ألف مرة وأنت باخع نفسك على آثارهم بلا جدوى. تمزق فؤادي وأنا أفعل لا يساوي شيئًا مما كنت تقاسيه. أنا آسفة عن كل من آذاك، هلّا كنتُ جبرًا لفؤادك الموجوع -وإن كنت عاجزة-؟
حين صعدت على جبل الرماة اليوم، كنت أفكر، لو كنت معك يومها هل كنت سأكون على جبل الرماة أساسًا أم سأكون مع خالد؟ ثم لو كنت معك، هل كنت سأنزل؟ وكم من الوجع كان سيلفني لو رأيت وجنتيك مخترقتين ولنزعهما تسقط ثنيتاك وأشعر أنني السبب؟ أنا أعلم أنني إنسان سيء الآن، هل سأكون بهذا السوء؟ وإلى أي مدى سأكون لامبالية وأنت لا تبالي بقتل نفسك لأجلي؟ هل كنت لأكون حمالة الحطب مثلًا؟ سؤال مرهق. حسنك يطغى فلا يملك إنسان سوى الإيمان بك، لكنني عنيدة!
أنا لا أدري ما أقول بعد، لكنني رغم كل مساوئي أحبك وأشتاق إليك. حين زرت دارك شعرت أن الشوق لم يبرد، بل كما قال الشيخ محمد الحسن الددو:
"ما زرت دارك في شوق يؤرقني 
إلا تزايد عندي الشوق واتقدا!"
أسأل الله ألا يحرمني رؤيتك. أحاول أن أكون مزنة التي تحب، أحاول أن أجاهدني لأحسّن خلقي لأتقرب إليك، وأحاول أن أعلّم القرآن وأتعلمه عسى هذا يقرّبني إليك! أي خير أرتجيه إن مُنِعت رؤيتك لسوئي؟
خرجت من دارك، لكن أظنني نسيت فؤادي هناك. هل أستطيع العودة في أي وقت أراني قادرة على لمّ نفسي؟ هلّا ساعدتني؟

الخميس، 1 أغسطس 2019

مذكرات حاجّة (صغيرة) 1



كان يومًا حارًا قاسيًا، لم تكن قسوته في حره بقدر ما كانت قسوته في اختلاف الناس بين مُعيّد وصائم عرفة، شعور الوحدة في عيد المسلمين وهم يصومون معًا ويفطرون معًا تلاشى وأبناء البلد الواحد تفرقوا، فأينما حللت وجدت أطفالًا متزينين معيّدين، بينما أنت صائم. كنت أدعو بينما الناس في عيد، اللهم أينما كان عرفة وأينما كان العيد، اللهم هذه حاجاتي أستودعك إياها وأنت أعلم بالقدر الأجمل لي، اكتبها لي متى ما شئت، إن كان خيرًا لي فلا يأتي عرفة القادم إلا وهي محققة. كنت أدعو بيقين أكثر من أي وقت مضى وأنا أقرأ عن قصص الذين دعوا بيقين يوم عرفة فما جاء عرفة التالي إلا ودعواتهم واقع يعيشونه. كانت كل الأسباب تشير أن دعوتي مستحيلة الإجابة، وأن ربما في وقت لاحق، ولكن هأنذي بعد أقل من عام أقول: "قد جعلها ربي حقًا". 

ظللت أسبوعًا لا أمشي على الأرض أبدًا، بل أخطو بخفة بين السحاب، حالة سماوية روحانية لا يبلغها كثير؛ تلك التي تدغدغك بل تحتويك وأنت تشعر أنك عبد مصطفى من الله، وأنه اختارك من فوق سبع سماوات للقائه، وللاستجابة لأمره، وللتلبية حبًا. حالة سماوية تلك التي تنتابك حين تدعو بيقين فلا ترى أي بوادر إجابة، ولكنك تظل تترقب شهرًا كاملًا ليل نهار وأنت موقن بالإجابة ولو انقطعت الأسباب. الرقم 156 في قائمة الانتظار الذي أحاله الله إلى صفر وحقق وعده، رغم كل الأسباب المنقطعة، والآلاف الذين يسجلون كل سنة وهم أكبر سنًا وأدعى للقبول فلا يقبلون، اختيار الله وقع علي. آمنت. 

وسط غرق العرض والتقرير الذي كلما عملت فيه وبحثت ازداد ما بقي علي منه لا قلّ، وعندما يسخر الله لي كل ما أحتاج دون سؤال، وسط التعب من رتابة الضغوطات التي تفقد الحياة طعمها، تصلني الرسالة الأجمل في حياتي على الإطلاق؛ "مبارك! [مزنة...] مستحق للحج هذا الموسم." دع عنك نسبة الثانوية والقبول في الجامعة، ودع عنك أي قبول في أي دورة، ودع عنك كل رسائل الأحبة. هطلت كل مشاعري غيثًا، رميت بالحاسوب جانبًا وسجدت سجدة لم أسجد كمثلها قبلها ولا بعدها أبدًا. هل يعبر البكاء فرحًا عن الشعور؟ لا أعرف. المهم أنه كان شعورًا استثنائيًا.  

يكاد لا يصدقني كل من يسمع خبري، ونكرانهم الخبر يزيد امتناني وحبي لله أن اصطفاني. مباركات أمي وأخواتي، دهشة وفرح صديقاتي، وصاياهن وتذكيراتهن لي كم أنا محظوظة، كل الدعوات الهاطلة حملتها في قلبي، وردود أفعالهم جميعًا لا تغيب عني لحظة. الوداعات والمباركات، وإهداءات "نور في الأجواء تألق" و"ودي لي سلامي يا رايح للحرم" بأصواتهن كانت تكثّف المشاعر وتركمها استعدادًا للهطول. الحمدلله رب العالمين.

صدمة الناس من الخبر كانت لأنني لا زلت صغيرة لم أنهِ حتى الجامعة، كرر أخي: كيف تذهبين وأنت بهذا العمر الصغير؟ رددت عليه مداعبة: لكنني مفطومة! صدقت كلامه حين وجدتني الوحيدة في الحملة كاملة من جيل التسعينات إلا واحدة تكبرني بست سنين، وأن أغلب الحملة نساء كبار في السن. شعور مريب بعض الشيء كوني "الطفلة" بينهم وهم أغلبهم يتعارفون، لكنني دعوت الله مرارًا بالصحبة الصالحة، ولا يخيبني. 

التجهيزات المادية ما بين غسيل وكي وشراء للنواقص وتوديع وأداء أمانات تجعلني متأكدة أنني مستعدة. لكن يبقى السؤال المرهق؛ ماذا عن الروح والفقه؟ قرأت المعتمد، بدأت أقرأ كتبًا غيره، أحاول الاستعداد بكل الطرق، آمل أنني نجحت!

أحد أهم الأهداف التي نصبتها للزواج كانت الحج، لم تكن السبل المادية متيسرة أبدًا. كنت أغبط قريناتي اللاتي وسع الله عليهن فيكثرن السفر مع أزواجهن في أول سنوات من الزواج، ولكن بعد أن يسر الله وبذل سليمان الغالي والنفيس لأجل أن نحج، أدركت أن نظرة الإنسان كثيرًا ما تقصر، وأن الحظوظ مقسومة على قَدَر، وأن قَدَري كان الأوفر برحلة العمر في عمر صغير قبل مسؤوليات الأبناء وغيرهم. أدركت أن الحظ والحب قد لا يكون دائمًا في سفر ترفيه، بل يتجلى أكثر في سفر أرقى وأنقى، حيث العودة إلى البيت الأول. 

شعور أن تترك فراشك الوثير، تترك أهلك الذين تشتاق إليهم وتقلب صورهم ليل نهار، تترك الأطفال ودفء البيت، تتخلى بكامل إرادتك عن وطنك، عن العيد مع أهلك، وتقرر أن تغادر إلى بقعة لا ذكرى لك فيها، لكنك ما إن تصل؛ تشعر كأنك ولدت هنا، كأن فؤادك معلق هنا أكثر من تعلقه بوطنك، تشعر بالأمان والسكينة، وتود لو لا تغادر أبدًا. 

بعد قبول الحج في عشر رمضان الأواخر، كان وقع القيام بسورة الحج مختلفًا تمامًا. لم أكن على الأرض وهي تتلى، بل كنت بعيدة جدًا. لا زال وقع "أدوا المشاعر بمشاعر" يرنّ في أذني، ويدفعني للقراءة والتدبر لأستشعر وأفيض حبًا. 

في الطريق عند الحدود، لا تزال الدمعة عالقة؛ دمعة فراق الأهل والأحباب والوطن، لكن هذه الدمعة يغلبها الشوق، يغلبها ذلك الترك بكامل الإرادة، والانصياع والتلبية بكل الحب والشوق. لا تزال المباركات تنهال، ولا أزال أستشعر الاصطفاء الرباني الذي لا أستطيع وفاء حقه من الامتنان والحب للطيف. 

دعوت الله وأنا في سنتي الجامعية الأولى ألا أتخرج إلا وأنا قد حججت، ونسيت الدعوة حتى. ثم دعوته أن يرزقني عمرة قريبة ترد روحي إلى محلها، فرزقني بلطف أقداره وكرم عطائه وجزيل هباته عمرة وحجة. رزق الله كل مشتاق، وألقى في قلب كل محتاج الدعاء بيقين لا يرد عن الإجابة. حب عميق ودعاء. 

أيام خفيفة ثقيلة 4

مرت ستة أسابيع سريعة، مضت كأنها يوم أو بعض يوم.. لم يشعر بها إلا من كان خارج قوقعتنا الدافئة التي كانت ملجأً آمنًا نأوي إليه إذا عصفت بنا الحياة. كان القرآن الشافي الملهم المقوي وهو يتلى علينا بكرة وأصيلًا؛ كاللذة التي لا يكتفى منها بتذوق، بل باغتراف ليل نهار. كانت قلوبنا تأوي هنا وتسكن، وأرواحنا بالقرآن تشتبك وتتآلف وترتبط. غدًا تفرقنا الدروب، وتتضاعف المسافات، ويقل الوصل، لكن إذا التقينا مرة بعد مرة نجتمع على شغف كأننا لم نفترق قط. إنه سحر القرآن، إنه حب أهل القرآن العميق. 

مرت ستة أسابيع كنت فيها مثالًا للمعلم الشديد القاسي؛ الصورة التي لا أحب. ربما أبوح الآن بما لم أرغب بالبوح عنه. لم تكن شخصية المعلم الشديد هي الشخصية المثالية التي أحب، بل كنت أفضّل دائمًا المعلم الصديق؛ القريب، الذي يفهمك ويقدرك ويراعيك ويهتم بك. كنت أحاول -بكل تناقضاتي- أن أكون التي أحب، والتي أكره. كنت مضطرة لأن أكون الثانية لدواعي الالتزام. كنت أبدو أقسى إنسان في الحلقة، ثم بعده أشكو و"أتقمقم" كثيرًا لأنني لا أحبني كذلك، ولأنكن لا تحببنني كذلك، ولكني كنت مضطرة! كان يتراكم علي الإرهاق وأشتاق لسنة من النوم، ثم حين يأتي موعدها لا تأتي هي لأن الدنيا تضيق بي لأنني مقصرة في توصيل المعلومات، أو لأنني أشعر أنني معلم سيء وأن بناتي أسوأ حظًا لأنهن ابتلين بي! كان يؤرقني إهمال إحداهن وأشعر أنني السبب، وكان يوهنني تفويت الحلقات، واستمرار الضعف النظري، واللامبالاة بالاعتذار أو بإبداء أي اهتمام. لم يكن يضايقني هذا لأمر شخصي متعلق بي، بل هو القرآن واحترام مواعيد القرآن. كنت أشكو كثيرًا، كانت المجازات بلسمًا دافئًا على قلبي وأنا أتشكى كل يوم عندهن. كل كلمة لطيفة أو ابتسامة أو تعديل خطأ أو اعتذار أو مبادرة خير أو هدية من إحدى بناتي كانت تحيي روحي أكثر بكثير مما تتصور. كنت الإنسان الشديد ظاهرًا، الذي يرجو أن يكون لطيفًا وقريبًا جوهرًا.

إلى بناتي،
أعلم أنني لم أكن خير معلم، لكنني كنت آمل من كل فعل أو كلمة أن تخرجن مجازات قويات متقنات، أفضل مني بالطبع. كل عتاب، كل نظرة، كل حرمان من صندوق المفاجآت، كنت أرجو منه شيئًا في داخلك، شيئًا يجعلك تبذلين دون انقطاع ولا تتواني جهدًا حتى تكوني أفضل ما يمكن. كل هذا كانت آمالًا لا أعرف إن وصلت. لم نكن نتلذذ بتعذيبكن بالاختبارات المفاجئة، ولم يكن انخفاض درجاتكن باعثًا للمتعة؛ بل كثير من الشعور بالسوء. كانت كل كلمة منكن ترنّ في أذني ألف مرة أيامًا طوال، كنت أحاول أن أكون نسمة لطيفة نافعة غير ضارة، ولم أكن أنجح دائمًا. كنت أحاول إيصال رسالة أن تكون همتك أن تكوني متقنة قوية، وأن تبذلي في سبيل هذا كل شيء. الإتقان رسالة، لا تأتي إلا بالصبر على الحلقات رغم النعاس ورغم الضغط ورغم التعب ورغم التشتت ورغم كل شيء. رسالة لا تؤخذ إلا بقوة، لا تؤخذ إلا بقوة دافعها عهد غيبي تقطعينه على نفسك، لا مع أي أحد بل مع الله. القرآن رسالة يجب أن تصل، وهن الأمة يكفيها، لنكن نحن شيئًا من قوة. 

بناتي في الحلقة، 
كنتن في كل يوم تشعلن في داخلي ما لا ينطفئ إلى يوم القيامة. مناقرات نصراء وبثينة من الفجر، الضحك الذي ينشطنا، وكل الحب والدفء الذي أنا ممتنة لله كل يوم أن وهبنيكن. 

بناتي في الإقراء، فاطمة، وبثينة،
أنتما مصدر قوة أستمد منه كثيرًا مما لا تدركان، إقراؤكما قد يشق عليكما، وقد يشق علي أن تستمر أخطاؤكما وأنا عاجزة، أو ألا أجد سبيلًا إلى تصحيحها، أو أن ألا أجد وقتًا لإعطائكما حقكما من الإقراء ومن الدروس النظرية، أو حتى أن يبدو أي تقصير أشعر أنني بطريقة ما أستطيع إصلاحه ولم أفعل. كنت أحاول الجبر بالدعاء. رغم كل هذا، إقراؤكما قطعة من النعيم لا أطيق فراقها، ولا أعرف كيف أنأى عن هذا السلام كله. أعتذر عن كل لحظة قسوت فيها عليكما، أو لم أستطع إقراءكما لتراكم أعمال أو لتعب. لا أوفيكما حقكما من الشكر للجمال الذي غمستماني فيه دون أي مقابل.

شكرًا لكل وقفة، لكل سند، لكل جبر، ولكل حل. شكرًا لكل لطف، لكل رحمة، لكل حب، لكل أنس، ولكل مشاركة. شكرًا لكل صباح، لكل فجر، لكل عشاء، لكل أصيل. حبٌّ لا ينقطع، ووصلٌ بالدعاء. 

انتهت قصة الدورة المكثفة التاسعة، وابتدأت قصة جديدة؛ إما برحلة إقراء مؤنسة، أو بإجازة التكليف والتشريف. ❤️

الجمعة، 26 يوليو 2019

أيام خفيفة ثقيلة 3

شعور من الجنة ذاك الذي يتسلل إليّ حين نستقطع الإقراء لسجدة تلاوة نسجدها أنا وابنتي، نعيم لا متناهٍ حين تقرأ وأنا أستمع إليها وهي تصحح الخطأ تلو الخطأ بعد أن تمخضت معها وهي تجاهد وتبحث عن الحل تلو الحل لتقوم لسانها وتجود حرفها. ختم البنات؛ لحظة العرس القرآني الذي نحتفل به وننتشي أكثر من أي شيء، طوق الياسمين الذي تصنعه الشيخات ليلبسنه الخاتمات، كل هذه التفاصيل الصغيرة لن ينساها الله. 

الجو المعطر حتى الإشباع بالحب واللطف واللين، ذاك الجو الذي لا نسمع فيه لغوًا ولا تأثيمًا، لا تؤثر عليه إلا العتاب والزجر حين تقصر إحداهن؛ الذي ما قُصِد لذاته بل لما يُرجى منه، الإفطار الصباحي على الشروق واستنشاق نسمات الصباح، المشي ليلًا ونهارًا في أرجاء المجمع وتأمل أدق التفاصيل التي توصلنا إلى الله، الآيات التي تنغرس في القلب وقت البكرة، الأذكار الجماعية، والحلقات التي هي رواء، بحبوحة تستحق التضحية. 

قال لي أبي اليوم بعد أن انقطعت عن أهلي زمنًا لا أراهم فيه: "لماذا تتعبين نفسك هكذا يا ابنتي؟". لا يعلم أبي لذة العيش مع أهل القرآن، ولا لذة البذل لأجله. كذلك لا يعلم أبي ألم الإحباط من ضعف النتائج أو حين يمسكني إرهاقي من البذل عن البذل أكثر. لا بأس، كل مر سيمر، ولا ينسى الله تعبًا ولا جهدًا. 

كل الأيام الثقيلة تغدو حُلوةً عذبة إذا حَلَا السائرون معك، ثقل السكن الداخلي يمسي حلاوة وهو ملازم لأهل القرآن؛ للصحبة الطيبة التي تزرع في القلب الخير فيزهر من فوره. ننغمس حُبًّا حتى ننسى الحياة، ننسى أننا ضحينا بكثير لأجل هذا، ننسى الشوق الكاوي إلى أهالينا، بل ننسى حتى أن نتصل بهم حتى تصلنا أشواقهم وعتاباتهم. اليوم الذي لا تجد فيه قطعة لفراغ من إقراء إلى حلقة إلى مذاكرة إلى مدارسة ومناقشة إلى نوم محسوب بالدقيقة إلى الاستحمام السريع إلى طلبات الاستماع للتلاوات التي لا أدري أين أضعها في يومي المزدحم، كل هذا يمثل معنى النعيم حين تبذل لأجل هدف عظيم؛ هدف لا ترى ثمره في الدنيا فحسب، بل نرجو أن نجد الله عنده فيوفينا حسابه. صدقت ندى؛ لذة العطاء تفوق لذة الأخذ. 

صحبة القرآن عائلة لا غنى عنها. أولئك الذين يحرصون عليك؛ على تعاملك، على جهادك، على نومك وتعبك، على مرضك، وعليك من نفسك. لا عوض في الدنيا كلها عن إخوة حريصين يهتمون بك أكثر من نفسك لأنك أنت، وللقرآن الذي بينكم. العزاء كل العزاء لمن لم يذق طعم الصحبة الخالدة، تلك التي حتى وأنت ترتع وتلعب معها، تشعر أن بينكم امتدادًا يتعدى حدود هذه اللحظات السعيدة، امتدادًا يخلّد السعادة في الآخرة. مهما قست الحياة وأمست مُرّة، الصبح كل الصبح أولئك الذين يوصونك بالحق، ويوصونك بالصبر؛ حتى يحيلوا الخرقة المثقوبة بداخل صدرك إلى أساور من ذهب وثياب خضر من سندس وإستبرق. لا شيء في الدنيا كلها يعادل ولو جزءًا من هذا النعيم، لا شيء من حظوظ الأرض كلها يعكس شيئًا من هذا الحبّ. حبٌّ لا تملك مجازاته إلا بدعاء خفي  يستدعي منك استمساكًا بكل ما تملك؛ وأن تترك كل السفاسف لتحافظ على العروة الوثقى.

الإحباط المتراكب عليك من قوة بذلك وضعف ظهور نتائج البذل يكفله الله. على كل التعب المكبوت المتراكم؛ يظل الله يخفف عنك أبدًا؛ بهدية من حبيب، بكلمة لطيفة أو اعتذار من البنات، برؤى صالحة تدلك أنك في الطريق الصحيح، يتجلى لطف الله العظيم ليقول لك هوّن عليك، ويطبطب على قلبك وأنت تجاهد وتشقى لأجل هدف عظيم. يخفف الله عنا مرارًا وتكرارًا، يرى ضعفنا فيرحمنا ويلطف أبدًا. الحمدلله. 

أستيقظ فلا أجدني قادرة على النهوض من تراكم الإرهاق على جسدي المُضعَف بوهن الزكام، أبحث عن سبب منطقي يجعلني أحمل جسدي المتهالك، الحلقة سبب مقنع، لكن قوتي لا تسعفني. يسعفني في تلك اللحظات تسلل أصوات ضحكات البنات وهن يفطرن في وئام وسعادة. لا شيء يعدل صحبة القرآن وتجمعها والسعادة في الأحاديث والضحك معها. هناك ما يستحق النهوض. 

للمشروع القرآني كل الانتماء، للدورة المكثفة حب عميق، ولرفقتي كل المودة والسلام. ربنا اجعلنا مباركين أينما كنا واستعملنا ولا تستبدلنا. اللهم علمنا وفهمنا وأدبنا بالقرآن. 

السبت، 22 يونيو 2019

مذكرات طالبة جامعية 18

مع شروق هذه الشمس، يجب أن يشرق ما في داخلي لأقول أنني مع بالغ الأسى؛ حزينة. لست حزينة على وداع الجامعة والصديقات المتخرجات، ولست حزينة على الإجازة بل هذا يستدعي الاحتفال. ولكنني حزينة لأنني أنهي للمرة الثانية مادة بمعلومات كثيرة مفيدة، لكن دون أن أجد بينها رابطًا أو أفهم كيف يمكنني الاستفادة من هذه المعلومة واقعيًا. يسوءني أني أحشو رأسي بمعلومات أفرغها في ورقة الاختبار وأغادر دون أي محصول حقيقي يجنى، ويهينني وعقلي أن أبذل كل هذا الجهد والوقت والمال على شيء لا يكاد يذكر. لا يهمني أن أنهي هذه المادة التي يتمنى جميعهم الخلاص منها بأي طريقة كانت، بل يهمني أن أخرج بشيء يفتح لي ذهني، وأظن أن هذا أبسط حقوقي. 
23-5-2019 5:59 ص

مرّت الأيام، وبالمناسبة، حتى المعلومات التي حشوت بها رأسي دون وعي؛ لم أجد ما يغنيني منها في الاختبار فكثير منه لم يكن منها أصلًا! أظن أن هذا الاختبار حصل على وسام أسوأ اختبار اختبرته في حياتي كلها، وهو يستحق بجدارة هذا الشرف العظيم. لم يكن مهمًا حقًا، لم أكن مبالية لأنني مهما استفرغت جهدي كله أعلم أن جهدي لن يؤتي أكله في هذه المادة مع هذا المعلم الذي لا يبالي بتعليم المادة حقًا، قلت حين خرجت: "اللهم إن كان الأمر متكلًا إلى ما أدّيت وإلى كيد هذا المعلم، فأعلم يقينًا أنني راسبة حتمًا. لكن الأمر إليك وبيديك، وأنت أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وأنت خير وكيل." انتهى الأمر عند هذا، لم أكن أعرف كيف أرقّع جسدي وهو غدا خرقة بالية بعد أيام طوال لا ينام فيها نوم إنسان طبيعي ولا يأكل أكل إنسان طبيعي ويقاسي الوحدة في أمرّ صورها. الحمدلله مر كل شيء وانقضى. 

ظهرت النتائج في الثالث والعشرين من رمضان وأنا معتكفة، لم أشأ أن أفسد عليّ صفوَ ونعيم العبادة والاعتكاف، ولا فرحة العيد، ولا نشوة زواج ابن أخي وحفيد أبي الأول. بعد أن استقرت الحياة وعاد كل شيء إلى مكانه في السابع من شوال، قررت رؤية معدلي. كنت أدعو بالرضا وبالعطاء الرباني لأنني استهلكتني لأصل، ورضيت. توصلت إلى أن بعض الأمور لا حل لها، وأن بعض المعلمين اختباراتهم صعبة المراس لا مفر منها ولا مجال لأي تدخل طلابي لتغيير مجاري الأمور وتوزيع الدرجات التي غالبًا ما تكون سيئة. لا مضرة من درجة سيئة تنفض معدلي نفضًا عنيفًا إن كنت تعلمت من المادة ولممت أكثر ما بها لكن الاختبار كان لذوي القدرات العالية، لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون. 

انتهى كل هذا. وبدأنا نعيش الإجازة بلذة الحياة وأنت تخطط لكل دقيقة فيها وتختار ماذا تفعل وماذا تترك وترتب حياتك دون مؤثرات خارجية تعكر صفو الحياة -كالمذاكرة-. ما مضى أسبوعان إلا ونستعد لبدء فصل جديد من الإجازة. بعيدًا عن غبطتي مروة ومروة وهيا وهن يتدربن ويجنين ثمار التخصص تطبيقًا في الحياة الواقعية، أنا المحظوظة بالنعيم الذي سأبدأه غدًا بإذن الله.

فصل الإجازة الجديد هو الذي حاربت لأجله، وضحيت بكثير لأناله، والعالمون جميعًا لا يعلمون النعيم الذي ينتظرني فيه. منذ سنتي الجامعية الأولى، يتعجب من يسمع أنني أقضي إجازتي في الجامعة، بل في السكن الداخلي الذي يهرب منه الناس إلى نعيم البيت ودفئه. لا يعلمون ما معنى أن تترك العالم جميعًا وتعتزله بكامل وعيك واختيارك للقرآن، ولا يدركون كم أستشعر أن وجودي في الجامعة كطالبة مقيدة يوجب علي أن أستغل هذه السويعات قبل أن أتخرج وتزيد علي مسؤوليات الحياة فأتمنى لو أرجع وأتمتع بهذا ولو لدقائق. غبت سنةً عن المشروع القرآني فكان الفراغ بكل معانيه، راعيت بيتي وأنا أركض لأستمع للشيخ لساعة زمن ثم أعود إليه، ثم مكثت عند أمي في الصيف دون الدورة المكثفة، لأجدني كذلك أركض دون جدوى. ثم في المنتصف، للظروف العائلية اضطررت ألا أسكن، ولكنني لم أتنازل عن الوجود في الدورة، فكان معنى النعيم والإنجاز. تعلمت أنني حين تركت الأمر مراعاة لغيرها من الأمور تركتني كل تلك الأمور دون شيء يذكر، وحين أمسكت به، أمسك بي كل شيء وسهل الله حياتي كلها. إنه القرآن وبركته، إنه شرف وخيرية تعلم القرآن وتعليمه، رزقنا الله شيئًا منها.

بعد غياب طويل موحش، أعود فألم أغراضي في رأسي وأجهز حقيبتي. ظروف الحياة اختلفت تمامًا، تخرج الناس القدامى؛ أحباب القلب القريبين وإن بعدوا، تعاقب على المشروع القرآني أجيال، ذهب سلف وجاء خلف جديد ونحن فيما بينهما؛ نحاول أن نصنع الخلف الجديد ليأخذ الكتاب بقوة ويفوق السلف علمًا وقوة. أجهز قائمتي في فكري وقلبي يطير فرحًا، فراش، مرفع، كل أدوات السكن التي نسيناها أمدًا، المذكرة والمنير، المعتمد في فقه الحج وطوفان محمد، كتبي وأقلامي ودفاتري، مفاجآتي لبناتي، وكل ما أحب.

عكس كل مراتي السابقة التي أرفض فيها النوم في غير سريري، أختار طوعًا الرحيل عن شقتي وأنا أعلم أن النوم هناك لن يكون أفضل، وأنني سأقضي لياليَ طويلة في أرق وهمٍّ في مخرج هذا الحرف والخلاف في هذه المسألة وحلم الاحتكام إلى الشيخ، أعلم أنني أبيع راحة بالي واسترخائي في الإجازة بكل هذا التعب، وأعلم أنني أتجه إلى الجامعة التي أكره دخولها وقت الإجازة لسأمي منها أيام الدوام، أعلم كل هذا وأختاره بكامل قواي العقلية. أنوي فتح بابي طوال الوقت لتلاوات وتصحيح وأسئلة، ما بين تشجيع ودعم، وتوبيخ وزجر، وأنا أخاف على البنات من اندفاعي و"دفاشتي". إن لم يكن العطاء والتعلم لأقصى مدى حتى تعلّمَ والسؤالات والمناقشات في القرآن، فما اللذة وما المتعة؟ 

وجود اسمي في قائمة الدورة المكثفة التاسعة بعث الفتيات لتهنئتي، وإنه لتشريف عظيم واصطفاء من الله يدفعني لشكره باستغلال كل ثانية في ذكر أو نفع أو تعليم أو تعلم، وإنه لتكليف عزمنا على الأخذ به، ونسأل الله القوة والنصر والإعانة والمدد والإرشاد، وأن يعلمنا ويفهمنا ويعيننا على التعليم والتفهيم. اللهم اجعلني مباركة أينما كنت، وضع لي القبول في قلوب البنات، واجعلني هينة لينة، وهيّء لنا من أمرنا رشدًا، وأعنا على أخذ الكتاب بقوة. 

الأحد، 2 يونيو 2019

قَبَس 6

﴿قالَ هَل يَسمَعونَكُم إِذ تَدعونَ ۝ أَو يَنفَعونَكُم أَو يَضُرّونَ ۝ قالوا بَل وَجَدنا آباءَنا كَذلِكَ يَفعَلونَ ۝ قالَ أَفَرَأَيتُم ما كُنتُم تَعبُدونَ ۝ أَنتُم وَآباؤُكُمُ الأَقدَمونَ ۝ فَإِنَّهُم عَدُوٌّ لي إِلّا رَبَّ العالَمينَ ۝ الَّذي خَلَقَني فَهُوَ يَهدينِ ۝ وَالَّذي هُوَ يُطعِمُني وَيَسقينِ ۝ وَإِذا مَرِضتُ فَهُوَ يَشفينِ ۝ وَالَّذي يُميتُني ثُمَّ يُحيينِ ۝ وَالَّذي أَطمَعُ أَن يَغفِرَ لي خَطيئَتي يَومَ الدّينِ ۝ رَبِّ هَب لي حُكمًا وَأَلحِقني بِالصّالِحينَ ۝ وَاجعَل لي لِسانَ صِدقٍ فِي الآخِرينَ ۝ وَاجعَلني مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعيمِ ۝ وَاغفِر لِأَبي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالّينَ ۝ وَلا تُخزِني يَومَ يُبعَثونَ ۝ يَومَ لا يَنفَعُ مالٌ وَلا بَنونَ ۝ إِلّا مَن أَتَى اللَّهَ بِقَلبٍ سَليمٍ﴾ [الشعراء: ٧٢-٨٩]


ما أتعس الإنسان حين تختل موازينه، فيعطي من لا يستحق أكثر مما يجب، ويصرف بصره عن المعطي إلى المعطى فيبجله! أي بلاهة تصيب الإنسان حين ينصرف من تعظيم المتفضل الكريم إلى تعظيم المكرمة وتبجيلها لذاتها؟ كيف يتجاوز خيباته مرة تلو الأخرى والأشياء حوله تخونه، وهو ينهار معها لأنه لم يرَ سواها، ولو كان يرى ما وراءها، والعظمة الكامنة خلفها، والجلال والجمال الذي يحكم كل هذا ويسوقه ويسخره ويقدره؛ لكان أسعد، وأرقى، وأكثر طمأنينة وسكينة. ولكنه يخلد إلى الأرض في كل مرة يُذَكَر فيها، ويأبى. 

لو كنت ترى وأنت تصافح صديقك أنك تعامل الله فيه، وأنك تمتثل لله وهو يأمرك بإفشاء السلام، وتتقوى برؤية أخيك لله، وأنه مهما كان عونًا لك وسندًا فهو تسخير من الله وحده، لا بحوله ولا بقوته ولا بفضله، وما أغنى عنك شيئًا. لو كنت ترى وأمك تعاتبك، فتضايقك كلمتها، أنك تستنزل رحمات الله في ذلك الموقف حين تلين وتكسر كل نوازعك التي تدعوك إلى الاستياء وإبداء رد فعل سلبية، لتخفض جناح الذل من الرحمة، لأنه الله الذي نهاك عن تقطيبة وجهك عليها قبل أن تكون هي جسدًا وكيانًا تعب لراحتك. لو كنت تدرك أن طبيبك الحاذق قضى سنين طوال من عمره يتعلم ويتعب الليل والنهار لأجل أن يعالجك أنت بمهارة، لكنك ترى جهده وسعيه هامشًا على نص فضل الله وتقديره ولطفه بك إذ سخر لك هذا الإنسان ليبذل كل هذا لك. لو كنت تدرك أن غم مشكلتك مع زوجتك ربما لا تكون إساءة منها كما هي إساءة منك إلى الله، فتلجأ إليه وتستغفره وتسأله هو أن يصلح ما بينك وبينها، وأن يهدي قلبك وقلبها، وأن يديم الود الذي قذفه هو بينكما، ولكنك تغلّب كبرياءك ولا تعتذر لأنك تراها المخطئة، وتنسى أن الله هو الذي يصلح وأنك تحسن إلى نفسك عند الله قبل أن تحسن إليها. لو كنت ترى أبعد وأعمق، لكان الخير عامًا، ولكنت أرقى وأطهر، ولكنك تستند على كل ما أمامك، متجاهلًا قوة الله، ولطفه، وتقديره، وهو لا يزال يعطيك ويمن عليك وأنت تفرح بالنعمة وتنساه!

ما أحكم إبراهيم عليه السلام وهو يعي دون تفكير أن كل هذا لا يملك لهم شيئًا وأن الله وحده المتفضل، وهم بنظرتهم الضيقة لا يستطيعون بصرًا ولا سمعًا. يذكر معية الله له وفضله عليه في كل خطوة من حياته، حين خلقه، ويهديه في كل مرة، ويطعمه مما يحب ويشتهي ليل نهار، ويسقيه من أطيب ما قد يتمناه، وينتشله من ضعفه ومرضه إلى قوته وعافيته حين لا يغني أحد عنه شيئًا لا بنفع ولا ضر، ويموت فيحييه ويبعثه، ويظل يتجاوز عنه ويغفر له ويرحمه وحده يوم الحشر. يعلم سيدنا إبراهيم أنه لا يعقل أن يتجاوز كل هذا ليبتغي أي نفع أو ضر من أي أحد إلا بما شاء الله وقدر وسخر، فيطلب منه وحده كل ما يريد، ويستحضر الآخرة -وهي الأهم- والله مالكها، فيغدو قلبه قلبًا سليمًا طاهرًا.

 ونحن نظل نضيق أفقنا، ونرى بحمق إطار الصورة دون الصورة نفسها. متى يتسع أفقنا ونرى كل شيء بحجمه ببصائرنا قبل أبصارنا الضيقة؟