الخميس، 6 ديسمبر 2018

مذكرات طالبة جامعية 8

"كل مر سيمر". مر فعلًا وكأن لم يكن شيء، لم يبق إلا شعور التعب والجهد والشعور بالفخر في النهاية، الحمدلله أبدًا؛ أربعة اختبارات طويلة ثقيلة في يومين متتاليين؛ فوق ما يتحمله البشر، لكنه مر بتوفيق الله دون أضرار تذكر

الأسبوع الذي قضيته في الجامعة كاملًا عدا السويعات التي أدخل فيها شقتي في وقت متأخر من الليل وأخرج في الصباح الباكر كان منهكًا، كنت أقول لنور اليوم: لا أظن أن الجهد الحقيقي مادي في المذاكرة، أشعر أن الجهد الحقيقي هو القوة النفسية لمواجهة هذا كله. الحمدلله، خرجت بخير

لم يكن المعلمون ينفهمون جدًا حالة الطالب وهو يشتكي من الحال، بل كانوا يقولون أن عليك التحضير والمذاكرة مسبقًا أولًا بأول ولن يكون هذا صعبًا عليك، أنت في السنة الرابعة وما مر عليك كثير، لن يتوقف عليك العالم عند هذا. ربما كانوا محقين وربما لم يكونوا، ربما استطعت الأداء أفضل إن كان كل اختبار على حدة، لكنني فعلت كل ما بوسعي

يبارك الله في الوقت الباقي حقًا إن زكّيت وقتك بالعبادة أو خدمة الخلق. كان الوقت على ضيقه دائمًا يتسع عندما أخصص وقتًا للقرآن، أو لتقييم نادي إتقان التلاوة الذي أجد اللذة الكبرى في خدمته وخدمة مشروع الإجازة القرآنية في الجامعة. كيف لمن يتلذذ بحياته الجامعية أن يتلذذ دون هذا؟ لا أدري.

"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين". لولا أن وقفت معي صديقاتي في المذاكرة وفي الدعاء وفي كل لحظة؛ ولولا دعاء أمي على مسامعي ليل نهار؛ لما مر هذا بهذا السلام. ولولا صبر سليمان على غيابي الكثير لما كانت نفسيتي بهذه القوة. يمنحنا الله القوة النفسية بالمساندين حولنا التي تجعلنا نحفر الصخر ونفعل ما لا يفعل البشر، ولكن أكثر الناس لا يشكرون

مر أسبوع صعب ثقيل، انتهى. جاء وقت الاحتفال بإعداد أقراص كعك الشوفان الصحي اللذيذ، وترتيب الشقة، والهناء في كنف أمي وتفريغ الحنان في المهنا الصغير وإعادة ما تبعثر من حياتي إلى مكانه. بدأت بعد العشاء مرحلة استراحة المحارب وهدنة المقاتل، الحمدلله حق حمده


كنت أقول أن دعاء اليوم: "ربنا أفرغ علينا صبرًا وثبت أقدامنا". أفرغ الله عليّ صبرًا وقوة نفسية لم أكن أملكها لولا أن وهبنيها. الحمدلله على كل الأيام الصعبة وعلى الراحة بعدها، غدًا يرضينا القطاف بإذن الله

الثلاثاء، 27 نوفمبر 2018

العيش في القرآن

قالت لي فاطمة بعد الوداع: "اممم مزنة، اكتبي لي". قلت لها: ماذا أكتب؟ لم أفهمك. قالت: "أنت تكتبين وتعلمين ما تكتبين!". هنا بدأ العالم يدور بداخلي ويتمخض من يوم الإثنين الماضي إلى اليوم. شعرت بشعور الآباء عندما يقول أطفالهم كلمة لا يلقون لها بالًا لكن الآباء يعيشون في ظل تلك الكلمة سنين. حسنًا، سأكتب. 

 كنت مراهقة طائشة أحب تجاوز الحدود والتصورات؛ كنت أحب الطرق التي لا يتبعها ولا يحبها ولا يتوقعها أحد. في تلك المتاهة؛ عرضت علي المشاركة في مسابقة حفظ القرآن؛ حفظت الإسراء والكهف الحفظ الأرسخ في حياتي. لم أكن أدرك جيدًا ما أتلوه؛ لكن كل آية كانت تحدث فرقًا في داخلي. كل آية كانت تحفر الخير فيّ وإن لم أعِ. كان القرآن يلقي بذوره عليّ دون أن يرى أي أحد البراعم التي تخرجها البذور؛ ولا حتى أنا. كنت مع كل آية أكتسب السكينة والحب والخير. كان الله يفلق الحب والنوى بداخلي. كنت أعيش في بيئة مريعة، لكن القرآن كان يقول لي كل يوم أنك بخير، وأن الأمور كلها ستكون على ما يرام، وأن اليسر ملازم للعسر. كان القرآن مصدر القوة الوحيد الذي لم أطق عنه انفكاكًا. كلما استشعرت اصطفاء الله غرقت في أنهار الحب، وعزمت على أن أعطي ما أخذت. 

هيأ الله لي الظروف والأقدار لأقترب من القرآن أكثر، كان يزرع الله القرآنَ بأشخاص يبذرونه فيّ. كلما تلوت آية أصبحت شخصًا أفضل. دخلت المشروع القرآني في الجامعة فكان من أحسن ما صار، كان تربة صالحة لأنمو، كانوا يعتنون بي لأزهر، حتى أقرأتني شيختي ودرسني الشيخ وصفت وأجزت بفضل الله. لم تكن رحلة سهلة، لكنها كانت الأخف على قلبي لأنه القرآن. بعد الإجازة؛ اكتشفت أن جهلي زاد وأن الشهادة فارغة إن لم أكن قرآنا. لست قرآنا يمشي على الأرض، ولكنني أحاول على الأقل. كنت خلال هذه الرحلة أتنغص إذا أطال الإمام في المد أو أسقطه أو نطق جيمًا رخوة، ولكن ساقني الله إلى دورة التدبر في رمضان الأخير لأدرك أن لا قيمة للغنة المفخمة أو المرققة إن لم أرني وأنا أحترق في ﴿إِنَّ الَّذينَ كَفَروا بِآياتِنا سَوفَ نُصليهِم نارًا كُلَّما نَضِجَت جُلودُهُم بَدَّلناهُم جُلودًا غَيرَها لِيَذوقُوا العَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزيزًا حَكيمًا﴾، ولم ألحظ غير المد وغنة الإخفاء المرققة في ﴿سَنُريهِم آياتِنا فِي الآفاقِ وَفي أَنفُسِهِم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُ الحَقُّ أَوَلَم يَكفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ شَهيدٌ﴾، ولم أتذكر سوى تطبيق ضاد صحيحة في ﴿أَمَّن يُجيبُ المُضطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكشِفُ السّوءَ وَيَجعَلُكُم خُلَفاءَ الأَرضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَليلًا ما تَذَكَّرونَ﴾. لا قيمة لإقامة الحروف ما لم أقم الحدود. 

تقول عبير: أن التلاوة المتقنة هي طريق للخشوع، وأنها أدعى للتأثير في الإنسان من التلاوة غير المتقنة، فالاستغناء بالوسيلة عن الهدف حماقة. ويقول الأستاذ نعمان علي خان حين سأله شاب ماذا يقدم الحفظ أم التدبر؛ فقال: كيف تظن أنهما متعارضان؟ الحفظ معين للتدبر والتدبر معين للحفظ. وأنا أقول: إتقان التلاوة طريق إلى التدبر والعمل بالقرآن والتدبر والعمل به طريق لإتقان تلاوته. 

جعلني القرآن أخشى أن أؤذي نملة في حجرها عوضًا عن أن أرمي قمامة أو أزعج إنسانًا أو أوقف سيارتي وراءه، جعلني القرآن أكثر حرصًا على ستري في اللباس والتعامل والحدود، جعلني القرآن أهدأ وألطف وأكثر تفهمًا واحتواءً، جعلني القرآن أحسن. 

كنت أقول دومًا؛ أثقل مهمة وأمانة حملتها هي أمانة اختبار الإجازة. لا أحد أبدًا يعلم كم ثقيل هو اليوم الذي أختبر فيه الفتيات للإجازة، لا يعلم أحد كم صباح أصحو من نومي منزعجة لأنني لم أستطع أن أوقع على إجازة فتاة. ولكن شعور الفخر بالمجازات الجديدات يطغى دائمًا. مجموعة الإقراء وهي تضج برسائل القارئات التي يحدّثن فيها الجزء الذي وصلن إليه في الإقراء؛ تلك الرسالة التي تبدأ بـ"رحلتي مع الإقراء"، لو تعلمن أنها أجمل رحلة!

صحبة القرآن التي يسخرها الله لنا لتكون خير عون على أخذ الكتاب بقوة هي جنة الدنيا، تلك التي لا تترك بقعة في الجامعة إلا ويتلى القرآن فيها، وذاك الصاحب الذي يأتيك هو حتى تذكرا الله، وحتى يسمّع لك القرآن. إن لم يكن يعرف الناس الغِنى أو الحب؛ فهذا هو. 

أعود إلى فاطمة؛ أنت معلمتي. أكتسب منك السكينة والانضباط والشغف وكثيرًا مما لا يقال. اقرئي القرآن لأجل القرآن وقائله، أعلم أن لفظ الجلالة الصحيح مرهق، وتخليص الحروف صعب، والغنة المرققة مجهدة، بذا تنالين الأجرين اللذين وعدك الله. اقرئي القرآن ليصنعك، دعيه يتقن صنعك قبل أن تتقني تلاوته، ابحثي عنه في كل شيء، وأنت تتأملين مولودًا تأملي كيف أخرجه الله لا يعلم شيئًا، وكيف حملته أمه كرهًا ووضعته كرهًا، وأنت تشمين وردة تأملي الشجر الأخضر الذي أخرجه الله ليكون هذا والثمر المختلف الذي يخرج من أرض واحدة، وأنت ترين معصية تذكري أن تنكريها بقلبك وإن استطعت بلسانك، واحزني؛ لأن سيدنا لوط كان قلبه يتفطر من الحزن على قومه. حين ترين نارًا تذكري العذاب واستعيذي بالله منه واسعي للابتعاد عنه. كوني فاطمة المتقنة المتحركة بالقرآن، كوني ألطف الناس، اعتني بوالديك، اصطبري واكظمي غيظك، سارعي في الخير، كوني أنتِ بتلاوتك ولا تكوني نسخة من مقرئ قد يكون مات منذ زمان بعيد. دعي القرآن يزهر فيك. 

الثلاثاء، 23 أكتوبر 2018

مذكرات طالبة جامعية 7

منطرحة تحت درج منسي بلا أصدقاء، أدعو يا رب؛ لقد استفرغت جهدي، يا رب أعطني ولا تحرمني، اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين. بجانبي أوراقي التي ما فتئت أقلبها ليل نهار، أملًا في عطاء رباني باهر من رب الأمنيات. 

يأكلني الألم والإرهاق، كنت أقول أنني لم أشعر برعب من اختبار مذ دخلت الجامعة كما شعرت في هذا، سخر الله لي صديقات يدعمنني ويؤكدن لي ألف مرة ألا أقول هذا الكلام لأنني ذاكرت بما يكفي ولن ألقى إلا خيرًا. نهرتني فاطمة بقوة حين قلت أن فيّ رعبًا منه، قالت: انزعي هذه الفكرة السيئة من رأسك، إياك أن تدخلي الاختبار بها! "اقرأ وربك الأكرم"، اقرئي السؤال وكلك ثقة بالله الذي سيكرمك بفهمه وحله. فاطمة دومًا برد على القلوب، هل من أحد لا يعرف أنني أنا المحظوظة بإقرائها لا هي؟

أيام الضغط في الجامعة لذة. أبدو منهكة جدًا وتالفة الأعصاب ويشتتني الشوق إلى كل شيء، ابتداءً من أمي إلى التنظيف والكيّ، لكن لذة الإنجاز حين يمر كل شيء وتقف لتنظر إلى الخلف وتدرك الجبال التي بنيتها والصعاب التي تكبدتها لتخرج بهذه النتيجة؛ لذة لا تقابلها أي لذة. لعل الفراغ مؤنس لأكون مديرة وقتي ويومي كيفما شئت وأقرأ حتى أشبع -أو حتى أجوع لأقرأ أكثر-، ولكن الضغوطات المفروضة عليّ كذلك لها لذة خاصة. شغف العلم والمعرفة عظيم عظيم، اللهم عظمه أبدًا ولا تحرمنا الدهشة في طلب العلم والرغبة الملحة التي لا تتوقف عند حد. 

كم مرة قلت أنني أحب وأقدر المعلمين الملهمين الذين لا هم لهم إلا الارتقاء بالطالب علمًا وعقلًا وسلوكًا ونفسًا قبل حشوه بالمادة التي يدرسونها؟ بينما أنا منهدة في المختبر بعد يوم طويل؛ كان عقلي لا يستطيع استقبال أي شيء مهما حاولت وركزت، فعلت ما التقطته من تعليمات المعلم؛ ثم شرح المزيد فلم أستطع فهم شيء من التعب، ناديته وقلت له أنني لم أفهم ما قال؛ رأى ورقتي وانصدم بأن كل ما فعلته كان خاطئًا وأنني لم أكن أفهم ما قال من البداءة. لم ينهرني، بل أخذ قلمي وعلمني بهدوء ما يجب فعله وهو يفعله لي؛ ويقول لي بلطف: تبدين مرهقة جدًا ولهذا لا تفهمين، قلت: نعم أنا كذلك، ومضغوطة باختبارين. قال: واضح عليك، إن لم تفهمي ما بقي تابعي الآن بصمت وتعالي في وقت لاحق حين تكونين متفتحة الذهن لأشرح لك كل شيء. كان هذا كفيلًا بإحيائي حتى فهمت كل شيء وفعلت كل المطلوب وخرجت أول واحدة من المختبر. 

فكرة التخرج مخيفة. أن أخرج من كل هذا الإلهام والشغف والتعب لتحصيل علم نافع رافع إلى فراغ ومساحة شاسعة قاحلة، ألا أرى صديقاتي كل يوم، أن تتوقف عني النشاطات والعطاء في الحياة الجامعية، أن أبتعد عن تخصصي مدة فأنسى كل ما تعلمت ويموت الشغف. كل هذا مرعب، اللهم هيئ لي الأسباب التي تجعلني أستمر في شغفي وطلب العلم إلى يوم موتي. 

أنا لا أكتب إلا في الوقت الذي يجب أن أذاكر فيه وأكون مغرقة ضغطًا. اللهم هيئ لي من أمري رشدًا، اللهم لا بحولي ولا بقوتي، بتوفيقك وفضلك وحدك ارزقني ما أسعى إليه.

الأحد، 14 أكتوبر 2018

مذاكرات طالبة جامعية 6

أعلم أن المذاكرة فرض علي في هذه المرحلة، وأعلم أكثر أنني مرهقة وثقيلة ويجب أن أكتب. متى يكتب الإنسان أصلًا  إن لم يكتب وهو مضغوط؟

كانت في نيتي أن أكتب في الأسبوع الأول بما أن صدري متخم بالمشاعر والخواطر، لكن لا أحد يعلم ما الذي أوصلنا إلى الأسبوع السادس وأنا لم أكتب بعد، ربما لم يأذن الله إذًا. عمومًا؛ بما أنني بدأت؛ فلا أظنني سأنتهي اليوم قبل أن أقول كل شيء. 

بدأت الجامعة والصدر يزدحم بالأشواق والآمال والطموحات العالي سقفها، أظن أن الناس الطبيعيين يخفت عندهم كل هذا يومًا بعد يوم، الحمدلله نحن في الأسبوع السادس أي ثلث الفصل تقريبًا ولم يخفت شيء بعد. كيف تسجل كل تلك المشاعر على الورق (أو الجهاز)؟ مشاعر حماس البدء واتقاد الهمة وخفوتها في الوقت نفسه؟ هي لا تخفت ولكن الجزء العملي منها يخفت. نذاكر اليوم بجدية وبسعي حثيث، وغدًا نتساهل، ويوم الخميس نضغط على أنفسنا ويوم الجمعة كأن شيئًا لم يكن؟ هل هي مرحلة ما قبل الاختبارات الجادة؟ يبدو كذلك. لكن اختباري الجاد (الكبير كما أطلق عليه مع أمي لتمييزه من بين ألف اختبار صغار) بعد يومين ولا زلت لا أشعر بشيء. لا أدري هل وضعي سليم أم عليّ الاستنفار؟ عسى ربي أن يهديني سواء السبيل. 

الجامعة مرحلة مليئة بالأناس الملهمين الذين لا ينفكون يرسمون في أعيننا بريق الأمل والقوة والحماس مهما اشتدت المصاعب. قد يكون هؤلاء معلمين ماهرين ملهمين، أو أكاديميين، أو أصدقاء مقربين، أو زملاء لا تربطنا بهم علاقة قوية، أو حتى عامل بسيط لا يعرف أنه قد يكون يومًا من الأيام ذا جدوى في حياة أحد. رؤية هؤلاء الملهمين قوة. سماعهم وهم يبعثون الطلاب أحياءً بعد ممات بكلامهم المنعش، مراقبة جدهم ورغبتهم في العمل دون أي توانٍ، مراقبة الطلاب الذين لا همَّ لهم إلا المذاكرة وهم يعتبرون أنفسهم موظفين بدوام كامل إلى الليل، الأصدقاء الذين يقووننا إن ضعفنا، ورؤيتهم تخرج كل حيٍّ من دواخلنا، متابعة كفاح الطلاب الذين يبدؤون من الصفر أو ما دونه ليصلوا إلى مستوى يرضيهم بصبرهم وجهادهم لا بغيره، الطلاب الذين يمثلون آباء روحيين لمن هم أصغر منهم نصحًا وتوجيهًا وإلهامًا؛ على كل هؤلاء السلام.

الحياة مر وحلو، والله يبلونا بالشر والخير. كما أحب المجتهدين في الجامعة، أفقد احترامي للموظفين والأكاديميين الذين يعملون ليستلموا معاشًا ليطعموا أهلهم. إن كنت معلمًا ترد على هاتفك في وسط المحاضرة دون ضرورة وباستمرار، أو كنت تعطي الطلاب الحد الأدنى من المعرفة لأنك تعلم أنهم مهما أبدوا اهتمامًا فهم لن يفهموا على أي حال، أو كنت تستخف العمل الذي تقوم به معهم لأن الهدف هو تعلم الأساس بعيدًا عن النتائج أو الجزء القابل للتطبيق، أو كنت موظفًا لا يهمك شأن الطالب بل يهمك أن تجري أمورك حسب ميزانيتك ولو كان هذا ضد مصلحة الطالب، أو كنت لا تبالي أن ينتفع الناس أو تتيسر أمورهم، راجع نفسك. لو استشعرت معنى كلمة مسؤول لما نمتَ الليل من ثقلها عليك. لو سمعت اليوم صوت هيا  حين حكيت لها عن المعلم الذي لا يهتم بجودة ما يعلمه لطلابه وهي تقول: "محزن. حرام يضيع قيمة العلم."؛ لو سمعتها ربما لغيرت حياتك كلها.

قبل أسبوعين طلبت مني عائشة نصيحة لأول فصل لها في التخصص؛ فانفجرت بسيل جارف من النصائح لم ينتهِ قبل ساعة من الحديث المتواصل. كنت أقول لها ما يقول لنا معلمونا دومًا: "لا تخرجوا بالحدِّ الأدنى من العلم، أنت إن قرأت الشرائح وحللت مسائل عليها ربما لحصلت على أعلى درجة، ولكن مذاكرتك من الكتاب تمنحك أكبر قدر من المعرفة يمكن أن تخرج بها من تلك المادة. مشكلتنا نحن العرب -أغلبنا- التي جعلتنا متأخرين علميًا هي أننا لا نقرأ بل نكتفي بالحد الأدنى الذي يجعلنا نجتاز ونتخرج لنتوظف موظفين تقليديين لا ننجز شيئًا عدا الخروج قبل نهاية الدوام بنصف ساعة تجنبًا للزحام." 

رحم الله معلمًا ملهمًا لم يألُ جهدًا لإعطائنا كل العلم الذي بين يديه وحثنا على المزيد دومًا. رحم الله معلمًا لم يعلمنا المادة أكثر مما علمنا الصبر على طلب العلم والنظام والالتزام والأدب والرقي، رحم الله معلمًا لم يكن حظه من تدريسنا مقتصرًا على إعطائنا درجة قد لا تكون بحق، بل بذل من عمره ومن بياض شعر رأسه ليصنع جيلًا  يحمل العلم بقوة. رحم الله كل مخلص مجتهد في جامعتي، وفي كل مكان. 

الأحد، 2 سبتمبر 2018

ترميم.

أكتب اليوم بعد انقطاع طويل، أكتب لا لشيء غير ذات الكتابة.أكتب ربما لأتخفف، ولأعود إلى نفسي أكثر. ماذا تعني العودة إلى المدارس؟ الأمر لا يعنيني بأي طريقة لأنني لست طالبة مدرسية ولا مسؤولة عن طلاب مدرسيين، ولكنها استعادة الصباح إليّ يا سادة!

تمر علينا الحياة ونحن نتوهم أننا أصحاء وأقوياء، تمر أدنى وعكة فنتبين أننا ضعاف إلى الحد الذي لا نستطيع معه المقاومة. بين هذا وذا يكمن الإنسان فينا، ولا يستقيم هذا التضاد إلا باللجوء إلى مدبّر حكيم فوق كل هذا الضعف والقوة. في لحظة انكسار النفس والجسد، نرمم الكسور لنغدو أثبت وأصلب في أسرع وقت ممكن. نقصد كل ما من شأنه أن يجعلنا أخف وأقوى. أنا بدلت فراشي إلى بياض ناعم بعيدًا عن الصورة النمطية التي يجب أن يكون الفراش عليها لأرتاح؛ أقرأ كتبًا، رتبت شقتي، واشتريت كتابًا جديدًا رغم وجود كثر قبله لم يُقرَؤوا، وأحسبني أستعيد نفسي شيئًا فشيئًا

بدء الفصل الدراسي الجديد يقترب، لست متأكدة ما إن كنت مستعدة أم لا، المهم أنني أعيد خياطة أزرار عباءاتي استعدادًا، وآمل أن يُبنى ألف أمل ويخاط في روحي خياطة الزر في العباءة. سعدت البارحة بخبر اجتيازي دورة الصيف بامتياز مع مرتبة الشرف في كل المواد، الحمدلله أبدًا، العقبى للجامعة!


أعلم أنني أحتاج إلى ترميم جذريّ يا إلهي؛ ولكنني أسعى وأحاول أن أكون أنقى وأقرب. أنا أعلم أنك تعين المجاهدين دومًا وتحبهم؛ اجعلني من المجاهدين وأحبني وأعنّي وقرّبني.

دفء.

مر عام. لم يغب الدفء يومًا. كان الحب مع كل ضحكة ودمعة حاضرًا. حتى في أحلك الظروف والمصاعب، وحين ضربنا الأخماس في الأسداس، وحين كظمت غيظي ألف مرة، وحين بدوت الغضبى التي لا يرضيها شيء؛ كان الحب السيد دائمًا. 

لم يكن قرارًا سهلًا  أبدًا؛ خصوصًا مع فكرة الارتباط التقليدي الذي يجعل العبء بحمل إنسان يأكل ويشرب ويخرج وينام طاغيًا على الحب والدفء. لم يكن من السهل على فتاة في الثامنة عشر قرار الارتباط الذي لن ينفك إلا بالموت. كانت فكرة احتواء الإنسان حتى يخرج قويًا يواجه قومه بالحق لا يهزه أي أذى كمحمد صلى الله عليه وسلم هي الدافع؛ ولم تزل إلى الأبد. فكرة الاتحاد مع شاب يعينني على مواجهة الحياة وعلى الطاعة، ويشاركني جنوني كله؛ تبقى فكرة جيدة، على بركة الله. 

عمري عشرون، لكنني أنصح الفتيات اللاتي يكبرنني حين يقبلن على الزواج، وأصد ألف فكرة وكلمة عني وعنه من المجتمع ضدنا. لا أظن أن السابقين كانوا في أتم السعادة في زواجهم الذي يملون تبعًا له النصائح علينا؛ لذا سنصنع نحن الحياة الأسعد بإذن الله. ولّى عهد الرابطة القائمة على التكاثر ورعاية الأطفال، جاء عهد التفاهم والحب والسلام.

يندهش كثر من علاقتنا المتفتحة جدًا، كيف أتركه يسافر عني شهرًا وأسافر عنه مع أهلي، أعترف أن البعد كان صعبًا، لكنه زكّى الحب. التفاهم رأس كل شيء الذي لا تقوم حياة الزوجين دونه. لم يكن الحب يومًا قائمًا على علاقة سيد وخادم، أو مسيطِر ومسيطَر عليه، بل هو التفاهم والود الذي يظل الذكر والأنثى قبل أن يظلهما سقف واحد. 

تقول إستبرق: ما من أناس يعيشون تحت سقف واحد إلا حدثت بينهم خلافات؛ إخوة كانوا أو أصدقاء أو أزواجًا. الرحمة التي تهيمن على هذه الخلافات هي القضية؛ أن تتنازل مهما توجعت، أن تسامح مهما تأذيت، أن تعيش التوازن بألا تتنازل عن حقوقك ولا تطغى. هي معجزة المودة والرحمة التي تصيّر كل أذى إلى سكينة.

قوة الحب تدفع للعطاء، مع كثرة التنازلات باشتغالي بألف تكليف واختبار، كان هو يقوم بكل شيء؛ يعتني بي، وبنفسه. كنت مع كل الضغط أشعر بالحاجة الماسة إلى السكن والدفء، مهما ساءت نفسيتي؛ كان هناك مهدئ دومًا. أما لحظات المرض والحمى؛ صارت نعيمًا وهو يحنو عليّ ويهتم بي ويحضّر لي الدواء بنفسه. 

في خلال هذه السنة؛ اكتشفت أنني أملك أطباعًا سيئة جدًا، وأن كثيرًا من الصفات التي أستنكرها في أمي ملكتها تمامًا كما هي عند أمي. كنت في أحيان كثيرة حارّة الأعصاب ويضايقني الشيء واللاشيء بصورة مستفزة جدًا؛ لكن صدره كان أوسع، وكانت الرحمة تطغى دائمًا. هذه العلاقة المقدسة التي يتحمل فيها الطرفان من المشاق ويغضان الطرف عن المنغصات ويعالجان ما لا يُعالج الأمر الذي لا يكون في أي علاقة أخرى.

يبقى الحب هو الشفاء، وهو الدافع لكل عظيم اليوم وغدًا وأبدًا. غشّى  الله بيوت المسلمين جميعًا بالمودة والسكينة والرحمة والحُبّ، وجعلنا سندًا لبعضنا أبدًا، ورزقنا تكملة الحب وجزءه الحقيقي في الخلد الذي يبدو كل ما قبله سرابًا.


_________
*بتاريخ 20 أغسطس 2018. يفترض أن تكون بتاريخ 5 أغسطس ولكن تأخرت. 

الثلاثاء، 5 يونيو 2018

رسالة إلى الله

إلى الله الخبير بخلجات نفسي ووساوس الشيطان، إلى الله الذي يعلم أكثر من أي شيء أنني أحارب الشيطان في كل وقت لأكون أفضل وكثيرًا ما يغلبني، إلى الله الذي أتخذ تعظيمه والالتجاء إليه من شرور الشيطان وطلب المغفرة منه وكل ما عداها منه شرعة ومنهاجًا، إليك يا الله وأنت تعلم أنني كلما مررت على قصة نبي لك يحبك أصغيت السمع وأذعنت إذعان طالب العلم الضعيف النجيب؛ لعلي أقتبس شيئًا من نوره وهديه.

يا الله، قضيت سنين من عمري أفكر كيف يذكرك الذاكرون ذكرًا كثيرًا، هل بالمسبحة التي لا تفارق أيديهم وهي تسجل عددًا كبيرًا؟ أم بالصمت بين الناس لاشتغال اللسان بالتسبيح والتهليل والتعظيم؟ يا رب، أعترف أنني وجدت الموضوع شاقًا، وأنه درجة عليا من القرب المضني المجهد، ولكن خوفي أن أكون من المنافقين الذين لا يذكرونك إلا قليلًا بقي ملازمًا لي أبدًا، كنت أقول: كيف لك يا رب أن تكلف العبد الضعيف المنغمس في مشاغل يومه ما لا يطيق بألا يفارق المسبحة معتزلًا  الناس؟ ولكنك أخذت بيدي كما عودتني. 

دللتني يا الله أن ذكرك الكثير ليس أرقامًا كبرى تسجلها المسبحة ولا اعتزال الناس ذكرًا، بينت لي في كتابك أن ذكرك الكثير يعني أن تكون حاضرًا دائمًا في البال، مرافقًا لكل الخواطر صغيرها وكبيرها، ذكرك الكثير يعني أن تكون أول من يخطر على البال إن أصاب حادث، أو طرأ سار، أو حتى دون أسباب واضحة، أن يحظى إنسان بتعظيمك حاضرًا دائمًا، وبالاستجارة بك من الشيطان وكل شر، وباستغفارك خشية ألا تتقبل ما يعمله لأجلك (لنقص فيه)، وبأن يستعين بك إذا استعان، ويطلب منك إذا طلب، ويفتقر إليك كل الافتقار لا إلى غيرك. 

أتساءل دائمًا؛ كيف كنت حاضرًا في أذهان أنبيائك وعبادك الصالحين إلى هذه الدرجة العظيمة؟ كيف تذكر يوسف عليه السلام وهو المسجون ظلمًا وبهتانًا أن ينشغل بتعريف الناس بك بدلًا  من أن يقدح فيمن ظلمه ويثأر؟ كيف تذكر موسى عليه السلام المشرد المنفي المنكوب الجائع المتعب المرعوب أنك أنت مالك الملك ولا تقدّر شيئًا إلا رحمة بعبدك؟ أي قوة هائلة جبارة أودعتها في مريم لتنجح بكل رضا وقوة في الاختبار الذي وضعتها فيه وهي تتهم في شرفها بدلًا من أن تقول: أبَعدَ ما عبدتك ولم أفارق محرابي تفعل بي هذا؟ كيف ألهمت أولي الألباب أن يتفكروا في السماوات والأرض ولو كانوا في غمرة انشغالاتهم ليصلوا إليك ويذكروك كثيرًا، وليستمدوا يقين وقوة الذكر من التفكر في ملكوتك، وكيف أوصلتهم إلى درجة أنهم لم يستطيعوا حين رأوا عظمتك في خلقك ألا يذكروك؟ كيف أودعت كل هؤلاء سر الحياة الذي لا يطيقونها دونه؛ كيف ألهمتهم ذكرك؟

كيف سخرت لكل من يريدك بشرًا من جنسه يخالطونه ويعيشون معه لئلا يضعف أو يستكين؟ كيف سقتهم إلى الصلاة بقرب عبدك الضعيف هذا جماعة، أو أذنت لهم أن يتلوا آيتين لتُسمع العبد الذي يقصدك كيف يقصدك، كيف جعلتهم صورة مجسدة لرحمتك بأن يرحموه ويأخذوا بيده مهما كان ضعيفًا، كيف يا رب تفعل كل هذا ثم يشكو عبدك الوحشة أو التعب؟ 

يا ربي وإلهي، لا زلتُ أحارب في الصلاة لئلا أنشغل بشيء عنك، لا زلت أجر نفسي جرًّا إلى ما تكره هي وتحب أنت، لا زلت أتخبط في ظلمات الحياة التي لا يكشفها إلا نورك، أيقنت أنك لا تكلف نفسًا إلا ما آتيتها، وأن التاجر والصانع والعالم والزارع كلهم يستطيعون بهدايتك أن يذكروك ذكرًا كثيرًا وهم في غمرة أعمالهم؛ إذ ليست القضية في اللسان أو الجوارح مثلما هي قضية قلب، أعلم يقينًا أن لا حياة إلا بقربك، لا أنس إلا بذكرك، ساعد من يرجو قربك ويلتمسه مرارًا يا رب العالمين.