الثلاثاء، 12 فبراير 2019

مذكرات طالبة جامعية 11

هبني شيئًا واحدًا يبث فيّ هذه القوة الهائلة للاستمرار كل يوم بقوة لولا دعاء أمي؛ ذاك الذي تتلوه علي صباح مساء "الله يحفظك ويوفقك وييسر لك أمرك ويعينك ويقويك على دراستك..." ، ما الطمأنينة إن لم تكن هذه هي؟

على مدى ثلاثة فصول أكون سعيدة لأنني لا أصل إلى مرحلة الإنهاك النفسي من الدراسة إلا بعد مرور 7 أسابيع على الأقل وأستمر بقوة حتى بعد بلوغها، لكن أعترف أن هذا الفصل لم تنطبق هذه القاعدة عليّ، جيدٌ أن مرحلة القوة استمرت أسبوعًا. كنت أرسل إليها بالأمس وأقول: "لماذا أصبح لقاؤنا بهذا الحد من الصعوبة؟". ما الحياة دون أصدقاء يخففون عنا ثقلها؟ ما الحياة دون صحبة صالحة تخفف عن كواهلنا الحياة؟ 

حياة الضغط الشديد تصنعني، تخرج مني عصارة خالصة لكل ما أستطيع تقديمه أملًا في نفع الناس. من تدقيق وترجمة وإقراء ومذاكرة وشرح ومنح أوراق والقائمة تطول. مخيفة فكرة أن أتخرج دون شيء يذكر، فلأستغل ما بقي في العطاء. 

تلك المرحلة من التعب التي لا قوى لنا بعدها على شيء أبدًا، التي يرسل الله لنا عندها صديقًا ينتشلنا من الألم والإنهاك الجسدي إلى قوة وعافية. ذاك الجوع الذي تعودنا عليه، وأصبح نظامي الغذائي يحتوي وجبتين؛ إفطار وعشاء فقط. سليمان وأنا أعلق على رغبته في إطعامي عديدًا حين أعود وأقول: "مشروع تسمين؟" ، فيقول: "بل مشروع إنقاذ حياة!" ، كل هذا عند الله. 

آلات المختبر التي كلما استخدمنا واحدة تعطلت وجلسنا نبحث عن حلول وننتقل إلى أخرى وتستمر السلسلة إلى أن ينتهي الوقت وننتظر يومًا ويومين حتى نحصل على آلة مناسبة ونركص في غير أوقات المادة هنا وهناك، كل هذا سيثمر بإذن الله. 

لا يخفف هذا كله إلا حلقات القرآن وصحبة القرآن، هذا الذي أنزله الله هدى وبشرى للمؤمنين، كلما اجتمعنا لتلاوته حدثت معجزات بداخلي. يا رب أدمها من نعمة.

هل لي أن أقول أنني لا أحب أن يسمى حفل تكريم المتفوقين "تتويج جهود"؟ هل يعلمون كم من أناس يجاهدون بلا وصول؟ وقد يصل من لا يجاهد كثيرًا؟ الله وحده أعلم بالجهد وهو يجزي به.

تهربي من المذاكرة الدسمة لن يستمر طويلًا، ستبدأ الاختبارات التي تؤدبني. أنا والله أحاول من أسبوع دون جدوى، أجبر نفسي؛ أنجح أحيانًا، ولا أنجح أحيانًا. أجبرت نفسي وأنهيت مذاكرة مادة كاملة غير المادة المخطط لها، هل أحسنت؟ ربما أحسنت دون أن أحسن. المهم أنني لا ولن أتوقف عن المحاولة. اليأس موت. 

اللهم قوة نفسية تبث فينا الحياة التي تجعلنا نستمر بقوة إلى النهايات، اللهم الصبر الجميل؛ أنت قلت "واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين"، أحاول الإحسان بكل ما عندي يا رب، آتني الصبر والقوة. 

الثلاثاء، 22 يناير 2019

أيام خفيفة ثقيلة.

في ذروة الألم والتعب والإرهاق منتصف الليل ألقي بجسدي غير قادرة على التنفس حتى. يقول لي سليمان: ارأفي بنفسك وارتاحي، أقول له: بقي علي من المهام كذا وكذا وكذا ثم أنام. يقول: ارحمي نفسك وارتاحي، أنت لا تقدرين حتى على النهوض! أقول: لا راحة الآن. راحتي حين أرى بناتي بنات الإقراء مجازات متقنات سعيدات. هل يتحقق الحلم؟

مكتظة أيامي بركض هنا وهناك، أتحمل مسؤوليات كثيرة في البيت والجامعة، لكن على قمتها وأثقلها وأكثرها استهلاكًا لي؛ بنات الإقراء. أحاول إعطاءهن كل ما لدي، أكسر قناعة أنني معلمة سيئة بمحاولة الأداء أفضل كل يوم في الحلقة. أزجرهن كثيرًا، أشير إليهن أحيانًا أن عدم معرفتهن تلك الإجابة خيّب ظني، وألجأ إلى العقاب أحيانًا، أقصّر في بعض المعلومات لأن أسئلتهن دقيقة جدًا وأقول: سأتأكد من المعلومة وأوفيكن غدًا. رغم كل هذه القرائن الدالة على أنني معلمة سيئة، لا تزال الحلقة الملاذ الدافئ الأول الذي يشعرني بالرضا والسلام الداخلي رغم كل التعب. 

ينكسر قلبي ألف مرة حين أشعر أنني تركت طفلتي في البيت ولم أعد إليها ظهرًا لزحمة المتطلبات في الدورة ولم أتحمل مسؤوليتها اليوم. يتفتت حقًا حين يتصلون بي أنها تبكي بشدة تريد رجوعي؛ أهدئها بكل ما يمكن، أعدها أن أحضر لها فستانها المفضل وقطعة حلوى حين أعود، أقسم لها أن لم يبق عليّ إلا حلقة واحدة بعدها أعود مباشرة إليها لاحتضانها، لا تقتنع ولا تسكت؛ لكن أهلي يلهونها بما يجعلها تهدأ قليلًا. أنا أعلم أنني مقصرة إلى أقصى حد، ينتثر كل شيء داخلي انتثار عقد لؤلؤ حين أرى اتصالًا من أهلي وأنا في الحلقة لأنني أعرف موضوع الاتصال. أتماسك، أبلع غصتي؛ أكمل الحلقة بصمود. أعرف أنني إن رددت على الهاتف لن أعطي البنات حقهن، أردد علي: بنات الإقراء يا مزنة رسالتك التي يجب أن تصل. تماسكي لأجل الرسالة. 

أبدأ الحلقة بكلام أسميه أنا خطبة الجمعة، أقول فيها أن الموضوع أكبر من مجرد ورقة إجازة وحفظ لاختبار يتبخر كل شيء بعده، أقول أن الموضوع رسالة يجب أن تصل، وأن المجتمع في أمس الحاجة إلينا، وأسرنا الصغيرة التي ستكون قريبًا أكثر حاجة إلينا، والأمة تحتاج إلى جيل صالح قويّ عزيز نخرجه نحن بإذن الله. آن الأوان الذي نتحرك فيه بالقرآن ونرضع أولادنا القرآن قبل الحليب، ونعلمهم كلما بكوا أن هذا هو الحل قبل الحليب. لم يعد العالم يتحمل مزيدًا من السوء ليجتاحه، لديه ما يكفي منه. فلنكن نحن الخير. 

تأتي نهاية الأسبوع، أسعد فيها باستشعار دفء البيت أكثر من أي وقت، أحتضن سريري كما لم أحتضنه من قبل، أقول: من الآن إلى ليل السبت سألقي كاهل الإقراء عني لأتنفس قليلًا. قلت الكلام نفسه الأسبوع الماضي حين كان عرس أختي وكنت أتجهز له وأقول: سألقي كل شيء خلفي، ثم ما لبثت أن رحت أسأل بنات الإقراء لأنسق للاختبار التجريبي والاختبار النهائي. ما لي؟ لا أعرف. ما أعرفه أن همّ الإقراء وبنات الإقراء كلما أردت تناسيه يلاحقني؛ إن لم يكن في يقظة ففي نومي أحلمهن ونحن نعدهن للجان الاختبار وهن يخرجن وأحتضنهن ويسألنني عن بعض الأسئلة التي سئلنها. أحقًا لن أرتاح إلا بعد إجازتهن؟

إن لم يكن تعريف للذة والنشوة النابع من التعب؛ فهأنذي وجدت تعريفًا له. يا رب، قونا وقوهن على أخذ الكتاب بقوة، أعنّا على إيصال الرسالة، تقبل منا واجعلنا خالصين وأعمالنا لك. واجعل القرآن حجة لنا لا علينا يا رب العالمين. 

كتبت بتاريخ 18-1-2019

ختمة في القلب

أودع أمي على عجلٍ لأنني عروس عرسها اليوم، أمي سعيدة سعادة لا توصف، تدعو لي كثيرًا قبل أن أخرج، أخرج إلى محل المكسرات القديم في سوق الخوض لشراء كيستين كبيرتين من الفُشار، أدعو القريب والبعيد إلى اللحظة الأسمى (فهمت ذاك الوقت لمَ تدعو الأمهات القريب والبعيد إلى أعراس بناتهن)، أرسم الآمال في ختمة مثالية، أصل إلى الجامعة، أتجه بأكياس الفشار وأنا عروس إلى ترفيهية الوحدة الثانية في مجمع 5، الوقت عصر، أشعر أن شمس تحتضنني وأنني أمشي على السحاب لا الأرض، أسعى بخفة فراشة، أصل، فاطمة تنتظرني، أتلو من بداءة الثلاثين إلى الناس وصلًا  في مصحفي الأخضر، أكبّر من بعد الضحى إلى الناس بعد كل سورة، أنتشي بالحاضرات؛ أسماء، ومروة، يكفين. أصل إلى اللحظة الحاسمة، أختم، أدعو، كوكب الأرض لا يسعني في تلك اللحظة، أحتضن فاطمة، أفتقد الأم الرؤوم التي رافقتني طيلة ثلاثين جزءًا؛ تلك التي كنت أهابها حين كانت تقرئ كوثر وهاجر لأنها كانت صارمة معهن، ثم تفاجأت أنها لم تزجرني ولم تشد علي ولا لمرة. كنت أنتظر منها أن تزجرني فلم تفعل أبدًا. هل لأنني كنت مجتهدة إلى هذه الدرجة؟ لا أظن، إنه لطف فاطمة. كل هذا والطفلة التي كانت في أحشائها وهي تقرئني لم أرها على أرض الواقع إلا في الصور إلى الآن، مشاعر لا توصف.

حنان الشيخ وهو يعلمنا ويفهمنا ويصوب لنا، المذاكرة الجادة ليلًا ونهارًا مع سارة التي أحمد الله أن سخرنا لبعضنا نحن ذوات الطبيعة المتشابهة في المذاكرة وأسلوبها، خرائطها الذهنية المبسطة ورسوماتها التي تبسط الحياة في عينيّ، تعليقنا كل هذا في خزانتنا التي يضحك كل داخل غرفتنا عليها، كل هذا في جهة، وحفل التكريم جهة أخرى، أمي وهي تكرّم دفعتنا كاملة برفقة الأستاذة زوينة وزوجة الشيخ، حضنها العميق الدافئ وهي مفتخرة بي وبإجازتي؛ شيء لا يشترى بأموال الدنيا كلها. نشوتها بعدها وهي تخبر جاراتها وصديقاتها وكل من تعرف أن ابنتي هذه مزنة مجازة برواية حفص عن عاصم تبعًا لابنتي المجازة الأولى. رغم كل هذه النشوة، شعور الثقل يبقى وأنا أسعى أن أكون على قدر الأمانة التي حُمِّلتُها.

كل هذا الشريط يعود، ويعود معه شريط ختم آسيا، ذلك الختم المميز في قلبي أبدًا، تيمينتها بعده وهي توزع الحلوى على الحاضرات، والشعور العظيم الذي تملكني وإياها في تلك اللحظة؛ تعجز الكلمات عن وصف كل هذا.

ختمة ابنتي الأولى، وحضور الجمع للختمة، مباركة الجميع ووصفي أنه شعور لا يوصف. ختمة أفنان وفخري بها، إجازتها وهي توسوس بعد اختبارها أنها لم نؤدِّ كما ينبغي وضحكي عليها وأنا أخفي كل ذاك الفخر في داخلي بها وهي التي ناضلت كثيرًا لتصل. كل هذه أشرطة عادت إليّ اليوم بختم نور. نور؛ الصديقة التي تذكرني دومًا بالقرآن، ذاك الشعور الذي راودني وهي تختم وتقرأ الفاتحة وتدعو، ذاك الصوت الذي اعتدت على سماعه يتلو تلاوة قريبة إلى القلب، وإن لم أكن شيختها؛ كنت أشعر بنشوة تشابه نشوتها وشيختها. بوركت الختمة وبلغت الرسالة.

حين أرى أسماء ومنيرة وهن ينتشين بذرياتهن القرآنية جيلًا بعد جيل؛ أستشعر كيف أن الخير الذي تزرعه يؤتي أكله كل حين بإذن ربه. كريمة وهي تشفق علي وتسعى لتنتقي لي جيدًا من سأقرئها، وأنا أدعو الله أن يسخر لي من تحيي روحي لأقرئها فتجاز وتعطي وتزهر كثيرًا، ثم يسخر الله لي فاطمة لتكون شرابًا باردًا بعد طول ظمأ ونصب، هذا من عطاء الله وحده الذي لا أوفي حمده مهما حمدت.

كانت نور تقول: لا أريد الختم. أشعر أنها أمانة ثقيلة لست أدري إن كنت أستطيع إيصالها، وأشعر أن مسؤولياتي تزيد وهمومي بالطبع ستزيد كثيرًا. قلت لها: لن أقول أن همومك لن تزيد لأنها تزيد أكثر وأكثر فعلًا، لكنها رسالة أخذتِها بقوة ويجب أن توصليها. ستشتاقين إلى كل لحظة، تحنين إلى شيختك والجهاد في الإقراء، ستتمنين أن يسمع تلاوتك أحد وربما لن تجدي، لكن لذة العطاء تفوق كل شيء. لذة أن تعطي ما تستشعرين أنه لو تقبله الله سيكون صدقة جارية تنفعك وأنتِ رفات لا تملكين لنفسك أي شيء. لذة أن توصلي المعلومة وتخرجين قارئة متقنة لا تضاهي أي لذة، واسألي شيخاتك فيخبرنك.

هذه الرسالة يجب أن تصل. إتقان تلاوة القرآن، أخلاق القرآن، تأمل كل آية والعيش فيها، رؤية القرآن في تفاصيل الحياة اليومية، وذكر الله ذكرًا كثيرًا، هذا ما لا نعيش نحن دونه وإلا هلكنا. هذه الأمة التي تحتاج إلى القرآن لكي تنتعش، تحتاج إليك أنت لتحمل الرسالة وتوصلها. من خمسين قرية أتينا، من ألف سكة، من عائلات كثر وأصدقاء أكثر ومجتمعات مفتقرة، وصولًا إلى كوننا مؤسسات أسر ومربيات أجيال تحتاج الأمة إلى قوتها وعزتها، كل هذا يهوّن علينا ثقل الرسالة وتأتأة الكلام وصعوبة إيصال المعلومة وهموم الليل والنهار التي تقض المضاجع. خلقنا لأداء الرسالة؛ فلنؤدها حق الأداء.

إلى بناتي في الإقراء، إلى ابنتي فاطمة، إلى كل من أحب تحت مظلة القرآن، فلنحمل الكتاب بقوة ليجعلنا الله مباركين أينما كنا. اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا الطريق الأقوم.

الأربعاء، 26 ديسمبر 2018

مذكرات طالبة جامعية 10

قلت عن نفسي: "تعب وإحباط يمشي على الأرض". أظنها كانت عبارة كافية لتشرح كل ما بي، من تعب نفسي ووخزات جسدية والجبل الذي أحمله في صدري ولا ينزاح. كلما حللت أخطأت؛ حتى أصبح الحل الصحيح يستحق زغرودة قبل الركض إلى السؤال التالي والوقت يمر بأسرع ما يمكن. مع كل إحباط ويأس في كل حل خاطئ؛ كانت نور تقول بصرامة: نحن نتعلم. مم نتعلم إن لم نخطئ؟ كنت مرتبكة لأنه يمر بسرعة؛ وفي داخلي أقول: الحمدلله أنه يمر بسرعة لئلا تنهشنا الدقائق بطولها. 

مر اليوم، انتهت قصة الكيمياء التي استنزفت مني على مدى فصل كامل الجهد والوقت والتفكير والنوم، كنت أردد كل آن: لقد استفرغت جهدي تمامًا يا رب، لا أملك ما أبذله أكثر. يا رب أعطني ولا تحرمني. اللهم لا بحولي ولا بقوتي بل بكرمك وحدك آتني سؤلي. 

كبرت وصرت في السنة الرابعة من الجامعة بعد سنين طويلة في المدرسة، ولم أزل لا أفهم كيف يجترئ إنسان على الغش، كيف له أن يترك ما آتاه الله كله ويعتمد على غير الله وهو خائف يترقب؟ كيف له أن يثق تمامًا أنه بذكائه سيدبرها وسينجو وينجح بامتياز؟ كيف له ألا يستشعر أنه مهما اجتهد فإنه ينسى في ثوان إن لم يعتمد على الله، فكيف إذا لم يبذل أصلًا؟ أنى سولت له نفسه أن ينسلخ بكل بساطة من منظومة الدين والأخلاق ويؤثر أن يبقى بعريه؟ لا زلت لا أفهم. 

بعد الاختبار المرهق وبعد استفراغ الجهد؛ لا يرد الروح سوى مشي في حديقة العلوم مع نور، والإقراء الذي أردته مع فاطمة ولم يحصل، والبيت الدافئ وأهلي، والغناء بصوت عالٍ مع أغنية أحبها تصل روحي بالله، وحضن المهنا وهبة. أتساءل دائمًا؛ حين نحتضن الصغار؛ هل يمنحوننا الدفء والحنان أم نمنحهم؟ كأن الأولى أقرب إلى الحق! 

كيف يمكن للإنسان ألا يبقى قويًا وهو محاط بأناس يقوونه ليل نهار؟ ذاك الحديث الطويل الذي أقول فيه أنني تعبت وأنني سئمت من محاولتي تحصيل الحد الأقصى من العلم في مادة مؤسِسة للتخصص كله بقراءة الكتاب العلمي الصعب أسلوبه لأيام طوال دون أن أشعر أنني أخرج بشيء يذكر، فتواسيني شذى وتقول لا بأس عليك. يا رب الطمأنينة والعلم؛ علمني. 

بعد تعب النفس وجوعها إلى الحياة، يوصينا الله بالجهاد أبدًا، وتقول صديقتي: غدًا تنهين وتقولين الحمدلله استطعت أن أتغلب على كل الظروف وأجاهد، وسترضيك القطوف بإذن الله تعالى. أثق أنه حق بإذن الله. 

الأحد، 23 ديسمبر 2018

مذاكرات طالبة جامعية 9

من مكتبي الأزرق إلى مكاني المفضل عند المدخل في المكتبة الرئيسة إلى الطاولة الصفراء في مركز التعلم الذاتي، من مذاكرة إلى صلاة إلى مذاكرة إلى أكل إلى مذاكرة إلى نوم، من الطاقة الحرة إلى الخلايا الجلفانية إلى المادة الوراثية وتغييرها وإدخال الجين المراد إلى المادة الوراثية لبكتيريا أو فطر أو فيروس أو إنسان، إلى الحسابات المعقدة الطويلة للتأكد أن النظرية الموضوعة صحيحة، إلى الجرانيت والرخام والبراكين والزلازل وحركة الصفائح، هنا نعيش ونبني ونسقط وننهض ونتعثر ونركض، هنا حياة الجامعة. 

بين قولي لخولة: أشعر أنني أصبحت أراكن أكثر مما أرى أهلي، كأننا نعيش هنا -في المكتبة- سويًا. قالت: طبيعي، أنا أرى إستبرق أكثر مما أراني. وبين ميعاد التي تبحث عن أديب كتب عن الاختبارات، وبين الفرحين بالتخرج والفصل الأخير، وبين البادئين اختباراتهم والمنهين بعد يومين والمنهين بعد أسبوع والمنهين بعد أسبوعين، والمتساقطين من زحمة المكتبة وحياة المذاكرة إلى راحة الإجازة، وبين خروجنا من الصباح ورجوعنا قبيل منتصف الليل، وبين الذين لا يريدون مهما تعذبوا أن يتخرجوا لئلا ينتقلوا من الزحمة والتعب اللذيذ إلى الفراغ الموحش، هنا نحيا. 

رغم سأمي من كثرة النظر إلى حلقات المادة الوراثية (البلازميدات) للكائنات المختلفة وكيف ندخل عليها الجين الذي نريد وكيف تنمو وكيف نجعل هذه العملية اقتصادية لإنتاج كم كبير من المنتجات في وقت قصير بأقل التكاليف، ورغم دوران رأسي وأنا أتلو عليه إشارات تغير الطاقة الحرة والقصور الحراري والمحتوى الحراري، ورغم تفكيري كل صباح ألف مرة في جدوى نهوضي من السرير؛ يبقى كل هذا تعبًا جميلًا لذيذًا. ما قيمة الحياة دون العلم؟ ما قيمتها إن لم أرد أن أستيقظ إلا لأنفع نفسي أو أضرها؟

شعار المرحلة الذي أردده على نفسي ليل نهار "واصبر نفسك"... ما قيمة هذا كله إن ضعفت نفسي ولم تصبر ولم تلحس العلم لحسَ من لا يجد سوى أن يلحس؟ سنكون مع الذين ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب الصابرين. 

رغم كل الصعاب، رغم بعدي عن أهلي جميعًا، يظل الله ينعم علينا بألطافه؛ المتجسدة تارة على شكل أصدقاء، وتارة على شكل نوم مريح، وتارة على شكل عقل واعٍ. يظل الله المعلم وحده الذي إن شاء علمك وإن شاء أمسك عنك المعلومة التي رددتها مليون مرة فطارت عنك في جزيء من الثانية، يظل أبدًا الافتقار إليه وإلى تعليمه إيانا هو السبيل الأخف والأكثر راحة واطمئنانًا والأسمى غاية. 


نحن اخترنا ألا نكون عبثًا ولا نكون رقمًا مهملًا، نحن اخترنا أن ننهض بأنفسنا وبأمتنا، وألا نكون زبدًا يذهب جفاء أو غثاء كغثاء السيل، نحن اخترنا أن نمكث في الأرض بنفع العباد، وأن نطلب العلم إلى اللحد. نحن اخترنا التعب اللذيذ، وصبرنا، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين. 

الخميس، 6 ديسمبر 2018

مذكرات طالبة جامعية 8

"كل مر سيمر". مر فعلًا وكأن لم يكن شيء، لم يبق إلا شعور التعب والجهد والشعور بالفخر في النهاية، الحمدلله أبدًا؛ أربعة اختبارات طويلة ثقيلة في يومين متتاليين؛ فوق ما يتحمله البشر، لكنه مر بتوفيق الله دون أضرار تذكر

الأسبوع الذي قضيته في الجامعة كاملًا عدا السويعات التي أدخل فيها شقتي في وقت متأخر من الليل وأخرج في الصباح الباكر كان منهكًا، كنت أقول لنور اليوم: لا أظن أن الجهد الحقيقي مادي في المذاكرة، أشعر أن الجهد الحقيقي هو القوة النفسية لمواجهة هذا كله. الحمدلله، خرجت بخير

لم يكن المعلمون ينفهمون جدًا حالة الطالب وهو يشتكي من الحال، بل كانوا يقولون أن عليك التحضير والمذاكرة مسبقًا أولًا بأول ولن يكون هذا صعبًا عليك، أنت في السنة الرابعة وما مر عليك كثير، لن يتوقف عليك العالم عند هذا. ربما كانوا محقين وربما لم يكونوا، ربما استطعت الأداء أفضل إن كان كل اختبار على حدة، لكنني فعلت كل ما بوسعي

يبارك الله في الوقت الباقي حقًا إن زكّيت وقتك بالعبادة أو خدمة الخلق. كان الوقت على ضيقه دائمًا يتسع عندما أخصص وقتًا للقرآن، أو لتقييم نادي إتقان التلاوة الذي أجد اللذة الكبرى في خدمته وخدمة مشروع الإجازة القرآنية في الجامعة. كيف لمن يتلذذ بحياته الجامعية أن يتلذذ دون هذا؟ لا أدري.

"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين". لولا أن وقفت معي صديقاتي في المذاكرة وفي الدعاء وفي كل لحظة؛ ولولا دعاء أمي على مسامعي ليل نهار؛ لما مر هذا بهذا السلام. ولولا صبر سليمان على غيابي الكثير لما كانت نفسيتي بهذه القوة. يمنحنا الله القوة النفسية بالمساندين حولنا التي تجعلنا نحفر الصخر ونفعل ما لا يفعل البشر، ولكن أكثر الناس لا يشكرون

مر أسبوع صعب ثقيل، انتهى. جاء وقت الاحتفال بإعداد أقراص كعك الشوفان الصحي اللذيذ، وترتيب الشقة، والهناء في كنف أمي وتفريغ الحنان في المهنا الصغير وإعادة ما تبعثر من حياتي إلى مكانه. بدأت بعد العشاء مرحلة استراحة المحارب وهدنة المقاتل، الحمدلله حق حمده


كنت أقول أن دعاء اليوم: "ربنا أفرغ علينا صبرًا وثبت أقدامنا". أفرغ الله عليّ صبرًا وقوة نفسية لم أكن أملكها لولا أن وهبنيها. الحمدلله على كل الأيام الصعبة وعلى الراحة بعدها، غدًا يرضينا القطاف بإذن الله

الثلاثاء، 27 نوفمبر 2018

العيش في القرآن

قالت لي فاطمة بعد الوداع: "اممم مزنة، اكتبي لي". قلت لها: ماذا أكتب؟ لم أفهمك. قالت: "أنت تكتبين وتعلمين ما تكتبين!". هنا بدأ العالم يدور بداخلي ويتمخض من يوم الإثنين الماضي إلى اليوم. شعرت بشعور الآباء عندما يقول أطفالهم كلمة لا يلقون لها بالًا لكن الآباء يعيشون في ظل تلك الكلمة سنين. حسنًا، سأكتب. 

 كنت مراهقة طائشة أحب تجاوز الحدود والتصورات؛ كنت أحب الطرق التي لا يتبعها ولا يحبها ولا يتوقعها أحد. في تلك المتاهة؛ عرضت علي المشاركة في مسابقة حفظ القرآن؛ حفظت الإسراء والكهف الحفظ الأرسخ في حياتي. لم أكن أدرك جيدًا ما أتلوه؛ لكن كل آية كانت تحدث فرقًا في داخلي. كل آية كانت تحفر الخير فيّ وإن لم أعِ. كان القرآن يلقي بذوره عليّ دون أن يرى أي أحد البراعم التي تخرجها البذور؛ ولا حتى أنا. كنت مع كل آية أكتسب السكينة والحب والخير. كان الله يفلق الحب والنوى بداخلي. كنت أعيش في بيئة مريعة، لكن القرآن كان يقول لي كل يوم أنك بخير، وأن الأمور كلها ستكون على ما يرام، وأن اليسر ملازم للعسر. كان القرآن مصدر القوة الوحيد الذي لم أطق عنه انفكاكًا. كلما استشعرت اصطفاء الله غرقت في أنهار الحب، وعزمت على أن أعطي ما أخذت. 

هيأ الله لي الظروف والأقدار لأقترب من القرآن أكثر، كان يزرع الله القرآنَ بأشخاص يبذرونه فيّ. كلما تلوت آية أصبحت شخصًا أفضل. دخلت المشروع القرآني في الجامعة فكان من أحسن ما صار، كان تربة صالحة لأنمو، كانوا يعتنون بي لأزهر، حتى أقرأتني شيختي ودرسني الشيخ وصفت وأجزت بفضل الله. لم تكن رحلة سهلة، لكنها كانت الأخف على قلبي لأنه القرآن. بعد الإجازة؛ اكتشفت أن جهلي زاد وأن الشهادة فارغة إن لم أكن قرآنا. لست قرآنا يمشي على الأرض، ولكنني أحاول على الأقل. كنت خلال هذه الرحلة أتنغص إذا أطال الإمام في المد أو أسقطه أو نطق جيمًا رخوة، ولكن ساقني الله إلى دورة التدبر في رمضان الأخير لأدرك أن لا قيمة للغنة المفخمة أو المرققة إن لم أرني وأنا أحترق في ﴿إِنَّ الَّذينَ كَفَروا بِآياتِنا سَوفَ نُصليهِم نارًا كُلَّما نَضِجَت جُلودُهُم بَدَّلناهُم جُلودًا غَيرَها لِيَذوقُوا العَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزيزًا حَكيمًا﴾، ولم ألحظ غير المد وغنة الإخفاء المرققة في ﴿سَنُريهِم آياتِنا فِي الآفاقِ وَفي أَنفُسِهِم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُ الحَقُّ أَوَلَم يَكفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ شَهيدٌ﴾، ولم أتذكر سوى تطبيق ضاد صحيحة في ﴿أَمَّن يُجيبُ المُضطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكشِفُ السّوءَ وَيَجعَلُكُم خُلَفاءَ الأَرضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَليلًا ما تَذَكَّرونَ﴾. لا قيمة لإقامة الحروف ما لم أقم الحدود. 

تقول عبير: أن التلاوة المتقنة هي طريق للخشوع، وأنها أدعى للتأثير في الإنسان من التلاوة غير المتقنة، فالاستغناء بالوسيلة عن الهدف حماقة. ويقول الأستاذ نعمان علي خان حين سأله شاب ماذا يقدم الحفظ أم التدبر؛ فقال: كيف تظن أنهما متعارضان؟ الحفظ معين للتدبر والتدبر معين للحفظ. وأنا أقول: إتقان التلاوة طريق إلى التدبر والعمل بالقرآن والتدبر والعمل به طريق لإتقان تلاوته. 

جعلني القرآن أخشى أن أؤذي نملة في حجرها عوضًا عن أن أرمي قمامة أو أزعج إنسانًا أو أوقف سيارتي وراءه، جعلني القرآن أكثر حرصًا على ستري في اللباس والتعامل والحدود، جعلني القرآن أهدأ وألطف وأكثر تفهمًا واحتواءً، جعلني القرآن أحسن. 

كنت أقول دومًا؛ أثقل مهمة وأمانة حملتها هي أمانة اختبار الإجازة. لا أحد أبدًا يعلم كم ثقيل هو اليوم الذي أختبر فيه الفتيات للإجازة، لا يعلم أحد كم صباح أصحو من نومي منزعجة لأنني لم أستطع أن أوقع على إجازة فتاة. ولكن شعور الفخر بالمجازات الجديدات يطغى دائمًا. مجموعة الإقراء وهي تضج برسائل القارئات التي يحدّثن فيها الجزء الذي وصلن إليه في الإقراء؛ تلك الرسالة التي تبدأ بـ"رحلتي مع الإقراء"، لو تعلمن أنها أجمل رحلة!

صحبة القرآن التي يسخرها الله لنا لتكون خير عون على أخذ الكتاب بقوة هي جنة الدنيا، تلك التي لا تترك بقعة في الجامعة إلا ويتلى القرآن فيها، وذاك الصاحب الذي يأتيك هو حتى تذكرا الله، وحتى يسمّع لك القرآن. إن لم يكن يعرف الناس الغِنى أو الحب؛ فهذا هو. 

أعود إلى فاطمة؛ أنت معلمتي. أكتسب منك السكينة والانضباط والشغف وكثيرًا مما لا يقال. اقرئي القرآن لأجل القرآن وقائله، أعلم أن لفظ الجلالة الصحيح مرهق، وتخليص الحروف صعب، والغنة المرققة مجهدة، بذا تنالين الأجرين اللذين وعدك الله. اقرئي القرآن ليصنعك، دعيه يتقن صنعك قبل أن تتقني تلاوته، ابحثي عنه في كل شيء، وأنت تتأملين مولودًا تأملي كيف أخرجه الله لا يعلم شيئًا، وكيف حملته أمه كرهًا ووضعته كرهًا، وأنت تشمين وردة تأملي الشجر الأخضر الذي أخرجه الله ليكون هذا والثمر المختلف الذي يخرج من أرض واحدة، وأنت ترين معصية تذكري أن تنكريها بقلبك وإن استطعت بلسانك، واحزني؛ لأن سيدنا لوط كان قلبه يتفطر من الحزن على قومه. حين ترين نارًا تذكري العذاب واستعيذي بالله منه واسعي للابتعاد عنه. كوني فاطمة المتقنة المتحركة بالقرآن، كوني ألطف الناس، اعتني بوالديك، اصطبري واكظمي غيظك، سارعي في الخير، كوني أنتِ بتلاوتك ولا تكوني نسخة من مقرئ قد يكون مات منذ زمان بعيد. دعي القرآن يزهر فيك.