الأربعاء، 6 يناير 2016

صفحات من حياة هبة وخالتها.

في السادسة صباحًا من أحذ أيام ذي الحجة وصلت هبة، أذكر أذان أبي في أذنها اليمنى وإقامته في اليسرى، أذكر نظره إلى أمي بعدما انتهى ليقول لها: عزيزتي كبرتِ وأصبحتِ جدة! دموع أمي وهي تنظر لحفيدتها الأولى وتقول: هبة الله أنتِ. 

بكاء هبة ينزع مني انغماساتي، انغماسي في كتاب -أكررها ثلاثًا-، انغماسي في الحديث مع أختي، انغماسي في تأملاتي، انغماسي في أعمالي، انغماسي في لذائذي، وانغماسي في شتاتي. بكاؤها يكسر كل شيء أمامي ليفتّح عينيّ على الواقع ويجبرني أن أفيق، أن أفتح عينيّ الناعستين صباحًا، وأن أدرك أن بكاءها لم يكن في حلم بل في واقع -هنا الجزء الأصعب في الحياة-، وأن أحملها وأهدئ من روعها وأضرب بكل آلامي التي لا تسمح لي بالقيام من فراشي بعرض الحائط لأنزل إلى الطابق السفلي باحثة عن حليبها لأطعمها ثم أغير لها وأتجاهل أنني لم أغتسل وأني بثياب نومي وشعري المتناثر وأن بطني لم يذق شيئًا منذ غداء الأمس، أطبطب عليها حتى تنام أو أكتفي بوضعها على صدري لتنام هانئة، بعدها أنتبه أنني لم أفعل شيئًا مما ذكرت، وأن لدي أعمالًا كثيرة تنتظرني. تقوم تبكي مجددًا، أقول لهديل دائمًا أن هبة لا تحبها لأنني كلما حدثتها بكت. 

أتفكر كثيرًا كيف تغيرت حياتي بعد هبة، أستيقظ على بكائها، لا أنام إلا بعدما أسمع السمفونية اليومية التي تخص الساعة العاشرة وعشرين دقيقة، يقيتني عدم تقبلها للرضاعة التي تسد رمقها حين تغيب أمها، تبكي حتى تزرقّ، أهدهد وأغني وأتلو فتسكتني بصراخها حينًا وتهدأ وتطمئن أحيانًا أخرى، ترضع بشراهة أحيانًا وتدفع كل شيء وترفس وتبكي كأنها تساق إلى الموت وهي تنظر. لا ينفطر قلبي لبكائها وجوعها ورفضها كما ينفطر لذكرى أشياء أخرى، ذكرى الصبي الذي كان يبكي ربما حتى ازرق أو اسود أو خفت صوته؛ الذي كانت أمه توشك أن تنفجر وهي تسمع بكاء طفلها في واد غير ذي زرع حيث تفجر من تحتها نبع لن يخفت إلى القيامة؛ الطفل الذي كانت حكايته تغييرًا للتاريخ بل بناءً لأمة، أسمع بكاءه في بكائها وأتمتم دعاءً أن تكون أُمَّة. أتذكر كذلك بكاء المشتتين والجوعى، كلما أعطيتها رضاعة ممتلئة بحليب أمها لتنهيها وأحضر لها غيرها مملوءة أذكر الطفلة التي ضاق جلدها ففصل أضلاع قفصها الصدري لمن لم يعرفه، ولم ترضع إلا ماء وملحًا. وما ارتدت هبة ثيابها الشتوية إلا تذكرت الذين لا يملكون دفءً سوى أحضان أمهاتهم الذي غالبًا ما يكون متجمدًا لا دافئًا. 

فقدان أمي لصوابها حين تبكي هبة وكسر أمي لقنينة العسل الغالي الذي يحبه أبي حبًا يساوي حبه لنا لحظة ارتباكها من بكاء هبة يجعلني أرجع إلى نفسي أحيانًا كثيرة، أقول لأمي ما قيمة ارتباكها وتشتتها وغضبها حين تبكي هبة إن كانت أمها بجانبها تحن عليها وتفي بأغراضها؟ تغضب أمي وتكتفي بقول: "حين تنجبين طفلك الأول سأذكرك بكلامك."، أضحك أحيانًا وأصعق أحيانًا أخرى حين تحدثنا أمي عن تفاصيلنا حين كنا بحجم هبة، بكاؤنا وجوعنا وحركاتنا الأولى وتصرفاتنا الأولى واكتشافاتنا الأولى، لا أستطيع تصورني بحجم كحجم هبة التي أحملها بيد واحدة! 

"وخلق الإنسان ضعيفًا"؛ أتأمل كثيرًا فيها حين لا تملك لنفسها نفعًا، لا تملك سوى البكاء طلبًا للنجدة، لا تملك حتى الهرب حين تقرر خالتها أن تصبح قاسية، لا تملك إعداد طعام لها أو شراءه، لا تملك سوى "النظر إلى السقف" وطلب الرحمة! أرجع كثيرًا أقول "رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا" حين أجد حياتي كان بإمكانها أن تنتهي منذ أول يوم بعد ولادتي إن لم ترحمني أمي وتقم بشأني، كيف كان بإمكاني أن أموت جوعًا وضعفًا إن لم ترضعني، أن أغرق في وسخي إن لم ترعاني، أن أختنق إن لم تحضنني!

تسميع حفظي من القرآن لهبة، قراءة الورد اليومي لها، ضمها في حضني حين أقرأ ونظرها إلى الكتاب بشغف، حتى الرعايات اليومية التي تكون لكل طفل بشكل تقليدي بحت كون الأم الآلة التي تنجب الأطفال ثم ترضع كالبقرة الحلوب ثم تربي ويعيش العالم بسلام أو خراب ثم تموت الأم وينتهي كل شيء لتبدأ سلسلة جديدة من التكاثر والإنجاب لا لشيء سوى التناسل، كل التفاصيل الصغيرة والأسرار، كلها لتكون هبة أمة، كما نُذرت محررة، لتنبت نباتًا حسنًا، ولتأخذ الكتاب بقوة. 

الخميس، 31 ديسمبر 2015

مذكرات صعيدية منتزقة ٦

اليوم قررت أن أختتم مع اختتاماتهم لعام ٢٠١٥ سلسلتي من مذكرات صعيدية منتزقة التي لم أنشر منها سوى حلقة واحدة لا لشيء إلا لشعوري الأحمق الذي يقول لي لا تنشري. ختام بعد يومي الجامعي الطويل قبل الأخير لفصلي الأول في جامعتي، اليوم الذي قضيته مع صديقتي نتجول بين الخدمات التي توفرها الجامعة دون داعٍ دراسي. 
وجود طالب يذاكر في كل بقعة منسية من بقع الجامعة يشعرني بالطمأنينة. لا أدري كيف أشعر وأنا لا أذاكر مثلما يذاكرون لأنني لا أرى مقررات المرحلة التأسيسية بحاجة إلى المذاكرة، فقط كما أقول لصديقاتي أنني في إجازة أقتطعها لأذهب إلى الجامعة لتوقيع بعض الأوراق -أو حل بعض الاختبارات بمصطلح آخر- ثم العودة إلى البيت ضامنة نجاحي. استغللت بفضل الله هذا الفصل بأكبر قدر ممكن من استنشاق لذائذ الجامعة والإنصات لزقزقة عصافيرها وخرير مياهها، بالاستماع إلى سوالف صديقاتي التي قد لا تهمني أحيانًا والاستمتاع بها والتلذذ بضحكاتهن، كافأت نفسي جيدًا بعد كل اختبار أو مشروع بمجموعة كتب ألتهمها من المكتبة الرئيسة التي تسر الناظرين عوضًا عن شامّي روائح الكتب والغارقين الهائمين العاشقين، حفظت الجامعة شبرًا شبرًا ومشيت كثيرًا كثيرًا بين أزقتها المتشابهة، أطلت الجلوس في حديقة العلوم والحديقة الطبية حيث منفاي الذي أغار غيرة المرأة على زوجها حين أرى أحدًا يأخذ مقعدي الذي يحتضنني في الحديقة الطبية، عشت فصلًا لن أبالغ إن قلت أنه انغماس في الجنة بعد شقاء الجحيم؛ عشت أدق تفاصيل تعويض الله ولطفه الذي تخجل الكلمات عن وصفه. 
بعد اختبار اللغة الإنجليزية الأخير، حفل الوداع، أدركت أنني فقدت أخوات لن أتصبح بوجوههن الفصل القادم بإذن الله. قيل لي كثيرًا أنك لن تحصلي على صديقات يدمن في المرحلة التأسيسية، كلهن إن رأينك حين تتخصصين ربما لن يسلمن عليك حتى، أثبتت لي الحياة أن لا شيء مستثنى من قاعدة عدم جواز التعميم؛ ولا حتى زميلات المرحلة التأسيسية. اختارنا الله ثلة مميزة ندر ما تتجمع مثلها في صف واحد، تآخينا في المر والحلو، كانت اللقاءات اليومية لمحاضرات الإنجليزية كفيلة بجمعنا بنيانًا مرصوصًا، بعكس محاضرات الرياضيات ونظام الأسرة الذين كنت أدخل القاعة وأخرج أول واحدة بلا أن يعرفني أو أعرف أحدًا. علمني الله بهذا الفصل أن زميلة في مرحلة تأسيسية قد تكون لي أختًا يطمئن لها قلبي وسكنًا أكثر من صديقاتي اللاتي أعرفهن لسنين طوال، علمني أن التجربة الشخصية والنظرة الخاصة بكل فرد هي التي تحدد انطباعه عن مرحلة ما، وعلمني أنه يجيب الداعِ إذا دعاه واستجاب له مضطرًا محتاجًا إلى خير صحبة، وأنه يجمع المستحيلات كلها تحت سقف واحد حتى يطبطب على قلب موقن. 
لا أستطيع حصر اللحظات العذبة التي لا يستطيع إنسان خبء تنعمه بها، يوم الثلاثاء الذي أنتظره أسبوعيًا لأبدأه بحلقة قرآنية فمشي مع هاجر عبر حديقة العلوم إلى مركز الإرشاد الطلابي لحضور الجلسات الودية؛ كيف كانت كل لحظة منها معها نعيمًا، تجاهلي لها في المكتبة الرئيسة متيمة بالكتب وصراخها وإشاراتها لي ثم غضبها وتوليها عني، لحظات الوهن الجسدي والانتكاسات الصحية حين تنجدني ميعاد، أو حين تأمرني بالراحة آسيا، الأحاديث الطويلة المشوبة بتأنيب الضمير لمنعي آسيا عن المذاكرة بأحاديثي، نومها في الأرض لتصر على نومي في سريرها، أول ليلة مبيت في السكن يوم ولادة ابنة أختي، رفقة الطريق ومغامراته مع أفنان، ملل المحاضرة الفائض مع نورس، لقاء الفجأة في استراحة التربية مع ألفة، الاتفاق للقاء جهينة، ضجر محاضرة الأستاذة التي لا زلت لا أفهم الدافع النفسي الذي يجعلها تعاملنا بتلك الكمية الهائلة من الوقاحة، جهاد الثانية ظهرًا للثبات في محاضرة الرياضيات وسفه كل الهواجس الجسدية حين يصرخ الألم أو التعب فيّ، ابتسامة الشيماء، لقاء مروة في المصلى كل أحد وإثنين بعد يوم منهك، شغف محاضرة نظام الأسرة، المشي في أزقة الجامعة وعينيّ على هاتفي تقرآن كتابًا، دهشة التأمل في كل شيء؛ بل دهشة الإيمان الذي يزيد كلما تأملت طبيعة الجامعة وصرخت في داخلي "آمنت يا ربي"، السباحة وانتعاش السباحة وصحبة السباحة وحياة السباحة، كل التفاصيل التي لا يسع حديثي ذكرها، شكرًا لله على فصل رائع كهذا! 
حمل حقيبة الظهر التي كانت دليلًا لا يشكك عاقلًا في ظن أنني طالبة "صعيدية" سنة أولى، تلك التجربة التي أصر على التمسك بها إلى يومي الأخير في الجامعة والمشي بثقة رغم ضحكهم عليها، استغلالي لكل فرصة للمشاركة في الأنشطة الطلابية والأمسيات والفعاليات و"نزقة سنة أولى" كما يسمونها، الفراغ النسبي الذي كان يحتل فصلي لأكب أكثر على بناء نفسي قبل التعمق في الدراسة، صحبة للصديقات الصالحات التي تغمرني في كل مكان، وجود طفلة جديدة في بيتنا وزيارات الأهل لقدومها، كل ذلك أضفى خير بناء لفصلي الجامعي الأول، الحمدلله. 
بقي اختبار واحد يختم فصلي الأول، وبقي ثقل نفسي هائل من اختبارات صديقاتي المتخصصات وعلمي بتعبهن ومحاولة التخفيف عنهن بشتى الطرق، وبقي يوم وينتهي فصل أستطيع أن أقول أنه الفصل الأول من فصول خير أيام حياتي وألذها. 

السبت، 26 ديسمبر 2015

أنت القوة، صديقي الثانوي.

كنت أقول لغدير وعائش قبل الثانوية: لا تخفن ولا تهولن الموضوع، ولا تستمعن لمن يقول "صعب"، مناهج الثانوية أسهل بمراحل عما قبلها ولا أحد يستطيع الإنكار، ولكن الشعور ووعارة الشعور وقسوة الشعور هي التي تفترس الساحة فتقول صعب. واعلمن أنكن ستمررن بأيام تتمنين فيها ورقة شجر يابسة كهدية كي تشعرن بالحب والتحفيز وتدفعكن إلى بذل المزيد، الثانوية تحتاج إلى قوة نفسية هائلة أكثر مما تحتاج إلى مذاكرة وبذل. تأثرت بغدير قبل شهر تأتيني لتقول: "مزن أتذكرين مرحلة ورقة الشجر اليابسة التي حدثتِنا عنها؟ لقد بلغتها الآن."

"الثانوية لا تعني الموت"، عبارة قد قلتها في البداية بينما كانوا يضحكون علي ويقولون سنرى من سيكررها في النهاية وبعد ظهور النسبة والدرجات. مرت سنة صعبة عجِفة وكررتها في النهاية بكل قوة. الثانوية ليست موتًا، ليست كما يضع بعض الأهل أسوارًا حول أولادهم في الثانوية لكي ينجحوا بنسبة مرتفعة، ليست كما هددني أبي بسحب مكتبتي إلى نهاية الثانوية لأنني أنشغل بكتبي أكثر مما أنشغل بأي شيء آخر، وليست كما كان إخوتي يزجرونني كل يوم لأنني لم أغلق هاتفي في الثانوية ولا لنصف يوم حتى أذاكر، وبالطبع ليست كما طردني أخي من مجموعة البيت في الوتس اب لأنني ثانوية، وليست حتمًا كما يصرخ أحد علي إذا رآني خرجت من قوقعتي "روحي ذاكري أنتِ ثانوية"؛ ليست كما قبلت الأخيرة كإهانة لا كنصيحة بحب أو برغبة في مصلحة. 

"الثانوية لا تعني الموت"؛ عبارة قد قلتها ومثلتها واقعًا في حياتي لسنة مضت، كنت أذاكر وأخرج وأتنزه وأقرأ وأعيش حياة عادية، أراد أبي سحب مكتبتي لئلا تشغلني عن المذاكرة فأقسمت إن أُخذت مني كتبي ألا أذاكر، وحدثوا أمي لتسحب مني هاتفي فأقسمت كذلك إن سُحب مني ألا أذاكر، أنجزت بمنة الله أعظم إنجازات حياتي في أيام الثانوية رغم أن كل الناس كانوا ضدي وضد مشاركتي فيها ولكنني أثبتُّ لهم أنني أستطيعُ التوفيقَ بين دراستي ومذاكرتي بتفوق وحياتي الخاصة وإنجازاتي.

صاحبي الثانوي، أحدثك عني وعن ثانويتي لأنني حديثة عهد بالتخرج منها،
تعبت من المذاكرة؟ تعبت من شعور التعب؟ وتعبت أنك تتعب من كل شيء؟ يقولون لك كثيرًا أنك "نفسية"؟ يكثرون عليك الاتهام بأنك "دلوعة وحساسة" لأنك دائمًا متنرفزة لا تحتاجين إلا إلى نصف شرارة لتنفعلي وتغضبي وتبكي؟ تشعر أن الوقت يداهمك ولا تستطيع التركيز في غمرة الغرق بين المعلومات؟ تكثر عليك الكوابيس التي تجعل ما تذاكره يلتهمك؟ ترى نفسك وجبة شهية لتُشتَق أو لتتأكسد وتختزل أو ليهضمك أنزيم أو لتصبح أحد الطاقات المتجددة؟ هون عليك يا صاحبي، لا بأس عليك.

هوّنها يا صاحبي تهُن. اعلم أن الثانوية يا صاحبي أكبر مدرب لك لتصبح ناضجًا مسؤولًا، واعلم أن الثانوية يا صديقي أول المصاعب وأن الحياة ليست هينة سهلة، لكنها بعد حرب الثانوية تصبح في عينيك أنت هينة سهلة وبإمكانك التغلب عليها ما دمت تغلبت على البداية الصعبة. احلم وأسرف بالأحلام، لا بأس أن تعد عدًا تنازليًا حتى تنهي هذا "الجحيم" -في عينيك على الأقل-، لا بأس أن تتوتر وتكثر من الشخبطة في أوراق المذاكرة أو الصراخ ما دمت وحدك، لا بأس أن تعلن أنك تعبت، ولا بأس أن تبكي، لكن الأهم من هذا كله؛ أن تقوم قويًا تذاكر وتحارب وتجتهد وكأن شيئًا لم يكن، وكأنك لم تُخلق ضعيفًا فالله أمدك من قوى الكوكب كله. 

الثانوية يا صاحبي حرب، تعلم منها الخدع الحربية التي تعينك على النصر. لا تبتئس إن أخفقت مرة أو أتيت بدرجة أدنى مما توقعت بكثير، خذها تجربة واستفد من خبراتك لتصبح أقوى وأكثر تفوقًا؛ فالضربة التي لا تقتلك تحييك. أكثر من الطعام الصحي لكيلا تنفخ عقلك بالهواء فينفجر وقت الاختبار ولا يخرج سوى الهواء، بإمكانك استبدال البطاطس بالمكسرات، والمشروبات الغازية أو "السنتوب" بالعصائر الطازجة، وبإمكانك استبدال الحلويات بأطباق فواكه؛ لكي تبني عقلًا قويًا كُل صحيًا. نومك يا صديقي لا تعتدِ عليه مهما كنت مضغوطًا ولم تنهِ مذاكرتك، حافظ على ساعات نوم لا يقلن عن أربع؛ نحن لا نريدك أن تقضي وقتك تذاكر ثم يأتي الاختبار لينهار كل شيء فيك لأنك لم تنم. لا تكتفِ بالحفظ أبدًا، افهم ثم ركز ثم ركز ثم ركز، ما من شيء قد يضيع عليك حياتك ويخربها عليك كنقص التركيز، قد تكون ذاكرت بأفضل ما يمكن، ولكن فقدان التركيز قد يودي بك إلى مهالك لم تتصور يومًا أنك ستبلغها. ريّح نفسيتك، الخوف والتوتر طبيعي، لكن عدم التغلب عليه ومقاومته وهزيمته ليست طبيعية أبدًا، وإني أخشى عليك أن يقتلك خوفك وتوترك فلا تؤدي حسنًا بسببهما! 

وردك القرآني هو الذي يفيض على مذاكرتك ويومك وتركيزك بركة، لا تضيع بركة يومك بتضييعه. لا يكفيك وردك لتتذكر دومًا القرآن، ضع لك لوحًا في مكان مذاكرتك تعلق فيه عبارات وصور تحبها تحفزك، أكثر فيها من الآيات مثل "واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين" ، "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين" ، "قال ستجدني إن شاء الله صابرًا"، وغيرها كثير، والعبارات التي تحبها وتشجعك للوصول إلى هدفك بقوة، وبالتأكيد لن تبخل على تدليع نفسك وإسعادها بأبسط المكافآت التي تسعدك، وكذلك عاقب نفسك بمنعها عن أشياء تحبها إن لم تنجز. 

حاول ألا تبالي وهم يشبعونك بكلامهم السلبي، وهم يضايقونك بالإكثار عليك من أوامر المذاكرة، حاول أن تحيل مشاعرك إلى حجر وأنت تُصدَم بدرجاتك وأنت قد أهلكت نفسك بالبذل، حاول أن تجعلها حجرًا حين تقرر مع كل خيباتك أن تفتش عن موضع الخلل وتصلحه وتعيد الاجتهاد والبذل وكأنك لم تُصَب بخيبة وكأنك لم تتعب أبدًا، فقط كن قويًا اليوم في الثانوية، وستكون قويًا أبدًا بإذن الله. الثانوية بوابتك إلى الحياة وهي التي صنعت مني شخصية قوية تقاوم بعد الثانوية، فاستغلها ليصنعك الله على عينه بها. أسعد نفسك بنفسك ولا تنتظر من أحد هدية لتغدو أقوى، ابنِ سعادتك وعمّرها وأزهر روحك بيديك وقلبك. تذكر أنك بعد فصل ستذوق شعور التخرج ثم ستمضي سعيدًا في أروقة جامعتك بإذن الله، هوّن على نفسك، هوّنت على نفسي كثيرًا بها وأنا اليوم أتقلب في نعيم جامعتي. 

أعلم يا صديقي بأن حديثي مفرط الإسهاب لم يجعلك تمل لأنك تحتاج إلى أبسط كلمة تدفعك لتكون قويًا، وتحتاج إلى شخص يشعر بك كي تحس بالأمان. أعلم يا حبيبي أنك تمر بأيام صعبة عجاف قاسية وأنك تحتاج إلي فيها، لذا أنا أذكرك في دعائي أكثر مما قد تستطيع التصور حتى. كن قويًا حبيبي وقاتل، فما الحياة إن لم تكن حربًا وجهادًا؟ 



________
إلى صديقاتي الثانويات، عائش، غدير، إستبرق، تذكار، ريم، أصيلة، رحمة، موزة، نورة، خديجة، أنفال، وإلى تلك القوية التي تدهشني بقوتها وهي تحارب لسنتين، وإلى كل من تذكرت ولم أتذكر وعرفت ولم أعرف.

الأحد، 15 نوفمبر 2015

هبة في وطن.

أنا هبة؛ ربما ترى من عينيّ أنني أفغانية، لا تعجب إن رأيتني أرتجف وأغمض عينيّ عند صدور أي صوت مفاجئ؛ هذا طبع لم أدرِ أسبابه وحلوله، أمي تقول أنها تعلم سببه؛ تلك القنابل في القصف العنيف الذي كنت أسمعه وأنا ألتقم ثديها الذي لا يسكت جوعي بل بكائي، لم يكن صدر أمي يدر الحليب، كان يدر الأمان ولا شيء غيره، ذاك الصدر الذي كان يدثرني بالأمان ويتدثر هو برعب حياة المخيم، وقرص البرد، وعضّ الجوع. عمومًا، أنا هنا الآن سعيدة، طفلة لا ينقصني شيء أضحك في وجه السلام الذي يحتضنني، ولا أشعر بالغربة والمهانة التي يشعر بها والداي.

عمري ككف يدي، امممم لا لا! سامحني نسيت أنني كبرت قبل شهر وعام ليصبح عمري سبعًا، أنا كبيرة الآن إلى حد أستطيع العناية بإخوتي الصغار، وإلى حد أنني أقرأ وأصلي. الصلاة؛ تلك الطمأنينة المغشّاة المكبوتة في بضع حركات وأقوال، هي أقوال تهز جبالًا وترفع أممًا لو وُعيَت، ولكن من يعي منهم؟ أسجد لتحضتنني الأرض حضنًا لا أحتاج بعده إلى شيء، لم تكن الطمأنينة في الحضن الأرضي بقدر ما كانت بالذكر الذي أقوله فتشتاق روحي للسماء فتطير! أحب الصلاة وأحب اللعب مع أقراني، ولكن أحب سعادة الصلاة أكثر.

نسيت أن أصرح لك أننا نعيش الآن في بلد آمن مطمئن، الناس فيه يحبون بعضهم، أبي يعمل في مكان كبير لا أتذكر اسمه، المهم أنه يعلّم الطلاب الذين يحملون الكتب، أراهم يجدّون حين أخرج للعب لأننا نسكن في بيوت مبنية داخل مقر عمل أبي مخصصة للعمال الوافدين، لا أدري لمَ تنزعج أمي من أننا وافدون وتشعر بالضيق كلما ذكر أحدهم ذلك؛ نحن سعداء! ووطننا الذي لا أعرفه سوى ببكاء أمي وطبطبة أبي يشبه هذا البلد أو ربما يكون هو! أمي تقول أننا سنعود، وأن الحرب سيتوقف، وأن السلام الوطني حق لن تموتَ حتى أناله وإخوتي، أمي تأخذها عاطفتها وتحن إلى أهلها هناك، أما أبي فلا يبدي لنا إلا الصلابة، ولكنني رأيته مرةً في الليل يبكي ويردد اسم الوطن، لم أفهم ما يعني ولكنني أراه للمرة الأولى بذاك الانكسار.

أخرج عصر كل يوم لأذهب لتعلم القرآن الذي أستمتع كثيرًا بتعلمه مع رفقائي، نحاول التعلم بسرعة حتى نلحق على اللعب قبل غروب الشمس، أمي يذكرها الغروب ببلدنا فتسرح إلى حد أنها لا تسمعني حين أحدثها. المهم أن السيدة السبعينية العربية التي تعلمني القرآن فخورة بي هذا الأسبوع لأنني أخيرًا -وبعد عناء وزمن- استطعت نطق الصاد كما ينطقها العرب، وأنا سعيدة لأنني سأقرأ القرآن قريبًا بإذن الله كما أنزل على النبي الذي أحب!

يقولون أن عينيّ حلم المصورين، وراحة المتعبين، ولكن لمَ لا يرون في عيني كل واحد منهم ما يرون في عينيّ؟








___________
مستلهمة من:


الاثنين، 2 نوفمبر 2015

أنت البناء.

ماذا قد ترى في الجامعة؟ كائنات معذِّبة وأخرى معذَّبة! لا لا كنتُ أمزحُ أو أنظر إلى العالم بالسوداوية التي يراها بعض الطلاب، قد ترى في الجامعة النعيم كله، وقد ترى صحبة تظن أنهم مُنزَّلون لك من الجنة ولا يخيب ظنك، ولكيلا أعطيك صورة مثالية جدًا، قد ترى عذابًا، ولكن العذاب قد تخوض فيه شاقيًا، أو تخوض مجاهدًا متلذذًا بجهادك، وهذا كله يعود إليك وحدك!

أيا طالبًا جامعيًا، أصغِ إلي جيدًا.. لا يمكنُ لأي أحد أن يأخذ منك نور الشمس، لا أعني الشمس التي تحرقك -بناظريك- بل تلك التي تحتضر الدنيا دونها، لا يمكن للمدرس الذي تتذمر منه أن يحبطك، لا يمكن للمحبطين -حتى- أن يغيروا أيًا من قناعاتك، ولا يمكن للقواعد الثابتة أن تسري عليك، من قال أن كليتك مقبرة الجامعة؟ من قال أن أصدقاء الجامعة -من غير تخصصك- لا يدومون؟ من قال أن اختباراتك مهما بذلت فيها لا تحصل على درجة عالية؟ ومن قال أنك عبد طوع المعدل؟ قوانين الحمقى لا تسري عليك إلا إن شئت أنت!

تقاعسك عن البناء مسؤوليتك وحدك، وسعيك فيه مسؤوليتك وحدك، أنت إن اخترت لنفسك التطوير والعمران أخذت الجامعة بيديك كلتيهما، وكانت لك خير بانٍ ومعمر، وإن لم ترد لنفسك إلا الحياة الدنيا*، فهي لك كلها؛ فلتتحمل خسرانك!

بيدك أنت ترتقي الأمة، وبعقلك تنمو، وبعينيك تستنير، "عيناك حلمها الذي سيكون كبيرًا كما يحلم المتعبون؛ كبيرًا كخير بلادك"، أنت تخفيف من الله على أنين المعذبين، حرية المسجونين أنت حين تتنفس هواء بلادك تنعم بحريته وتنعم بعطائك في ظلها، أنت حين تأكل من أفياء الله إنما تدخل في جوفك قوت الجوعى، وحين تدعو لك أمك إنما تدعو لكل يتيم حزين، وأنت حين تتزمل بدفء دثارك إنما تلم المشتتين جميعًا، أنت حين تقاسي الشمس، حين تقطع الدروب الطوال، حين تجاهد لتتعلم، حين تقاوم النعاس لتقرر النهوض عوضًا عن السبات اللذيذ، وحين تنتفض مزيحًا عنك كل كسل؛ مجاهدًا تبغي سمو فكر، أنت إذن في أقصى حالات البناء، أنت تعمّر العالم!

أنت يا صاح بيدك أن تحترق لتضيء، تحترق حين يغمرك شعور التقصير ونكران الجميل حين تغرق في نعم الله ولا تستطيع رد شيء من جميله، فيدفعك احتراقك إلى احتراق أعظم في أن تفني نفسك في البذل إلى أن تضيء العالم، أنت نور على نور!

قف دون رأيك في الحياة مجاهدًا
إن الحياة عقيدة وجهاد! 



_____________________
*الحياة الدنيا: هي الحياة التي يختار صاحبها أن يحياها في  أدنى مستوى لآداء المهمة التي خلق لأجلها.

الجمعة، 16 أكتوبر 2015

حبيبي المجاهد..

وددت لو أنك هنا تستنشق معي نسيم الله الذي يرسله ليلطف أجواءنا حين تتعكر الحياة في أعيننا، وددت لو أنك تذكرني بكل الآيات التي أسهب الله فيها عن إبداعه اللامتناهي في خلق كائنات كهذه توسع صدورنا الضيقة، وأصواتٍ كهذه تجبرنا على الابتسام. وددت لو أنك فقط تسمعني تلاوتك التي تجعلني ألطم وجهي وأشق جيبي على كمية جحودي وكفري حين لا أشكر الله عليك دائمًا. ووددت لو أن الحياة تتسع أكثر من سعتها سعةً فتصغّر كوكبنا إلى درجة أنك تعيش معي فنجاهد معًا.

أعني؛ ماذا على الدنيا لو قربتنا أكثر؟ لو لم يكن بيني وبينك سوى اتصال ورد آتٍ أنك ستكون هنا بعد ١٠ دقائق ثم تأتي في أقل من ذلك لتهاجم سكينتي في الجنة بتغطيتك عينيّ من خلفي فتعلو ضحكتي وفؤادي يضحك معي، ثم نجلس طويلًا نركض وراء ضوء شمس أمتنا لنرفعها، أو لنزيح السحاب الأسود فنمطره فحسب ليعيش العالم سعيدًا؟ ماذا لو رفعتني لألتقط كرزة أو رمانة ثم أطاردك لأطعمك، أو لنقتسمها إلى نصفين تأكل واحدًا فأطعمك الثاني لأحصل على أجرك ولأذوقَ حلاوتَه وحلاوتَك معًا. ما ضر العالم لو لم يشتتنا؟

ماذا على الصهيوني لو تركنا نمشي على شواطئ حيفا نغني عزًا أو حبًا؟ ماذا على العالم لو لم يصمت لقهرنا؛ لو لم يختر لنفسه قعر جهنم لرؤيتنا نموت بلا أن يحرك ساكنًا أو حتى يفكر فينا أو في مهمته في الحياة بلفظٍ أدق؟ ماذا عليك لو تحركت لئلا تدعثر حبيبين؟





١٢:٤٩م
٣٠-ذي الحجة-١٤٣٦
الحديقة الطبية.

الخميس، 15 أكتوبر 2015

#مذكرات_صعيدية_منتزقة ٢



أستيقظ، أنظر إلى المنبه الذي كتبت فيه "إنا جعلناك خليفة في الأرض" فأبتسم وأغلقه لئلا يزعج أختيَّ النائمتين، أنهض، أغتسل وفي رأسي تزدحم خطط اليوم، أسدلُ شعري الذي تكره أختي أن أسدله، أنزلُ إلى أمي بقبلةٍ على يدها وابتسامة عميقة، أحمد الله كثيرًا على اليوم الجديد الذي منحنيه ويجب علي شكره بأن أنجز إلى أقصى حد، أمسك بقلمي ودفتر خططي وأبتسم وأنا أردد "هي أمة كثر الظماء بها وقد حان المطر"، أحادث صديقتي ثم أمتنع لأنني خططت أن أذاكر اليوم بعد يوم أعمال المنزل الشاقة البارحة، لا أحد يذاكر في المرحلة التأسيسية لكنني أفعل لأكون ما أريد، لكي لا أسألَ الله أن يحققَ لي حلمي وأنا لا ألقي بالًا لما قبله، آه رسالةُ الجمعة من أخي البعيد لعمله، أضحك كلما نظرت إلى تسميتي له "الحبيب" لأنه من أكثر الناس الذين يستحقون حبي في هذه الحياة، أذكر احتضانه وكلامه في كل الأوقات الصعبة، أرسل له: "اشتقت إليك جدًا.." فيرد أنه أيضًا يشتاق إليّ ويحاول أن يجد وقتًا ليأتي إلى البيت فلا يجد، يسألني عن الجامعة، أجيب بحب رغم التحدي والمسؤولية، يقول: "صناعة شخصية الفرد تبدأ من الجامعة، شدي الهمة وأثبتي جدارتك واجعلي عزيمتك دائمًا قوية وخذي المواقف بشكلها الإيجابي ففي النهاية تدرسين لنفسك لتصنعي مستقبلك كيفما شئت أن يصبح."، يا رب الصباحات وإلهام أخي وحبه.

كل طريق أسلكه، كل شجرة أتأملها، كل محاضرة أحضرها، كل جهاد عميق رغم التعب، كل لقاء وكل تصرف هو الذي يصنع مستقبلي، حرية الاختيار وحرية التصرف أساس لكل طالب جامعي، كل أولئك الفتيات اللاتي يتخذن الجامعة لعبًا في تفويت المحاضرات وفي مظاهرهن، كل أولئك الصبية الذين يتلهفون على الفتيات وكأنهم ما رأوا خيرًا قط، كلهم اختاروا لأنفسهم عدم النضج أو "اللافائدة"، وباختيارهم ينهارون وهم سعداء.

بعيدًا عن الإرهاق وكل الأمور السيئة التي تحيط بي في الجامعة، إلا أن لذة المسؤولية واتخاذ القرار وحدي، وبناء نفسي وحدي، هي لذة الجامعة وحبها، وهي بنائي لنفسي لأنفعَ. كل تلك الهواجس التي تطاردني ابتداءً من غيابي المبالغ فيه من البيت عن أمي، إلى القائمة الطويلة التي لا تنتهي من الأهداف التي أود تحقيقها هذا الفصل؛ كلها تلك هي في الحقيقةِ أنا؛ الطالبة الجامعية الجديدة التي لا يكف الناس عن مداعبتها بلفظ "صعيدية" كنوع من الابتزاز وأنا أضحك.

صدقُ الصديق، الصبر على الطريق، جعل الله عرضة لأيماننا إصرارًا في الوصول إلى ما نريد، كثير من تعلقٍ بالله، وإعمال فكر وجهد فيما لم يفكر فيه أحد، هي -باختصارٍ- عزة أمتنا. فهل نكون؟



_______
كتبتها منذ ١٠ أيام ولم أراجعها وأنشرها، العذر ممن انتظر والأجزاء القادمة آتية. وافوني بقراءاتكم.