الأحد، 12 مايو 2019

قَبَس 2 - فلسفة الحياة.

﴿ق وَالقُرآنِ المَجيدِ ۝ بَل عَجِبوا أَن جاءَهُم مُنذِرٌ مِنهُم فَقالَ الكافِرونَ هذا شَيءٌ عَجيبٌ ۝ أَإِذا مِتنا وَكُنّا تُرابًا ذلِكَ رَجعٌ بَعيدٌ ۝ قَد عَلِمنا ما تَنقُصُ الأَرضُ مِنهُم وَعِندَنا كِتابٌ حَفيظٌ ۝ بَل كَذَّبوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُم فَهُم في أَمرٍ مَريجٍ ۝ أَفَلَم يَنظُروا إِلَى السَّماءِ فَوقَهُم كَيفَ بَنَيناها وَزَيَّنّاها وَما لَها مِن فُروجٍ ۝ وَالأَرضَ مَدَدناها وَأَلقَينا فيها رَواسِيَ وَأَنبَتنا فيها مِن كُلِّ زَوجٍ بَهيجٍ ۝ تَبصِرَةً وَذِكرى لِكُلِّ عَبدٍ مُنيبٍ ۝ وَنَزَّلنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأَنبَتنا بِهِ جَنّاتٍ وَحَبَّ الحَصيدِ ۝ وَالنَّخلَ باسِقاتٍ لَها طَلعٌ نَضيدٌ ۝ رِزقًا لِلعِبادِ وَأَحيَينا بِهِ بَلدَةً مَيتًا كَذلِكَ الخُروجُ ۝ كَذَّبَت قَبلَهُم قَومُ نوحٍ وَأَصحابُ الرَّسِّ وَثَمودُ ۝ وَعادٌ وَفِرعَونُ وَإِخوانُ لوطٍ ۝ وَأَصحابُ الأَيكَةِ وَقَومُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعيدِ ۝ أَفَعَيينا بِالخَلقِ الأَوَّلِ بَل هُم في لَبسٍ مِن خَلقٍ جَديدٍ ۝ وَلَقَد خَلَقنَا الإِنسانَ وَنَعلَمُ ما تُوَسوِسُ بِهِ نَفسُهُ وَنَحنُ أَقرَبُ إِلَيهِ مِن حَبلِ الوَريدِ ۝ إِذ يَتَلَقَّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعيدٌ ۝ ما يَلفِظُ مِن قَولٍ إِلّا لَدَيهِ رَقيبٌ عَتيدٌ ۝ وَجاءَت سَكرَةُ المَوتِ بِالحَقِّ ذلِكَ ما كُنتَ مِنهُ تَحيدُ ۝ وَنُفِخَ فِي الصّورِ ذلِكَ يَومُ الوَعيدِ ۝ وَجاءَت كُلُّ نَفسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهيدٌ ۝ لَقَد كُنتَ في غَفلَةٍ مِن هذا فَكَشَفنا عَنكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَومَ حَديدٌ ۝ وَقالَ قَرينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتيدٌ ۝ أَلقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنيدٍ ۝ مَنّاعٍ لِلخَيرِ مُعتَدٍ مُريبٍ ۝ الَّذي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَأَلقِياهُ فِي العَذابِ الشَّديدِ ۝ قالَ قَرينُهُ رَبَّنا ما أَطغَيتُهُ وَلكِن كانَ في ضَلالٍ بَعيدٍ ۝ قالَ لا تَختَصِموا لَدَيَّ وَقَد قَدَّمتُ إِلَيكُم بِالوَعيدِ ۝ ما يُبَدَّلُ القَولُ لَدَيَّ وَما أَنا بِظَلّامٍ لِلعَبيدِ ۝ يَومَ نَقولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امتَلَأتِ وَتَقولُ هَل مِن مَزيدٍ ۝ وَأُزلِفَتِ الجَنَّةُ لِلمُتَّقينَ غَيرَ بَعيدٍ ۝ هذا ما توعَدونَ لِكُلِّ أَوّابٍ حَفيظٍ ۝ مَن خَشِيَ الرَّحمنَ بِالغَيبِ وَجاءَ بِقَلبٍ مُنيبٍ ۝ ادخُلوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَومُ الخُلودِ ۝ لَهُم ما يَشاءونَ فيها وَلَدَينا مَزيدٌ ۝ وَكَم أَهلَكنا قَبلَهُم مِن قَرنٍ هُم أَشَدُّ مِنهُم بَطشًا فَنَقَّبوا فِي البِلادِ هَل مِن مَحيصٍ ۝ إِنَّ في ذلِكَ لَذِكرى لِمَن كانَ لَهُ قَلبٌ أَو أَلقَى السَّمعَ وَهُوَ شَهيدٌ ۝ وَلَقَد خَلَقنَا السَّماواتِ وَالأَرضَ وَما بَينَهُما في سِتَّةِ أَيّامٍ وَما مَسَّنا مِن لُغوبٍ ۝ فَاصبِر عَلى ما يَقولونَ وَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ قَبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وَقَبلَ الغُروبِ ۝ وَمِنَ اللَّيلِ فَسَبِّحهُ وَأَدبارَ السُّجودِ ۝ وَاستَمِع يَومَ يُنادِ المُنادِ مِن مَكانٍ قَريبٍ ۝ يَومَ يَسمَعونَ الصَّيحَةَ بِالحَقِّ ذلِكَ يَومُ الخُروجِ ۝ إِنّا نَحنُ نُحيي وَنُميتُ وَإِلَينَا المَصيرُ ۝ يَومَ تَشَقَّقُ الأَرضُ عَنهُم سِراعًا ذلِكَ حَشرٌ عَلَينا يَسيرٌ ۝ نَحنُ أَعلَمُ بِما يَقولونَ وَما أَنتَ عَلَيهِم بِجَبّارٍ فَذَكِّر بِالقُرآنِ مَن يَخافُ وَعيدِ﴾ [ق: ١-٤٥]


لا أدرك كيف يتجاوز امرؤ هذا فيخرج منه كما دخل، كيف يعرض بعد أن يرى الله يثبت للمكذبين بالحق؛ بما يرون ويسمعون، بما يمرون عليه كل يوم دون إدراك، بما ينظرون إليه نظرة سطحية ساذجة متعودين على هذه المناظر الطبيعية التي باتت جزءًا من الحياة فحسب. كيف تفقد دهشتك وأنت تنظر إلى السماء الرحبة الممتدة المرفوعة بلا عمد، بل والمزينة بالسحاب والنجوم والكواكب لتغدو منظرًا فاتنًا آسرًا ليل نهار؟ كيف تتجاوز الأرض وهي تنبت الزرع من الرمل والصخر والحجر والتربة في أشكال عجيبة بديعة وثمار مختلفة لذيذة وأخرى ذات شوك وأخرى سامة وكل هذا يسر الناظرين؟ كيف لا تفيض حمدًا والله ينزل عليك الماء المبارك الذي تستبشر به بعد قنوط وتتغير به نفسيتك عوضًا عن تغير الأرض واستبشار الخلق جميعًا؟ كيف لا تستوقفك النخلة التي يكثر وجودها في بيئتك وهي تنفلق من نواة هي جزء من عقلة إصبعك لتصبح نخلة مثمرة طولها أضعاف أضعاف طولك تشقى لتتسلقها لتجني ثمرها الذي هو رغم قساوتها وشوكها حلو المذاق يكون رطبًا فينضج تمرًا وأنت تأكله بأنس وسذاجة وأنت لا تفكر في موجده؟ تبصرة وذكرى لكل عبد منيب.

ثم يذكر الله لك عواقب الأمم السابقة؛ فلعلك إن لم تفتح عينيك على ما حولك تفتح عينيك أو قلبك لهذا، حين يخبرك عن أناس عاشوا على الأرض التي تعيش عليها ويجعلك تبصرهم وهم تأتيهم الآية تلو الآية وهم يعرضون، أفلا يؤثر فيك أن أقوامًا قبلك رأوا آيات مشابهة لما ترى، ولكنهم لم يستغلوا الفرصة ولم يؤمنوا وجاءتهم عاقبة لا تسرهم، أفتذهب للعاقبة نفسها بكامل إرادتك وأنت تسمع وترى وتضيع الفرصة التي بين يديك؟

يعود الله فيذكرك بنفسك، يذكرك أنه يعلم كل ما يدور في رأسك وكل ما ينهشك من صراعات محتدمة، يعلم أنك تريد ولكنك تتهاون أحيانًا وتنسى، ويعلم أنك تصارع ليغلب الخير فيك ولكنك تضعف أحيانًا، ويعلم أنك ضعيف جدًا ونفسك والشيطان عليك إن لم تتقوَ به، يعلم كل هذا؛ وهو أقرب إليك منك ومن وريدك الذي لا يمكنك قياس قربه إليك أصلًا لأنه بداخلك. يذكرك الله بحنان مرة ثانية بالدار الآخرة ومصيرك فيها، يقول لك لا تجعل هذا كله يمر عليك كشريط أسود لحظة موتك حين لا تملك شيئًا وتود الرجوع والابتعاد عن ذاك الواقع المرير بأي شكل كان. يقول لك اجعل ما ذكرته آنفًا سبيلًا لك للإيمان اليقيني أن الغيب حق، وأن القيامة حق، وأنك يجب عليك أن تجعلها ماثلة أمام عينيك في كل تصرف وإلا لن يكون مصيرك مريحًا. يقول لك الله أنك كنت تعرف، وسمعت، ومر كل شيء عليك، ولكنك كنت تحسب أنك بذكائك تختار الطريق، وأنك عاقل وأنت تحيد عن الصراط، وتنسى يا إنسان أنك كنت في غفلة فلا ينفعك اليوم شيء. يخبرك الله كأنه ماض حصل لك أنك وجدت نفسك فجأة هناك في ذاك اليوم حيث لا رجوع؛ وجدت نفسك على باطل، وأنك نادم أشد الندم، وأنك متيقن بضلالك وبغفلتك التي كنت تستظل بها ولا تريد أن تخرج من منطقة راحتك الوهمية إلى منطقة راحتك الحقيقية في الدنيا والآخرة. وجدت أن قرينك إنسًا كان أو جنًا يقول أنه ما أضلك وحده، بل أنت كنت غارقًا في الغفلة إلى درجة أنه لم يحتج لبذل جهد حتى تضل في نهاية المطاف، بل كان عليك من نفسك آمر وناهٍ هو الذي يدعك غارقًا وأنت تحسب أنك مرتاح وأن هذا الغرق نجاة. يقول لك أنه قدم إليك بالوعيد، لكنك لم تتأثر، واخترت الطريق الأسوأ!

أما إن كنت أذعنت، وفتحت عينيك ورأيت، وذقت الحلو في الدنيا قبل الآخرة، فهو يعطيك كما أخبرك تمامًا؛ امتدادًا للنعيم الذي كانت روحك تعيشه في الدنيا. هذا كله فقط إن استخدمت ما حولك ووعيت إلى أن وراء هذا كله غيبًا، وآمنت به دون شك، وتعلق به فؤادك حتى وأنت لا ترى منه شيئًا محسوسًا، هذا كله لأنك نظرت أبعد وأعمق، وبالطبع أحكم!

يذكرك الله مرارًا وتكرارًا، يقول لك انظر إلى من قبلك وإلى حالك وإلى من حولك وإلى كل شيء، كن عميق النظر بعيد المرام، هذا فقط إن كان لك قلب أو ألقيت السمع حين شهدت. هذا كله سيمر مرور الكرام على من سمعه ألف مرة ولم يهتم؛ لأنه لا يريد أن يهتم، أو لأن نسيانه امتد حتى طغى عليه. فذكر بالقرآن من يخاف وعيد الله؛ لأنه وحده الذي يسمع ويرى!

______________
رُبّ انقطاع أثار استفاضة!

الثلاثاء، 7 مايو 2019

قَبَس 1

‏﴿وَلِيَبتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدورِكُم وَلِيُمَحِّصَ ما في قُلوبِكُم وَاللَّهُ عَليمٌ بِذاتِ الصُّدورِ﴾

ذلك الجهاد الذي جاهدته ثم لم تصل، الغيظ الذي كظمته، الخاطر الذي كبحت جماحه وهو ينهشك ليخرج، النوايا الصادقة التي عقدتها ثم لم تجد ثمرها، العمل الذي قدمته وقد استنزفك ثم رآه الناس لا شيء، كل جهودك التي تحسبها ذهبت سدى، والدموع المتتالية التي لم تجد لها متفهمًا ولا محتويًا إلا الله، حماسك وشغفك اللذان لا يعلم عنهما أحد، رغبتك في البذل ولكن يحبسك ألف حابس، الكلمات التي وصلت ففُهمت خطأ، الكلمات التي لم تصل أصلًا، وكل تلك الخبايا، الله يبتليك بها، ويمحص قلبك، ويعلم ما فيه أكثر منك. أي طمأنينة أكبر من هذه؟ وأي رجاء ترجوه بعد رجائه؟
هو عليم بذات الصدور، وذلك حسبك وكفى. 

الاثنين، 6 مايو 2019

مذكرات طالبة جامعية 16

ألتقي بعائلتي، يقولون لي أنهم لم يروني منذ سنين وأن من واجبي زيارتهم ولو على إفطار في رمضان، أقول لهم أنني أعرف أنني لا أرى أحدًا وأنني أشتاق كل أحد، ولكن الحياة والجامعة لا تدع لي فرصة. من النهاية؛ أقول لهم أنني أعتذر وأنهم لن يروني إلى أجل غير مسمى. أقولها بتبلد بعد أن استُنزِفت مشاعري في هذا، ولم تعد توهنني مثل هذه الأشياء. وصلت إلى نهاية السنة الرابعة في الجامعة وأنا صلبة. ماذا بقي ليؤثر فيّ؟ لا أدري. 

مر أسبوع لا أدري كيف مر، عروض وتقارير كثيرة لا أجد لها مساحة في يومي، لا أملك حاسوبًا أعمل به، أنهار ألف مرة في اليوم لكنني أستمر بقوة وكأن شيئًا لم يكن. يحيطني الله بلطفه كل حين، أدعوه وأنا متعبة فيهبني كل ما يخفف تعبي، كان الله دومًا بجانبي وأنا في أشد المعاناة، كان يعلم حاجتي إلى حاسوب فيسخر لي من يعطيني من حولي دون أن أطلب منهم حتى، كان يعلم أنني لا أنام الليالي تترا مثل البشر، فكان يلين قلب مدرسي الصارم عليّ فيمدد موعد التسليم إلى حد لا يعقل، وكان يلهمني الحكمة في التصرف لئلا أضيع ولا أضيّع، كان يسخر لي كل من حولي ليعينوني، يشدوا أزري، ويكونوا ظهرًا حين لا ظهر لي. كان الله دومًا اللطيف الحنّان المنّان الذي ما وكلته أمرًا إلا أعطاني إياه في أحسن تقويم. 

لدي وقت واسع للمذاكرة للاختبارات النهائية، لكن مزاجي يضيق على المذاكرة. عائشة تقول أن من أكبر النعم أن رمضان أتى وقت اختباراتنا النهائية ونحن مستنزفون نفسيًا، ليعيد بناء أرواحنا ويرممها حتى نستطيع أن نذاكر ونكمل بقوة المعركة. رغم انزعاجي في البداية من تقصيرنا في العبادة في رمضان بسبب المذاكرة والاختبارات، إلا أننا سنستشعر التراويح فعلًا وهي استراحتنا من المذاكرة والحروب المضطرمة التي نخوضها ليل نهار، سنشعر بقيمة العبادة أكثر ونحن نذاكر العلم النافع الرافع مع القرآن والذكر لعزة أدعى للأمة. لن يكون رمضان هذا عاديًا، سيبنينا ويرممنا، سنريه من الدعاء وتعديد النوايا العجب، سنرسم فيه أجمل ذكرى بصلاة التراويح في مسجد الجامعة مع الصديقات، لن نضعف ونحن نذاكر ونحن صائمون، سيكون هذا قوة لنا، وسنستغل رمضان استغلالًا أمثل بإذن الله. 

تزدحم نهاية الفصل بتسليمات الأعمال والاختبارات والتقارير والعروض، وأزاحمها أنا أكثر بحضور فعاليات الاستعداد لرمضان، لكنها حقًا ما دخلت على شيء إلا باركته. أنجزت كل الذي يجب علي في وقته، لم أقصّر في شيء، صحيح أنني حطمت رقمًا قياسيًا وأنا أجهز لعرض من الصفر في ساعة ونصف وأعرضه فينال بفضل الله وحده إعجاب كل أحد، لكنني فعلتها بفضل الله. أظنني نضجت إلى حد لم أعد أقلق فيه على الأعمال المتراكمة علي بقدر ما أعمل عليها وأعطيها وزنها الحقيقي فحسب دون مضاعفات. الحمدلله على النضج. 

لم يكن اليوم التراويح الأول بعدما استعددنا له، غدًا بإذن الله يكون ونعيد بناء أرواحنا فيه لنذاكر بقوة ونرجو ما عند الله في رمضان. لن يكون هذا التحدي عائقًا ولا باعثًا للتكاسل، سيكون نصرًا مؤزرًا بإذن الله. 

السبت، 20 أبريل 2019

مذكرات طالبة جامعية 15


مررت بأيام حالكة كثيرة وأخرى حافلة ولم أكتب. لا أعرف ما آلية الكتابة تحديدًا، لكن ما أعرفه أن الله وحده هو الذي يقذف الكلمات وهو الذي يمسكها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده.

هل أستطيع القول أن الفصل انتهى؟ كان يدوس على قلبي ألف مرة وهو يمضي يومًا بعد يوم. لم ينته الفصل بعد حقيقة، لكنني أنهيت كل اختبارات الفصل غير النهائية عدا واحدًا. لا أدري بأي حق أدخل وضعية المسترخي القائل لدعوات الأهل أهلًا بعد أن كنت أرفضها قطعيًا لأنني مضغوطة، لا أدري بأي حق لم أعد أتخذ وضعية الطوارئ رغم أن ما تبقى لدي من أعمال كثير ولا يحتمل التراخي، لكنني أتراخى.

كل يوم في الجامعة يزيدني نضجًا، كل حرارة أتعرض إليها تصنع السكر فيّ أكثر. لم أعد أتذمر عند كل أحد أن لدي اختبارَين في أسبوع واحد، بل صرت أخوض ثلاثة وأربعة في أسبوع كل واحد منهم يقول أنا أدسم، ولا أنكسر. أتعب، وأكاد أفقد عقلي من الإجهاد والضغط، لكن الله علمني بكل هذا كيف أدير أولوياتي وأحافظ على رباطة جأشي، عقلي، مذاكرتي، وقتي، بل وحتى فراغي ونومي. كانت نور تقول أن الجامعة بضغوطاتها تعلمنا الصبر أكثر من أي شيء، وإن لم نتعلم الصبر في الجامعة فأين ومتى نتعلمه؟ وأنا آمنت بما تقول.

مما رسخ فيّ بقوة هذا الفصل؛ ألا أصمت. شجاعة التعبير عما لا يعجبني في نظام الجامعة والتدريس ليست أمرًا يود كل الطلاب تجربته، خشية أن يعود التعبير بالوبال على المعبِّر. يحدث هذا -ظلمًا طبعًا- كثيرًا، لكن أحيانًا يتأثر بكلماتك من لا يبدو عليه أنه يتأثر أصلًا بشيء أو يبالي بوجهات نظر طلابه. الكلمة الطيبة بذرة تنبت ولو بعد حين أنت لا ترى أنها يمكن أن تنبت بعده. العالم يكفيه من السوء ما فيه، لا تزده سوءًا بصمتك.

وصلت إلى مرحلة قراراتي وحدها هي التي تصنع مصيري. ذلك القرار بأن أكتفي بمراسلة أمي وإن كنت أشتاق لأكمل ما علي، قرار التضحية بطعام البيت اللذيذ لأنجز أكثر في الجامعة، قرار أن أترك طوعًا ما أحب من قراءة ومشاهدة أفلام والاسترخاء بين أمي وأخواتي لأذاكر، قرار أن أترك شوقي إلى صديقتي جانبًا لأتركها تذاكر، وقرار أن أخبر سليمان أنني سأتأخر في العودة رغم أننا لا نلتقي إلا لمامًا أيام الجامعة. أستطيع القول أنني نضجت حين أصبحت أتخذ قرارًا ليس الأحب إلى قلبي ولكن عقلي ينفذه دون تردد.

يسخر الله لنا الناس ليقيلوا عثارنا، يسخرهم مرة بعد مرة ليلملمونا، وينفضوا عنا الغبار الذي لا نستطيع أو لا نبالي بنفضه عنا. يسخر الله لي مرة بعد مرة أناسًا ليساعدوني بمعلومة عابرة أو بطعام أو بكلمة لا يلقي لها بالًا تصنع أسبوعي. لا أنسى حين خرجت من اختبار وكان ينتظرني اختبار غيره وأنا فؤادي معلق باختبار الإجازة، لتأتي هيا وتلم كل أفكاري وتحل معي أسئلة لم أكن لأحلها ولا لأفعل شيئًا يلم أفكاري في تلك الدقائق، لتنقذني وأؤدي جيدًا في الاختبار. كيف يعطي الله الناس من حولنا تلك القدرة العجيبة على لمّ كل شيء فينا بهذه البساطة؟ الله اللطيف يعلم.

في كل الأيام الثقيلة، أتأمل خلفية هاتفي وأردد ما كتب فيها "ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما". أنا شيء والله وسعتني رحمته وعلمه، الله يمدني من رحمته وعلمه بمواقف الحياة في الجامعة، الله يصنعني تظلني الرحمة بكل ما أمر به مهما كان سيئًا -كما يبدو لي-، الله وحده العليم الذي وسع كل شيء علمًا، وهو وحده قادر على تعليمي وتفهيمي. يا رب.

ثقل الحياة كله يتلاشى في الحلقات. تعب الحياة الذي ينقض ظهري يضعه الله بتلاوة مع جماعة أو مع شخص واحد، لا أدري كيف وهب الله كلامه هذه القدرة الهائلة على بعث الحياة في كل ما مات، كيف كانت هذه المعجزة الخالدة ذات أثر على كل شيء، وليست ميزة تذكر في كتب الدين والمناظرات. كل شيء يندثر أمام تعلم القرآن وتعليمه وتدبره وتلاوته. الحمدلله على القرآن. الحمدلله على بناتي المجازات اللاتي لا أبالي إن لم أخرج من الجامعة بشيء سواهن. الحمدلله على لطف الله.

يستعد الناس لرمضان ويشمرون له السواعد ويعدون له الخطط، ونحن نقضي رجب وشعبان بل وأغلب رمضان ونحن نذاكر ونختبر ونموت من الضغط. لا أعرف كيف يستشعر المرء لذة الشهر الذي ما وضع إلا للعبادة والخروج من عالم الماديات إلى سكينة الروح؛ وهو يقاسي كل هذا. وكيف يضطر أحيانًا إلى التضحية بصلاة التراويح التي لا يضحى بها لمواجهة اختبارات ومذاكرة. أذكر نفسي دائمًا رغم حزني أن جهادي في سبيل العلم هو عين العبادة وأننا مأجورون أضعاف الأجر على جهدنا في رمضان وعلى تضحيتنا للعلم. نختلس من كل هذا لحظات نعيد فيها أرواحنا إلى المكان الذي ينبغي أن تكون فيه، وبالله وحده القوة والإعانة.


الثلاثاء، 19 مارس 2019

مذكرات طالبة جامعية 14

كانت النية من مذكرة اليوم استشعار لألطاف الله المحيطة -ولا أظنني سأغفل عن هذا-، ولكن يبدو أن النهاية ستكون مختلفة عن البداية اختلافًا شاسعًا؛ شاسعًا جدًا.

بعد يوم طويل جدًا أمس انتهى بافتتاح الملتقى الأحيائي الخامس الذي عملنا طويلًا لأجله، وبعد أجواء وتجهيزات كانت أشبه بتجهيزات العيد من جو جامعي، ارتد صدى الملتقى إلينا، وكان طعم لذيذ للإنجاز وللرسالة التي هي أكبر من مجرد ورق واختبارات ومظاهر، كان يوم على شدة إرهاقه سعيدًا. أنهيت الاختبارات الثقيلة الأولى كلها، وهنا استراحة محارب. نمت بعد منتصف الليل وأنا أكاد أموت من التعب، صليت الفجر، نمت نومًا اضطراريًا، لم أستيقظ إلا التاسعة وتسع وعشرون دقيقة. طارت عني محاضرة الصباح الأولى، سأتأخر على المحاضرة الثانية (لذا أفضل ألا أحضرها بكرامتي)، سأحضر الثالثة. رغم هلعي وحسرتي على تفويت المحاضرات التي لم يسجل لي فيها غياب؛ إلا أنني استشعرت لطف الله المحيط وأنا أستيقظ مرتاحة الجسد والبال وقد أخذت ما يسد حاجة أي إنسان سويّ إلى النوم. يوم مبارك بإذن الله. 

تجهزت وخرجت سريعًا لأوصل عصير الفراولة إلى المعرض حتى يقيم طلاب المدارس المضافين لدينا تجارب عليه، لطف الله وحده جعلني أوقف سيارتي البارحة باتجاه معاكس للذي اعتدت أن أوقفها عليه، لتقع عيني مباشرة على الإطار الإمامي المنفشّ. لطف الله وحده جعلني أدرك لئلا أقع في مصيبة أكبر، لجأت إلى جارتي ليغير لي زوجها الإطار، ثم اخترت أن أجلس معها إلى أن ينتهي. لطف الله وحده ساقني إليها وصغارها يبثون الحياة، ثم تأتي جارتنا الجديدة التي مضى على انتقالها بجانبنا شهر ولقيت كل الجارات وتعرفت عليهن، ولكنني الجارة السيئة التي لا تجد وقتًا لأحد. كان لطف الله حاضرًا وأنا أتعرف عليها وتعطيني من إفطارها وهي لا تعلم أنني لم آكل شيئًا للفطور، ولكن اللطيف يعلم. 

تأخرت على المحاضرة، حاولت التقاط ما يمكنني فهمه، بعد ساعتين اختباري الذي لم أذاكر له، أفتح مجموعة فأجد أن دورة الخط العربي التي أحلم بها تقام اليوم في هذا الوقت تحديدًا وأن العدد اكتمل دون تسجيلي لأنني كنت غارقة في الاختبارات الكثيرة دون أن أفتح المحادثات، لكن علي المذاكرة على أي حال، دست على نفسي، ذاكرت، انسكبت السكينة عليّ صبًا وأنا أشهد الصلاة تقام والمصلون يأتون من كل فج عميق ليشهدوا الجماعة، أنهي مذاكرتي سريعًا لألحق بدورة الخط التي اكتمل تسجيلها ولكن فؤادي ينازعني إليها وأنا أتساءل بفضول عن مقدمة الدورة، أركض إليها لأجد مقدمة الدورة إستبرق التي كان أحد أحلام حياتي أن تعلمني الخط، أحشر نفسي بينهن وهن يرحبن بي ولا يشعرنني أنني دخيلة أو غريبة، ونسيبة تعطيني قلمها لأكتب به لأنهم لم يحضروا أقلامًا زيادة على عددهم، رغم إخفاقي الذريع في تطوير خطي والكتابة الصحيحة وأنا أرى صديقاتي يتطورن، كانت أحلامي تتحقق وأنا أتدرب وأحاول على الأقل. خرجت مع نور لنتحدث عن حياتنا سريعًا ثم نركض لأصلي وألحق على الاختبار، كان لطيفًا دافئًا كالدكتورة سيرين، خرجت مع هيا لمرور سريع على معرض الملتقى ومقابلة للشركة الطلابية التي كنت أتواصل معها لاستضافتها في المعرض، وأشعل الشغف. من اللطف الذي كان اليوم، أن كلما قابلتني فتاة من فتيات التخصص أخبرتني أن دكتور المحاضرة الثانية افتقدني وكانت يسأل عني حين لم يجد من يسأله في المحاضرة، جيد أن أحدًا ما استشعر غيابي على الأقل. أجابته عائشة: "دكتور تعبانة"، قال لها: من الاختبار؟ قالت له: "لا، من الحياة.." آه لو تدري عائشة كم كانت صادقة!




يأتي الإثنين الذي تحرّقت شوقًا إليه منذ أسبوع مضى كأنه قرن، أفر إلى البيت لأستمد من أمي وأبي حنانًا يقويني على الحياة، تقر عيني بأبي بعد أسبوعين من الغياب، ولا أجد نبع الحنان الذي يرويني من جفاف الحياة. هنا تبدأ انكساراتي كلها في البروز إلى أن تطغى. 

هل كان علينا أن نتخلى عن الحياة حين اخترنا هذا الدرب الصعب؟ هل كنا ملزمين ونحن نستلذ مشقته وعذابه أن نسحب من أرواحنا قوتَها وأن نتجرع مر الموت وعلقمه؟ هل كان لزامًا علينا أن ننسى الحياة، ننسى أشكال أهالينا، لا نقابل جيراننا، ننسحب من كل ألوان الحياة حتى نستطيع لملمة ما تبعثر من جهودنا؟

كنت أقول أن الحياة مهما كانت صعبة مرة فنحن نقوى عليها دائمًا إن كنا محاطين بأحبابنا، أما إن كنا لا نجد وقتًا حتى لنرتوي من أحبابنا، فهنا أهلًا ومرحبًا بكل كسر وحطام تريد الحياة أن تحيلنا إليه!

ما إن انتهينا من الاختبارات الثقيلة الأولى وقلت آن أوان استراحة المحارب؛ أتت الاختبارات القصيرة الكثيرة المتتالية وذكرنا المعلمون بمواعيد تسليم التقارير والعروض المتتالية قريبًا، وتراكمت علينا المذاكرة أصلًا. هل أبالغ حين أقول أنني أشتاق للحياة؟ أشتاق أن أشبع من أمي دون أن أجلس ساعة معها وأنا أراقب الوقت لأن عليّ مهام كثيرة لأنجزها. أشتاق أهلي، أشتاق أن أزور صديقاتي اللاتي أصبحن أمهات بعيدًا عني وأنا لا أجد وقتًا لإعطائهن مساحة من الفرح ورؤية صغارهن. 

تشابهت الأيام، فالجمعة تشبه الأحد وتشبه الأربعاء. لم يعد لنهاية الأسبوع طعم خاص نتحرق شوقًا إليه، كل الأيام رمادية. لا أحباب نراهم خارج إطار الجامعة، ولا أهل ولا جيران. تنزل الأمطار، تتجمع العائلات، ونحن نذاكر ونعمل للجامعة. يا رب الرضا بالسعي والقطاف.  

بعيدًا عن كل شيء؛ يظل الله يمنحنا القوة دائمًا وأبدًا، يظل يرسل إلينا أشياء صغيرة تزرع الحياة فينا كلما ذبلنا.  يظل الله يبعث لي دعوات أمي وإيمانها الراسخ اليقيني فيّ، وهي تحثني على المذاكرة مهما كان، وهي تقول بكل فخر تلك الكلمة التي لم تلقِ لها بالًا لكنها زرعت فيّ الشغف أبدًا "مُزنة نفعتنا في حياتنا يوم دخلت كلية العلوم وتخصصت الأحياء". 

ما بين ألف تضارب وتضاد وتعاكس أكمن أنا. ما بين الصباح السعيد المنشرح والليل غارق في الدموع والأسى، وما بين القوة التي أظهرها كل يوم عند الناس، والضعف الذي أنكمش فيه وأنا أعلن تعبي. يا رب، أنت اللطيف الجبار الشكور، وأنت تعلم الباقي يا رب. :")

الاثنين، 11 مارس 2019

مذكرات طالبة جامعية 13

هل أستطيع أن أقول شيئًا بعيدًا عن بطني الذي يشتكي ويصرخ؟ أم أنا ملزمة بالانصياع إليه؟ كيف أفهمه أنني لا أجد له في أرجاء الجامعة طعامًا إلا مغمورًا بالزيت أو سكريًا أو نشويًا أو ذا دجاج لا يوجد ما يثبت أنه حلال؟ كيف أفهمه ألا يغتر بكونه في الجامعة الحكومية الوحيدة في عمان، وأن يجوع أو يأكل بصمت؟ لا أدري.

رغم التعب والألم؛ يظل العلم الهدف السامي الذي يستحق بذل كل شيء في سبيله. وإن كنا نحترق؛ إلا أننا نخرج عطرًا يصنعنا وينضجنا. خيبة وراء خيبة، كبوة بعد كبوة، ننهض أقوى، أصلب، وأكفأ. في كل يوم في الجامعة تجد نفسك أنضج من الذي سبقه، ومع كل فصل ومادة تجد نفسك أفهم وأوسع مدارك. أؤمن أن المعدل ليس كل شيء؛ بل هو فهمك وفكرك. 

لكل الأحلام والشغف والطموح، لكل الأشخاص الذين نقابلهم فنقتبس من علمهم أملًا في أن نكون مثلهم، لكل صديق ربّت على أكتافنا، حزن لحزننا، فرح لفرحتنا، وقف معنا، سند ظهورنا، ذكرنا بهدفنا الأسمى، وزجرنا حين ضعفنا، لكل من شاركنا همومنا وأحلامنا، لمن تقاسمنا معه الطعام والحب، لمن شد أزرنا وشاركنا أمرنا، لكل الأماكن التي تحوي ألف ذكرى، لكل الأشخاص الذين لم نعد نراهم في أماكن كانت تجمعنا، لكن الأثر والحب باقٍ، لكل موظف مخلص، لكل معلم مربٍ مرشد ملهم، لكل عامل وعاملة يلهموننا الأمل والكفاح، لكل شجرة وطير وزهرة، ألف سلام. شكرًا لأنكم جزء من حياتي. 

مرحلة الجامعة هي التي تصقل الإنسان حتى تظهره على حقيقته. هي التي يخلع الشاب فيها الثياب التي ألبسه إياها أبوه، وتسريحة الشعر التي اعتنت بها أمه، ويضع عنه الكتب التي لقنه إياها معلمه؛ ليخرج بعقلية تمثله هو لا غير. هي المرحلة التي رأينا فيها مظهر الإنسان ينقلب في بضع سنين ليصبح حسب قناعته دون تأثير خارجي؛ فإما خير وإما شر. هذه المرحلة هي التي كان يقول عنها د. سيف أنك إن أردت أن تتبنى فكرة فيها فابحث واسأل وحاور وتفكّر سنين ثم ارسخ على مبدأ وفكرة. هذه المرحلة التي نحاول أن نستغلها في الفهم والعلم والقراءة والمحاورة لنفهم، ولنبني رؤانا الخاصة للعالم. هي المرحلة التي تزيدني نضجًا يومًا بعد آخر، وتقلب أفكاري يمنة ويسرة لأرسخ على مبدأ. 

للمدة الذهبية في الحياة؛ سلام، وبعد، أحاول أن أستغلك وأن أبذل كل طاقاتي في أنشطة ومحاضرات ومرح بعيدًا عن الدراسة، أحاول أن أحصّل الحد الأقصى من الخبرة والفهم، وألا أضيع في هذا دون أن أعتني بنفسي وأهلي وعقلي وجسدي. أجاهد لئلا أخرج منك إلا مستنفذة لكل ما يمكنني فعله فيك. مهما قسوتِ وأتعبتِ، أعلم أنك الذهبية في الحياة. سلام. 

الثلاثاء، 5 مارس 2019

مذكرات طالبة جامعية 12

لا يمكنك الهرب من التعب والثقل الهائل الملقى على عاتقك؛ بل على قلبك. لا يمكنك إنكار ثقل قلبك وأنت تجرجر خطاك رائحًا آتيًا، لا يمكنك إخفاء لمعة عينيك الواهنتين وأنت تزعم أنك بخير وقوة. لن تهرب. بل ستقف، ستعترف أنك مثقل وأنك ضعيف، ستبكي، ستتكلم، ستدعو، ثم تغدو خفيفًا تخطو خطو غزال أو رفرفة فراشة.

مَهلَكة هي الحياة التي تصلي فيها سريعًا دون وعي لما تقول حتى تدرك الاختبار التالي أو المحاضرة التي بدأت وأنت تتأخر عليها لأنك لا تجد وقتًا لركعتين بعدما انتهت المحاضرة السابقة متأخرة متجاهلًا جوعك القارص، مستنزفة تلك التي لا تمنحك ساعة في حضن أبويك، ولا أخرى تلاعب صغارك، ولا غيرها لقراءة كلمتين من كتاب غير كتب الجامعة، ما قيمة الحياة التي أعيشها؟ أين أنا ومن أكون؟ إلى أين سأصل؟ لا أدري. 

ليست المعضلة في عدم الإنجاز بسبب ضعف جسدي أو وعكة صحية طارئة، بل المعضلة المشكلة عدم الإنجاز بسبب الضعف النفسي والوهن. ليس ثمة شعور أسوأ من ذاك الذي يقول لك: أنت متعب، فليكن ما يكون؛ دعك من كل شيء واسترخِ. تعبنا، والطريق الطويل لم يزل في بدايته.. لكننا تعبنا. 

لم يكن يومًا مجال للجندي أن يستلقي في وسط المعركة. هكذا أقول لي؛ لكن ماذا لو قلت أننا لسنا في معركة وأن لي حرية الاستلقاء؟ أخشى الدهس والتقتيل؛ لذلك سأنهض رغم التعب، وسأقاوم. 

تعلمني الحياة ألا أستسلم ولا أضعف مهما جبنت، وأن أقاوم رغم كل شيء. بعد أسبوع مضغوط؛ أصررت ألا أنسحب من مسابقة القرآن الكريم في الجامعة مثلما فعلت لثلاث سنوات مضين (كل سنيّ الجامعة)؛ أصررت أن أبذل ما أستطيع ثم أسمّع لئلا أستسلم. لم يكن تسميعي جيدًا أبدًا، لكنني انتصرت بقوة الله وعونه ولم أنسحب. يكفيني هذا انتصارًا. 

من أخف وأسعد لحظات حياتي تلك التي أختلي فيها في سيارتي المغلقة كل منافذها علي، وأشغل شيئًا أحبه وأغني معه بأعلى صوت دون جمهور؛ ذاك الغناء الذي هو أقرب إلى الصراخ منه إلى الغناء، لكنه يشفي. ماذا رممني اليوم أكثر من صراخي مع الأغنية "واللهِ لا نُهزَم!"؟ 

عيوني تغمض نفسها من الإرهاق المتراكب لأيام، ولكنني أذاكر. كنت أخادع حين قلت بعد أيام طوال وألف اختبار أنني أحتاج إلى النوم أكثر ما أحتاج. الحقيقة أنني أحتاج إلى نفسي. أحتاج أن أستعيد توازني في الحياة وهدفي وشغفي، أحتاج أهلي، وصديقاتي، وكتبي، وحياتي دون أن يمزقني هم اختبار ولا يزاحم وقتي مشروع ولا تقرير ولا مذاكرة. هل يمكن للحياة منحي وقتًا مستقطعًا أستعيد فيه نفسي وأهلي وبيتي وسكينتي وسلامي؟

تخف الأيام الأثقل بالأصدقاء الأخف، بالجمال الذي يسخره الله لنا خصيصًا لنتخفف ولنعلم أن لا بأس علينا رغم كل شيء. تلك التي تقول لي أنها عهدتني قوية وأنها تستمد قوتها مني، وتلك الأخرى التي تتدبر معي آيات نزلت في عمق المعركة؛ لم تدرِيا وهما تلقيان بهذه الكلمات وتمران أنهما زرعتا شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. يسخر الله لنا القوة في دعاء الأمهات وأحضان الأصدقاء وضحكاتهم ونكاتهم. يسوق لنا الخير سوقًا ويصنعنا على عينه رغم كل شيء. يا رب الصناعة والرعاية.