الأحد، 28 مايو 2017

هذا خلق الله 2

ماذا لو خلقك الله تشبه البرطمان* الفارغ بلا غطاء ولا تملك أي أعضاء في جسمك؛ بل خلاياك كلها متطابقة؟ لا تملك رأسًا (فيه دماغ) تفكر به أو تتحكم بحركتك به، بل برطمان فارغ. 

تخيل لو كان هذا البرطمان لا يمثل جهاز هضم بل تهضم الخلايا الطعام بدائيًا، فإن أدخلت ثلاث طبقات من المخلوقات طعامًا لك في البرطمان، يتم هضم الأسفل تمامًا، والأوسط جزئيًا، وما إن يبدأ الجسم في هضم الأعلى حتى يكون هضم الأسفل انتهى وعلى الجسم إخراج الفضلات سريعًا، ولأنك برطمان لا تملك فتحة ثانية لإخراج الفضلات فإن الجسم يدفع المخلوقات الثلاثة خارج جسمك كفضلات ولو لم يتم هضم الأعلى، ليس هذا فقط؛ بل لا تستطيع تخزين الطاقة ولو قليلًا لأنك تستخدمها لحظيًا لذا عليك أن تأكل كثيرًا؛ أكثر مما تتصور؛ تقضي يومك أكلًا.



أنت لم تكن برطمانًا، بل الله فضلك واصطفاك فخلقك إنسانًا كامل الخلقة في أحسن تقويم، الله أودع فيك أجهزة معقدة لتفكّر، تخزن الطعام، وتقوم بكل شؤونك بانسيابية عجيبة لا يشبهها شيء، ألا يستحق تفضيل الله واصطفاؤه عملًا مجهدًا منك لتحقق هدف خلقك وتعبد الله حقًا وأنت الخليفة في الأرض؟ أم ستظل تنحط بخلقك لتقضي يومك أكلًا رغم أنك لا تحتاج إلى ذلك؟

تسبيح الله فيما حولك تناغم وإيمان يقيني. 




_____________
*البرطمانُ إناء من زجاج أو خَزَف، تُحْفَظ فيه المُربَّيات ونحوُها.

السبت، 27 مايو 2017

هذا خلق الله 1

تخيل أنك بذرة ضعيفة منسية في زاوية من زوايا هذا الكوكب، بداخلك نبات لكن لا تستطيع حيلة لتثمر وتصير نباتًا، ولديك واحدة من إحدى هذه الخمس حيل لتتخذها وسيلة للإثمار: 
1- إذا كنت تعيش في مكان جاف قاحل والماء لا يكفيك لتثمر، فعليك أن تنتظر المطر من الله، يغذيك به لتثمر. ودون هذا الماء لا وجود لك!

2- إذا كنت تعيش في منطقة شتاؤها بارد قارص، ستنتظر من الله أن يرفع الحرارة ويأتيك بالدفء لتثمر.

3- إذا كنت تعيش في الغابات، وسط أشجار كثيفة ونباتات كثيرة، فإنك قد تنتظر النار لتشتعل عليك وتحرق النباتات التي تؤذيك فتموت هي ليحييك الله!

4- أحيانًا قد تنتظر حيوانًا ليأكلك، لأنك تملك في الأصل قشرة سميكة لا تستطيع أجهزة الحيوانات الهضمية هضمها مهما حاولت؛ لكنها تُضعِفها فيجعلك الله بعدها صالحًا للنمو.

5- إذا كنت بذرة صغيرة ضعيفة، لن تتحمل النمو داخل التربة، فأنت لا زلت أضعف من ذلك، ولكنك ستنتظر صعودك إلى سطح التربة لتستمد الضوء من الشمس مباشرة دون حواجز فيحولك الله لشجرة مثمرة. 


أنت في الحقيقة بذرة أودعها الله في رحم أمك واعتنى بك إلى هذه المرحلة، وقد يكون من الظروف ما يحرقك أو يجمد مشاعرك أو يدفنك بعيدًا عن الأعين، عليك أن تقاوم الظروف لتصبح شجرة تثمر في النهاية؛ لأنك من خلق الله العظيم. 

تسبيح الله فيما حولك تناغم وإيمان يقيني.







________________
سلسلة (هذا خلق الله) هي سلسلة رمضانية ستنشر بإذن الله في وقت الأصيل يوميًا، مقتبسة من مادة الأحياء (Biol2102 course) المقدمة لتخصص الأحياء. 
هدفها تسبيح الله في خلقه والتفكر فيه التفكر الموصل إلى الله. 

الأحد، 12 مارس 2017

انفجار أودى بي.

نمت بلا شعور على جوعي بعد يوم منهِك من المشي إلى الطرف البعيد للمخيم لأخرج وأحتطب لئلا تموت أسرتي بردًا؛ أعني من بقي منها (بعد أن اختار الله لجواره أمي وجدتي -أمانَ الحياة- وأختيّ). النوم على جوع عادة لدينا لأننا لا نجد ما نأكله، وما نأكله في الصيف -مما نجده أمامنا من الدواب- مختبئ لسباته الشتوي، لذا ليس هذا هو المعضل لأننا نجوع أشتية طويلة. وأنا أغط في نوم عميق، باغتني انفجار هز فرائصي وأفزع نومي، هلعت منتفضًا إلى أبي ومن تبقى من إخوتي وجدي، ما إن التفت وركضت إليهم، حتى وصل الصاروخ ليسحقهم سحقة واحدة أمام عينيّ، ولتنسكب دماؤهم عليّ، ألا يكفي يا رب أننا في مخيم خيماته لا تسمن ولا تغني من جوع أو برد؟ أكنا ننقص يا رب أن تلاحقنا الصواريخ التي تركنا هربًا منها الأرض التي ولدتنا وأرضعتنا وآوتنا لنجدها هنا في المخيم؟ كان المشهد سريعًا، كل ذلك أخذ أقل من 30 ثانية لتنتهي حياتي ببقائي وحيدًا بلا أدنى مقومات للحياة، "أَيا لَكِ نَظرَةً أَودَت بِقَلبي 
                   وَغادَرَ سَهمُها جِسمي جَريحا
فَلَيتَ أَميرَتي جادَت بِأُخرى 
                   فَكانَت بَعضَ ما يَنكا القُروحا
فَإِمّا أَن يَكونَ بِها شِفائي 
                   وَإِمّا أَن أَموتَ فَأَستَريحا "


المشهد الأصلي في الجانب الآخر من العالم:
في عمق نومي متدثرة بدثار مريح متوسدة فراشًا لا أريح منه، سمعت صوت انفجار مدوي، نهضت من نومي فزعة، أنقشع السقف عني لقنبلة أفقدتنا أمننا؟ لا. أسقطت السماء على الأرض؟ لا. أهي قنبلة قريبة يصلني دخانها وانعكاس نيرانها؟ لا. أدعى تفاخر العمانيين بأمجاد آبائهم وتأخرهم عن إكمال مسيرتهم أن تنزل اللعنة عليهم فيذيقهم بأسًا محرقًا ويغيب أمنهم؟ لا. ما الخطب إذن؟ رف مكتبتي ثقل عليه وزن الكتاب فسقط وتناثرت كتبي. ظللت اليوم بأكمله مذعورة تأكلني الحمى والإنهاك وفقدان الشهية من الفزع، كيف يعيش من هم تحت وطأة القهر؟ 
إلى آل عمان، والآمنين في أوطانهم جميعًا: ﴿فَليَعبُدوا رَبَّ هذَا البَيتِ الَّذي أَطعَمَهُم مِن جوعٍ وَآمَنَهُم مِن خَوفٍ﴾.

الثلاثاء، 7 مارس 2017

مذكرات هبة - في مكان غريب وحدي!

كان صوت خالتي مشوشًا وهي تناديني لأستيقظ، لمَ أستيقظ ولا شيء لدي ليفوتني؟ ألعابي تنتظرني وحدي، بيضتي التي تعدها لي جدتي كل صباح ومرضعة الأمل لن ترحلا، فلأتجاهلها وأتقلب. لم تتركني إلا دقائق حتى حملتني من السرير بعد أن تركتني أمي إلى العمل كعادة كل صباح. لماذا تعمل الأمهات؟ اعترضت على عملها بالبكاء الكثير ولم يجدِ شيء من ذلك، اضطررت إلى التعايش فحسب. حشرت خالتي فرشاة الأسنان الصغيرة في فمي؛ هذه الحركة الكئيبة التي اعتدت مقاومتها بإغلاق فمي والبكاء، لكن اليوم أنا أكثر تعبًا من أن أقاوم. غيرت لي ثيابي، أعطتني جزءًا من بيضة، نادت جدتي بسرعة لأننا مستعجلون. اعتادت خالتي الخروج وحدها صباحًا هي وحقيبة ظهرها الضخمة التي تزعم أنها للجامعة، أنا سعيدة لأننا نخرج لأنني أنتظرها من الله، لكن إلى أين؟

دخلنا بعد رحلة في السيارة المكان المدهش، لم أتمالك دهشتي وقلت: "الله!"، كانت حديقة واسعة خضراء فيها أراجيح وألعاب كثيرة، وكان فيها قسم للطيور، صرخت من الحماس، دخلنا ثلاثة أنا وأمي وجدتي، وجدت نفسي فجأة أخرج إلى الحديقة مرة أخرى وحدي. كان المكان غريبًا، لكنني أحب التعرف على الغرباء. قضيت يومي بين يدي فريدة حاضنتي المصرية أراقب الطيور وأقول لها أن هناك "كوكو" وأنا أشير إليها، لعبت مع الصغار، صرخت في وجوههم ثم أطلقت لضحكتي العنان، أطعموني طعامًا لذيذًا، أعطوني مرضعتي، كان حضن المربية دافئًا، لكن دومًا حضن جدتي وأمي وخالاتي أدفأ. 

استمتعت بمقابلة أطفال أضخم مني، وكان هناك كثير من صغار الحجم الذين كنت لا أكف عن إخبارهم أنهم "دادا". قبّلت الصغار، وحشرت نفسي مع الكبار أرقب ما يفعلون، كلهم يظنون طولي وحجمي لا يسمح لي بمعرفة أو فهم ما يجري حولي، لكن الله حباني بفطنة لو علمها الكبار المتكبرون لخافوا وراقبوا كل حركة وسكنة، فأنا مثلًا أستخدم مصطلحات الصغار مثل: "دادا" و"نمنه" للإشارة إلى الأطفال والطعام، وأنا أفقه تمامًا معناهما وأربط كل ما يتعلق بهما، فكلما شاهدت إعلانا أو صورة أو صوتًا عرفت أن هذا مرتبط بهما. الكبار يستصغرون قدراتي، وأنا أدعهم إلى حين، وأرد بعض ما يظنون بالشغب. 

عادت خالتي بعد يوم قصير مر سريعًا، أخذتني بلهفة، كنت حزينة لمفارقة الأطفال والحاضنات، كنت أودعهم بقبلة طائرة أوزعها عليهم بالعدل والإحسان، حين خرجنا من الباب وانغلق، كنت أؤشر لها لعلها تفهم وتعيدني إلى مجتمع الأطفال لأتواصل معهم أفضل مما أتواصل معها وهي بحجم أمي، لكن هيهات! عدنا إلى البيت مع جدي، على الأقل؛ هنا لي حرية الاستكشاف في أدراج المطبخ؛ ليكتمل يومي بسعادة. 



______________________________
*هبة ابنة أختي، عمرها عام وخمسة أشهر. 

الثلاثاء، 28 فبراير 2017

مذكرات طالبة جامعية ٢

ما الهدف من حياة الجامعة؟ من مواقف الكلية إلى نزول ذاك الدرج الهائل إلى الممر الضيق فالفسيح إلى المحاضرة إلى أستاذ يشرح لنفسه لا لسواه إلى توقيع الحضور إلى الخروج إلى الممر الطويل إلى الاستهلاكية المزدحمة التي تفيض أكلًا غير صحي إلى كرسي الاستراحة الأخضر أو الوردي. ثم ماذا؟

رأتني قبل أيام زميلة أعرفها في المواقف فابتسمت لي وسفهتُها حتى أدركت غباءها في ذاك الموقف، أكثرت الاعتذار منها لاحقًا لأنني فعلًا لم أرها، قلت: المشي في تلك المواقف التي لا تجدين فيها موطئًا لسيارتك إلى الدرج العظمى هو وقتي الأعظم لتأمل الحياة وفلسفاتها المعقدة اللامفهومة جميعًا، تتكون فقاعتي الخاصة حين أفكر فلا يفجرها شيء إلا شمس حارقة تشويني.

ما الذي يستحق الاهتمام في هذه الحياة؟ "الدكاترة" لا يبالون إن انهرست أو انسحقت أو متّ أو حييت، لا ينقص ذلك من مرتبهم شيئًا، الأرض لن تبكي علي إن اختفيت، فلج حديقة العلوم لن يتوقف عن الجريان إذا أكلتني الاختبارات وهجرتها أمدًا، الاستراحة لن تدفأ أكثر إن غبت. أف لي، لمَ أفكر بقتامة كهذه؟

أتحسب على الذين سواء عليهم أنجحت أم لم أنجح لا يبالون، أحاول أن أشد عزمي، أتنفس بعمق، أتذكر أن هذا في النهاية معدلي أنا وأنا التي سأنجح أو أرسب، أتذكر أن الله مع الضعفاء المساكين، وأنه لا يضيع أجر المحسنين، أذكرني بالصبر، هل شعر موسى بالاستفزاز حين قال له الخضر عليه السلام "إنك لن تستطيع معي صبرا"؟ هأنا أقولها: "ستجدني إن شاء الله صابرًا".

بيقين الصابرين تكتمل الحياة، برضا المؤمنين تزهر، يا رب، الجامعة تستثير قواي وتسحلها، أمدني بالإيمان الذي يجعلني آخذ الكتاب بقوة، وآنسني بالعلم مهما ساء المعلمون. يا رب، هذا العلم لك، وكلامك القرآن يلهمني، ولا أريد سوى الوصول إليك به، ثم رفعة الأمة المتهالكة. ألا يا رب إن كنت لا أستحق فأنت الكريم العظيم الرحيم، هيِّء لي من أمري رشدًا. 

الجامعة هي ليست ذاك المكان الذي يفيض حلاوة، وليست الممر المظلم الذي لا ينتهي، هي نور وظلام، وشقاء وأنس. أنت العيون التي تحدد ما الجامعة، فلا تُصب بعمى الألوان. 

السبت، 31 ديسمبر 2016

اعتنِ بأختي.

البارحة، كنت وأختي عزاء نحلم بينما أختي نائمة أن لو كنا توأمًا، الليلة؛ تقضي عزاء ليلتها الأولى في بيتها الجديد. 
دراجاتنا، خطواتنا الأولى معًا، شجاراتنا، وقوفنا بجانب بعضنا دومًا، ضحكاتنا وجنوننا، الأشياء التي لا يجب أن تعرف والدتي عنها، حسن؛ لست سعيدة أن الخزانة والغرفة لي وحدي -كما زعمت-. 
لا شيء يشبه الحزن المقنع بالفرح في صوت أمي وهي تقول في هذا الليل البهيم: (شلوها عزاء وراحوا، راحوا كلهم ما بقى حد). ولا شيء يشبه غبطة خالتي شمساء وهي تزف ابنة جديدة لها.
لا أقول على ما قالت ألفة زيادة ( http://olfaalkindi.blogspot.com/2016/05/blog-post.html?m=1 )، أزهر الله عمر أختي بعيدة، ورزقها الحب والحكمة أبدًا.

عادل، اعتنِ بأختي.

الثلاثاء، 1 نوفمبر 2016

مذكرات طالبة جامعية ١

أنا في الجامعة؛ المكان الذي تدرك فيه أنك في هذه الحياة لا يمكنك أن تضع أي توقع عما سيحصل بعد قليل، لا يمكنك أن تقدّر حتى، ولا يمكنك أن تحلم دون أن تضع ألف حسبان أنك ستنهزم في أي لحظة، لا يمكنك أن تمشي دون أن تتوقع أنك ستقع وتهوي وتنكسر ألف مرة قبل أن تتعلم المشي، وقد تستنفد كل العكازات المتاحة في هذا العالم، وقد لا تصل وقد تصل. 

الجامعة تعودني أن أجوع حتى أنسى أنني لم آكل شيئًا يعد طعامًا منذ أيام، أن أرهق حتى أنسى طعم النوم، أن أقع تحت ضغط نفسي حتى لا أظنني أنجو. الجامعة هي التي تعلمني كيف أقسم على الحياة ألا تهزمني مهما تنكرت علي، كيف أوظف كل انفعالاتي والزفرات التي أخرجها حين أغضب وحين أتحمس لأبر بقسمي ولا أحنث أبدًا. مهما علمتني الحياة كيف أجاهد من قبل، الجامعة بينت لي أن الجهاد في ساحة المعركة ساحتها وأن كل ما سبق لم يساوِ شيئًا مما سأحتاج من الجهاد لأحيا. لا زلت في بداية مشوار الجامعة، ولا زالت تريني من صنوف الجهاد ألوانًا، أهلًا بي في حرب الجامعة! 

الكيمياء خلقت لتعلمني الصبر، لتعلمني ألا أيأس مهما أخطأت الحساب، مهما بعدت نتيجتي عن الدقة. وجدت الكيمياء لتريني كيف أن الشغف كلما زاد؛ يجب أن يزيد معه الحذر والاستعداد للتصدي لكل شيء. هل كنت لأقنط وأنا أرى الحبر الأحمر من معلمي يطغى على أوراقي؟ لا والله ما قنطت والله رحيم!

على مدى انفتاح نفسيتي وصباحي وسعادتي بكل خطوة أخطوها في الجامعة، وعلى إثر إعلاني أنني لا أغار من تخرج أختي لأنني أحب الجامعة هي وتعبها وضغطها، أقسم بالله أنني أجاهد، لا أيأس، أدعو، وربِّ الرحمة والجهاد لتغدون حياتي حلوة.